ثورة الطلاب من أجل فلسطين: مساواة أم مساواتية

هل يمكن لـ«ثورة الطلاّب» في الغرب، انتصارا لفلسطين، أن تعزّز ما يقوله أهل الذكر والاختصاص هناك، من أنّ الإجماع الأيديولوجي حول الرأسماليّة الليبراليّة والعولمة، وما اكتسبه من شعبيّة منذ سقوط الأنظمة الستالينية أواخر الثمانينيات، بدأ يتفكّك؟ فثمّة ما يشبه عودا على بدء للنقد الاجتماعي، وخاصّة في فرنسا حيث يشيد الباحثون بتطوّر علم الاجتماع النقدي، على نحو ما نقرأ في مقالاتهم عن أعمال بيير بورديو ولوك بولتانسكي.
ما يلفت الانتباه في هذه «الثورة» وهي لا تزال في بداياتها هو ما نلحظه من إشارات دالّة إلى أنّ حرب الإبادة في فلسطين وتحديدا في غزّة، تطرح على نحو غير مألوف، مفهوم المساواة أي هذا المبدأ الأخلاقي الغريب عن الرأسماليّة الليبراليّة، أو الذي يعتبر من الاشتراكيّة أو حتى من الدين. هناك إذن مشهد فكريّ/ أخلاقيّ مستجدّ يومئ إلى الفجوة القائمة بين الفلسفة السياسيّة المعياريّة التي «تستعيد» بعض هذه المفاهيم بمبادئها ودلالاتها الاجتماعية، وبين النظريّة الاجتماعيّة التفسيريّة التي تجلو هذه المفاهيم وما يحفّ بها. وليس ثمّة أكثر دلالة من عدالة القضيّة الفلسطينيّة التي تكشف أكثر من أيّ وقت مضى، عن أصل الظلم والمعاناة في عالمنا، منذ نشأة دولة الاحتلال وتوسّعها من حرب إلى أخرى؛ بالرغم من أنّ هذا «الوعي» لا يزال يترجّح بين التفكير في العالم كما هو ماثل للعيان، وبين سحر «التعاقديّةّ» ونظريّة دولة القانون وحقوق الإنسان والمواطن. و«التعاقديّة» أشبه بـ«حادث» عارض أو «مصطنع» يمكن أن يستخدم في اتجاهين متعارضين: نقض جوانب معيّنة من الفكر الحديث أو تعظيمها وتقريظها، من أجل إعادة بناء المجتمع أو «صنعه» كما تصنع الآلة؛ واختزال المجتمع في أفراد تبدأ منهم عمليّة الإعادة هذه؛ فيكون من ثمّة سلطان الإرادة، وسلطان الاستقلال الذاتي إجلالا وتعبّدا؛ وكأنّ العالم مخلوق كالآثار الفنيّة أو الصناعيّة. فهل تقود هذه «الثورة» إلى صياغة مشروع اجتماعي/ سياسي جديد يتآخى فيه البشر، ويتساوى شمالهم وجنوبهم؟
يرى هؤلاء الباحثون أنّه من المحتمل أن يكون هناك تقاطع ما بين المساواتيّة من حيث هي نظريّة معياريّة، ومن حيث هي نظريّة اجتماعيّة تفسيريّة أساسها البنى الاجتماعيّة. ولعلّ أحد أبرز هؤلاء هو ألكس كالينيكوس الأستاذ الجامعي المتميّز، وأنا أقرأ نظريّته في ترجمتها الفرنسيّة لا في أصلها الإنكليزي؛ وأتمثّل به لموقفه النبيل المساند لفلسطين هو ومجموعة من الفلاسفة. وهو يؤكّد أنّ عمله الفلسفي يهدف إلى دعم المفاهيم الماركسيّة حول التغيّرات في المجتمع، والاستدراك عليها، كما في مصنّفه «صناعة التاريخ» يرى أنّ المجتمعات السوفييتيّة في القرن الماضي، والكوبيّة والصينيّة وشبيهاتها، ليس فيها أيّ أثر للاشتراكيّة، وإنّما يحسن أن تُفهم فقط على أنّها سيطرة ديمقراطيّة على الاقتصاد من قبل موظّفي الدولة. على أنّ ما يعنيني في السياق الذي أنا به، هو أنّ نظريّته تتّسق وموقفه المساند لفلسطين هو ومجموعة من أساتذة الفلسفة من أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية وأوروبا. ونقرأ في بيانهم أنّهم يكتبون، وأنا أنقل كلامهم بكلّ أمانة، ليعربوا، علنًا وبشكل لا لبس فيه، عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني، وإدانة المذبحة المستمرّة التي ترتكبها إسرائيل في غزّة، والتي تزداد ضراوة وتنكيلا، بسرعة مع الدعم المالي والمادّي والعَقدي الكامل لحكوماتهم [المتواطئة]. وهم لا يدّعون أيّ سلطة معيّنة أكانت أخلاقيّة أم فكريّة أم غير ذلك بحكم كونهم فلاسفة، ومع ذلك لا يخفون أنّ تخصّصهم يوطّئ السبيل لمعالجة الممارسات الإقصائيّة التاريخيّة في الفلسفة، والانخراط بشكل مباشر في الكفاح ضد المظالم الملحّة والعاجلة. ويدعون، من أجل تحقيق هذه الغاية، زملاءهم الفلاسفة إلى الانضمام إليهم والكفاح ضد الفصل العنصري والاحتلال، ودعم المقاطعة الأكاديمية والثقافية للمؤسّسات الإسرائيليّة. فلا تواطؤ ولا صمت إزاء هذه الإبادة المروّعة، والآلاف المحاصرين تحت الأنقاض، الذين تقطع عنهم إمدادات الغذاء والماء والأدوية والوقود والكهرباء، الذين يفرّون من منازلهم وسط الغارات الجويّة بحثا عن ملاذ آمن لا وجود له في غزّة. ويقولون في بيانهم، عن دراية تامّة بتاريخ فلسطين، ونشأة دولة الاحتلال العنصريّة، إنّ الحديث عن نكبة ثانية أمر مروّع حقّا، لكنّه وصف مناسب. ومن واجب أصحاب الضمائر أن يرفعوا أصواتهم عالية ضدّ هذه الفظائع؛ وهذا ليس بالأمر الصعب.
إنّ إدانة دولة إسرائيل كما يقولون في بيانهم، وفضح الدعم الدؤوب الذي تتلقّاه من الولايات المتّحدة وحلفائها، ينطوي على ما يشبه احتفالاً بالعنف يديره ساسة الغرب ويريدونه سرّا أو علنا، فهم كمن يراوغ على الأرواح البريئة، ومقتل المدنيين، متناسين أنّ تاريخ العنف، لم يبدأ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. وما عدا ذلك ليس سوى إظهار لامبالاة غير مسؤولة تجاه التاريخ، وحياة كل الناس في فلسطين أكانوا من الإسرائيليّين أم من الفلسطينيّين. ولن يتوقّف العنف ولن يزال، إلاّ بتوقّف الظروف التي تنتج العنف، وإزالتها.
فقد استمر الحصار المفروض على غزة طوال 16 عاماً؛ واحتلال الضفّة الغربيّة والقطاع مستمرّ منذ 56 عاما؛ في مواكبة لا تنقطع، لتجريد الفلسطينيين من أراضيهم، وطردهم من ديارهم في جميع أنحاء فلسطين التاريخيّة طوال ثلاثة أرباع قرن، أي منذ إنشاء إسرائيل في عام 1948 دولة ذات سيادة عرقيّة. وليس من قبيل التجنّي أو الصدفة أن يصف المراقبون – ومن بينهم جماعات حقوق الإنسان الدوليّة والإسرائيليّة – سيطرة إسرائيل على البلاد الممتدّة من نهر الأردن إلى البحر الأبيض، بأنّها نظام فصل عنصريّ لا يخفى إلاّ على الذين على أبصارهم وقلوبهم غشاوة.
والأهمّ كما يقولون، أنّهم جميعا يدركون تمام الإدراك أنّ بلدانهم التي يعيشون فيها ويعملون ويدفعون فيها الضرائب، تدعَمُ طرفا واحدا فقط في هذا الصراع غير المتكافئ: الظالم.
أمّا المطالبة بوقف فوريّ لإطلاق النار، على ضرورتها، فيجب، أن تكون البداية وليس النهاية، في سيرورة هذا العمل الجماعي من أجل التحرّر، وتحقيق العدالة والسلام وإنهاء الاحتلال، وعودة اللاجئين الفلسطينيين من المنفى.
كم أرجو وأنا أتابع مثل كثيرين «ثورة الطلّاب» وأساتذتهم، أن ينهض أساتذة الفلسفة وعلم الاجتماع والتاريخ في البلاد العربيّة، والفلسطينيّون تحديدا بإبراز هذا الجهد الذي يبذله الأحرار من مثقّفي الغرب، أعني هؤلاء الذين يمكن أن يكونوا خير سند لـ«ثورة الطلاّب»؛ وهم يعيدون الاعتبار لـ«المساواة» بين الشعوب، وليس لـ«المساواتيّة» من حيث هي نظريّة لا غير. ويدرك العارفون من هؤلاء أنّ هذا الانفصال بين النظريّة الاجتماعيّة المعياريّة والتفسيريّة ليس جديدًا بالطبع، وأنّ ماركس وفيبر، وإنْ كلّ على طريقته، كانا يدركان المشكلة، لكن من دون أن يتمكّنا من حلّها. ثمّة إذن أمل ما أو رجاء ما، في أن تلوي هذه الثورة عنق التاريخ، عسى أن يستدير ويرى إلى المعذّبين في الأرض، وإنْ في ضوء هذه الفلسفة السياسيّة المعياريّة التي ما تنفكّ تشهد تطوّرات مثيرة منذ عقدين أو أكثر. سمّها ما شئت «ليبراليّة مساواتيّة» كما يقولون، فهي مع نظريّة العدالة الاجتماعيّة، قادرة اليوم، وإن بعنت شديد مع صعود اليمين المتطرّف في الغرب، على تلبية متطلّبات الحرّية والمساواة، وفهم أفضل لما يقف في وجهها من معوّقات؛ ومن ثمّة توطئة السبيل لتذليلها.
صحيح أن «المساواتيّة الليبراليّة» تظلّ سندا للرأسماليّة الليبراليّة، لكن لصالح متطلّبات تصوّر مُغْر طموح للمساواة بين الناس. يقول ألكس كالينيكوس: «لقد حاولت أن أبيّن في كتابي الأخير (المساواة) أنّ أحد أسباب التوتّر الرئيسة المتأصّلة في هذا التقليد هو انعدام التوافق الأساسي بين هذا المفهوم والرأسمالية، مهما كانت».
لنقل إذن وإن بحدْس الشعراء «صدَق الشعراءُ وإن صدَفُوا»، إنّ الأمل ينشأ ويدرج في هذه المسافة بالذات، في هذا «الأفق الرمادي» للديمقراطيات الليبراليّة المعاصرة، ممّا يجعل مبدأ الاختلاف «الذي بموجبه لا ينبغي قبول التفاوتات الاجتماعيّة والاقتصاديّة إلاّ عندما تعمل لصالح الفئات الأشدّ عوزا، بمثابة تأنيب دائم، في مواجهة عالم يدين بعدم المساواة بشكل واضح، خدمة للأثرياء دولا وأفرادا» وكشف ضمنيًّ عن قسوة الرأسمالية المتقدّمة وظلمها، وولع الواقعين تحت سطوتها، بالسلع والعقل الأداتي.
عسى أن تكون هذه الثورة من أجل فلسطين بداية صياغة ممكنة لمبادئ عالميّة من أجل العدالة، فمحاولة تحرير النظرية السياسيّة المعياريّة من حبسها في التجريد الفلسفي «المساواتيّة» بدل المساواة، أي معاملة الناس كلّ الناس على قدم المساواة، وتزويد كلّ إنسان بالموارد التي تمنحه الفرصة نفسها، لتحقيق قدراته بشكل أفضل. وهي ليست المساواة في الرفاهية، وإنّما المساواة في الحقوق والواجبات، وفي مجال العيش معا، وازدهار الإنسان بمعنى فرحه واحتفاظه بحقّه في «أخلاق الحرّية»؛ دونما «عجز أخلاقي» أو خوف من زهرة الدنيا وزينتها، في هذه اللحظة التي تأخذ فيها فلسطين بأيدينا.
*كاتب من تونس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية