«أعيش هنا وأتنفَّس هناك» فيلم وثائقي للمخرج العراقي قاسم عبد: اكتشاف اللامألوف في ذاكرة الأمكنة المألوفة

 مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

من بعد أن يختار مخرج الفيلم الوثائقي موضوعه، يضع في أولى حساباته أن يكون دقيقا في إظهار الواقع، وشرطه الأساس في ذلك أن لا يحيد عن الموضوعية، بمعنى عدم السقوط في دائرة التخييل الذاتي في رؤيته للوقائع، وإذا لم يراع ذلك سيفقد نتاجه عنصر المصداقية، لأنَّ دراماتورجيا الفيلم الوثائقي تتقصد إظهار الواقع دونما تجميل، على عكس الأفلام الروائية بما تمنحه من هامش واسع للتخييل في تعاملها مع الواقع حتى لو تناولته بأسلوب واقعي، أي أن السر في جماليات الفيلم الوثائقي من الناحية المنهجية كامن في توظيفه لكل عناصره الفنية والتقنية في مسار رصد الحقيقة، بغض النظر عما إذا كانت تفاصيل الموضوع تبدو بسيطة وعادية وليست فيها أية أحداث مثيرة، ومثال على ذلك فيلم «أعيش هنا وأتنفس هناك» إنتاج 2023 للمخرج قاسم عبد.

السياق الثقافي والاجتماعي

يشير عنوان الفيلم إلى الإشكالية الذاتية التي يعيشها المخرج، الذي هو الشخصية الرئيسية رغم أنه لا يظهر في الفيلم، إذ يبدو متوزعا في مشاعره بين سَكنه في العاصمة البريطانية لندن، وبين انتمائه إلى موطنه الأول بغداد، ولكي يسرد ما يجيش بداخله من انفعالات إزاء المكانين لجأ إلى حبكة بسيطة، وذلك عندما أمسك في بنائه السردي بزمنٍ واحد يجري بين مكانين أمام الكاميرا، فوضع عدستها أمام نافذة بيته في لندن، ونفس الحال في بغداد، لينتقل في نفس الزمن وعبر مونتاج متوال بين المكانين، مقتنصا جريان الحياة في شارعين أحدهما في لندن والآخر في بغداد، وكاشفا من خلال ذلك عن السياقات الثقافية والاجتماعية التي تعيش بظلها عينات إنسانية مختلفة تنتمي لهذين المجتمعين، معززا بذلك من قيمة الفيلم باعتباره وثيقة ثقافية وتاريخية واجتماعية، ووسيطا إبداعيا لاحتواء التنوع الإنساني والعمراني والثراء البصري.
لاشك في أن هناك حالات من مشاعر اللوعة والعشق والهيام عبَّر عنها المخرج بشفافية عالية إزاء المكانين، على ما فيهما من اختلافات في نمط الحياة وإيقاعها، وما تحفل به من علاقات وأصوات، معتمدا بذلك على عنصر الصمت الذي عادة ما يعقب الأصوات التي تتسرب إلى المتلقي، ومن هذه المتوالية ما بين الصمت والصوت تشكلت أشبه ما يكون بمقطوعة سمفونية توزعت حركاتها ما بين هدوء الحي اللندني وفوضوية الحركة وحيويتها في الحي البغدادي، ما عمّق الإحساس بحالة التأمل إزاء جماليات الحياة هنا وهناك التي سعى المخرج إلى إيصالها، حتى بدا أن عملية السرد يتعاقب على أدائها الصمت والصوت، ما أضفى على واقعية ما يجري طابعا وجدانيا، ولم يعد هناك من حاجة للاستعانة بدلالات رمزية أو تشبيهات بصرية لإجراء مقاربات صورية مع الواقع الذي ترصده الكاميرا.

شخصيات حقيقية

مع أن كل الذي نراه على الشاشة للوهلة الأولى يبدو مألوفا ولا يثير الانتباه ولا يدعو إلى الدهشة، لأن أعيننا كمتلقين قد تعودت يوميا على رؤيته، سواء كنا عراقيين أو بريطانيين، إلاَّ أن المخرج منحنا فرصة اكتشاف الجماليات الآسرة في الحياة الواقعية، بين مكانين محدَّدَين وضمن حيز محدود، وقد فرض أسلوبه على إيقاع الفيلم عبر التقاطه لتلك اللحظات التي تكشف الروتين اليومي لحياة الأشخاص بين هذين المكانين ضمن تعاقب حركة الزمن والأشياء، ما أن يبدأ الفيلم سرد حكايته مع ساعات الفجر الأولى مرورا بما يعقبها من ساعات خلال بقية النهار. ومن خلال اختلاس النظر عن بُعد لمراقبة الشخصيات من دون علمها، تجلت الحقائق المتعلقة بثقافات الناس على تنوعها، تبعا لقومياتهم وأديانهم وجنسياتهم، فنرى أصنافا من البشر بينهم مسلمون ومسيحيون وسيخ، بيض وملونون، عرب وهنود وآسيويون وأوروبيون، نساء محجبات وأخريات سافرات، صبايا وأطفال، جميعهم يظهرون في الفيلم باعتبارهم جزءا من تفاصيل يحتويها الفضاء العام، ولم يكن لديهم عِلم بأنهم تحت رصد كاميرا المخرج، لذا كانوا يتصرفون بعفوية، وهنا نجح الفيلم في خلق علاقة تواصل وجدانية صادقة وعميقة، بين المتلقين وما يجري على الشاشة، لأنهم  يشاهدون تجارب حقيقية ليس فيها تمثيل.
إن أسلوب السينما المباشرة، أو ما يُعرف بالـ Direct Cinema الذي لجأ إليه المخرج يرتكز على آلية التقاط الأحداث كما تجري في الواقع، من دون تدخل أو توجيه منه، وهذا الأسلوب كان قد ظهر في ستينيات القرن الماضي في سعي من السينمائيين لرفض الأساليب التقليدية التي تستعير تقنياتها من الأفلام الروائية، التي عادة ما يكون للمخرج فيها أي دور في إعادة تنظيم الأحداث وتوجيه الشخصيات. والقصد من وراء اللجوء إلى تقنيات السينما المباشرة تقديم صورة غير مزيفة عن الواقع، واكتشاف ما يختفي خلف مظاهره العادية من صور الجمال، وليس مهما إذا ما كانت مفرحة أو محزنة. وهذا يعني أن بنية الوثائقي تبقى مفتوحة بشكل مطلق على كل الاحتمالات لأنها تنهل مادتها الخام من الواقع الحقيقي، ولن يتجرأ صانع الفيلم على أن يجري عليها تعديلات، حتى بعد أن يختارها، لأنه سيخسر المصداقية.

المكان بديل الشخصية

تظهر على طول زمن السرد لحظات عادية يومية في مكانين مختلفين، ترصدهما من زاوية واحدة كاميرا ثابتة في مكانها لكن بمحور متحرك، وقد حرص المخرج على أن لا يغيّر من حجم اللقطات مكتفيا باللقطات العامة، باعتبارها أداة بصرية تلعب دوراً هاماً في تقديم السياق، وتعزز العمق البصري، وتبرز التباينات، كما تسهم في إعداد المشهد، وتوفر خلفية غنية للأحداث، والأهم من ذلك أنها تُظهِر العلاقة المتبادلة ما بين الأشخاص وبيئتهم، والكيفية التي يتفاعلون بها مع محيطهم في حياتهم اليومية.
وفي ما يتعلق بالشخصيات لم يشأ المخرج أن تكون محور الفيلم، لكنه اختار المكان بدلا عنها، ليشكل البؤرة التي تُحدد إطار رؤية السارد للأحداث الذي هو المخرج في الوقت نفسه، على اعتبار أن المكان الموزع بين لندن وبغداد، يمثل القطب الآخر المقابل للمخرج في ما يطرحه الفيلم من إشكالية العلاقة بينهما. ومن خلال ما يحتويه المكان من حيوات وأشياء وأصوات، يسرد المخرج حكايته بذاتوية عن طريق الكاميرا، لكن من غير أن يظهر أمامها، لتتكشف بالتالي العلاقة الحساسة التي تجمعه مع المكان، إلى الحد الذي يبدو فيها متأرجحا وبشغف بين الماضي والحاضر، وبين بيته في بغداد وبيته في لندن، مع أنه لم يستعرض لنا ولو بلقطة واحدة أي تفصيل من داخل البيتين، باستثناء إطار النافذة الواسع في بيته اللندني، كما لو أنه غائب عن الحياة داخل جدران البيت، بينما حلَّت الكاميرا بديلا عنه لتراقب دفقات الحياة خارج البيت، بالتالي فإن هذه الخيارات التقنية، ساهمت في رسم جماليات السرد السينمائي، حيث بدا الفيلم مفعما بالبساطة والعمق في آن.

صياغة عناصر التجربة

ورغم أننا نقف في هذا الشريط أمام مسارات صورية مألوفة لدينا في واقعنا اليومي، لكنه دفعنا إلى أن نكتشفها من جديد، كما لو أننا لم نرها من قبل، بذلك اكتملت في حبكته عناصر التجربة الإبداعية، طالما أنها ساهمت في لحظات زمكانية اكتشاف أفعال ومشاهد وصور، كانت تبدو عادية لا تستحق عناء تأملها لكثرة تكرارها في حياتنا. وربما يجد البعض، أن ما انتهجه الفيلم في توثيق ما يجري أمام عدسة الكاميرا يبدو مفتقرا إلى الجهد الإبداعي وخاليا من الرؤية، إلاَّ أنَّ القراءة النقدية العميقة لهذه التجربة تفضي بنا إلى أن نثني على ما أنجزه المخرج، لأنه نجح في إعادة صياغة أحاسيس المتلقي إزاء ما هو عادي في روتين الحياة اليومية، بالشكل الذي جعله يقف في زاوية جديدة لم يكن قد انتبه إليها، ليرى كل شيء سبق أن أعتاد رؤيته وشبع منه كما لو أنه لم يره من قبل.
وتكمن لعبة المخرج في حبكته السردية، إذ لم يستعن بأية أدوات فنية من خارج الواقع الذي ترصده الكاميرا، ولم يلجأ إلى تقنيات تقليدية عادة ما تكون حاضرة في بناء الفيلم الوثائقي السير- ذاتي مثل التعليق الصوتي، والصور الفوتوغرافية، والكتابة على الشاشة، كما استغنى عن أجراء اللقاءات التي غالبا ما يلجأ إليها المخرجون، باعتبارها وسيلة سهلة لإيصال المعلومات وما يجول في دواخل الشخصيات من أفكار، بينما اختار مقابل ذلك أن يعزز من الحضور الطاغي للأصوات الطبيعية التي يحفل بها الجو العام للمكان. وفي سياق الأسلوب أيضا، نلاحظ أن المخرج لم يجد مبررا مقنعا في ما لو عمل على إيضاح الأسباب التي وقفت خلف مسألة مغادرته للعراق والإقامة في بريطانيا، لهذا استغنى عنها ولم يتطرق إليها، حتى لا يخرج الفيلم عن سياقه الموضوعي، ويبتعد بذلك عن إيصال فكرته الأساسية حول إشكالية العلاقة مع المكان باعتباره حاضنة اجتماعية، وذاكرة حافلة بمفردات مادية وإنسانية.
سيرة المخرج قاسم عبد تشير إلى أنه حاصل على شهادة الماجستير من معهد السينما في موسكو، كما شارك في مهرجانات دولية ونال عددا من الجوائز منها: جائزة الجمهور في مهرجان السينما العربية المستقلة لندن عام 1999 عن فيلمه «ناجي العلي فنان ذو رؤيا» جائزة النقاد في مهرجان حقوق الإنسان في رام الله فلسطين 2000 عن فيلم «حاجز سردا» جائزة أفضل تصوير في مهرجان العراق للفيلم القصير 2005 عن فيلمه «حياة ما بعد السقوط» وجائزة أفضل فيلم في مهرجان ميونيخ الدولي للأفلام الوثائقية 2008 وجائزة الصقر الذهبي في مهرجان الفيلم العربي في روتردام 2008 وجائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان الفيلم العربي كاليفورنيا 2009 وجائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان الخليج 2009 وجائزة تقديرية من مهرجان سينما الواقع باريس 2014 عن فيلمه «همس المدن» وجائزة النقاد في مهرجان مسقط السينمائي الدولي عن فيلم «مرايا الشتات» وجائزة تقديرية مهرجان وهران الدولي 2018 وجائزة الصداقة السردينية الفلسطينية في مهرجان الأرض ساردينيا 2019. وكان عبد قاسم قد شارك بتأسيس كلية السينما والتلفزيون المستقلة في بغداد عام 2004 مع زميلته المخرجة العراقية البريطانية ميسون عدنان باججي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية