الفْوَيُوكولونيالي: ألسنة زرقاء وأقدام سوداء

في لقاءاتها التلفزيونية استعارت نخب جزائرية عن الروائي الراحل كاتب ياسين وصفه اللغة الفرنسية «بغنيمة حرب» معللين استشهادهم ذاك بأنّ لغة الحضارة اليوم هي الإنكليزية، وأنّ الوقت حان لتنتقل الأمة الجزائرية نحو لغة العلم، في الوقت نفسه كانت المساعي الدبلوماسية للفرنسيين تعد أنفاسها الأخيرة للحفاظ على وجودها العسكري في مالي، نتيجة تطورات إقليمية/دولية جعلت من قواعدها العسكرية في منطقة الساحل والصحراء مصدر قلق واضطراب لدوله، الأمر الذي جعل حكومة مالي تطالب مجلس الأمن عقد جلسة طارئة للنظر في دعم الجمهورية الفرنسية للمنظمات الإرهابية، ما شكّل «منعرجا تحرريا» جسّد رغبة المستعمرات الفرنكوفونية في افريقيا التخلص من ارتباطها الثقافي، في سبيل تحجيم «الاستعمار الاقتصادي» والتبعية المطلقة في «سياسات النقد» فهل تقف افريقيا على مرحلة تحرر واعدة بـ»قيامة الأهالي» الذين يراوحون خيبات ومآسي التابع، في وقت تتصدر فيه أزمة اللغة كهاجس للانتقال الحضاري، ضمن خطاب إمبراطوري يغازل مفهوم الهيمنة من مركزها الأمريكي؟

إشكالات حول التحرر

شكل الاستحواذ السياسي على الخطاب الجمعي طيلة سنوات من استقلال المستعمرات الفرنسية حالة من الإرباك والتوجس تجاه اللغة الفرنسية، وتهديدا مباشرا للمكوّن الاجتماعي والثقافي والذاكرة التاريخية للمستعمَرين، إذ أنّ الثنائية المبتذلة والمعبرة عن «ندية اللغة العربية ضد الفرنسية» كانت تمثل الجدار الفاصل بين «المستعمَر والمستعمِر» إلى حد يصعب فيه تجريم أشكال الكولونيالية الأخرى، فاللغة مع ما تفرضه قواعد هيمنة المتغلِّب من حيث حضورها الحضاري والثقافي والهوياتي، لا ترسم مأزقا حضاريا، فهي منافي الألسنة المتنوعة التي يلجأ إليها من غيبتهم حركة التاريخ.
وبالنظر إلى الإشكالات التي تفرضها اللغة كمحاور رئيسي للمهمشين، الذين استلبوا حق التمثيل والتكلم من منظورهم الذاتي، فقد شكل الاستعمار فكرة في غاية الخطورة بإعطائه اللغة الفرنسية سمة التألق والتحضر التي ستمنح أهالي مستعمراتها افتراقا جذريا، نحو «استشفاء كولونيالي» من التقاليد الأصلية البربرية وفق التصنيف الاستشراقي، ذلك التعافي للتابع الذي يمثل الفئات الأقل مكانة في المجتمع، والمهمش، والعاجز عن التعبير عن هويته وذاته، لم يكن بمقدوره أن يكتب تاريخه وأسطورته، إلا من تصور نخبوي فوقي، ساهم وما زال يرسّخ لغة يفهمها النخبويون المنغمسون في التأريخ السلطوي، صورة متخيلة من تراكماتهم المَرَضية لنفي وعي الطبقات المهمشة، وبدل البحث عن مكامن الهيمنة التي فرضتها قوة تحالفات ممن يدعون الأفضلية في الحكم مع رغبتهم المستميتة للسيطرة، تنبري الخطابات الهوياتية والإثنية كقاعدة أساسية لتجريد ضحايا الفقر والعنصرية، من حقوقهم الحقيقية ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي، عبر التدليس المستمر للدعاية الغربية لمفهوم الاستقلال ومسألة الوطنية.
وإذا كانت اللغة في بعدها الحضاري والإنساني أداة تواصل بين الثقافات والهويات وتعبيرا ثوريا، فإنّ أساليب الإنتاج المعرفي الكولونيالي حول المستعمرات، جعل من لغة الأهالي المهيمَن عليهم وصمة عار خلقت «عقدة تاريخية» تجاه لغة المستعمِر كونها أداة تفكيك واستئصال واستيطان، ساهمت بشكل عنيف في تعجيم لسانه وخلق فضاءات مظلمة بمحاولاتها المستمرة بمنعهم من إعادة الواقع إلى مركزه الحقيقي، وبدل العمل على دراسة التاريخ المحلي من منطلقه الشعبي، الذي عانى ويلات المؤسسة الاستعمارية والاستشراقية، تنبري جيوش النخب التي تمارس عنفا معرفيا تجاه من «تجزم» أنهم غير قادرين على التعبير عن ذواتهم، لترسيخ خطاب كولونيالي في توجهاته الحضارية الجديدة، إلى جانب تغييب ممنهج «للدوافع الاجتماعية» التي من شأنها أن تفضح المساعي المتكررة لتمييعها، كون «الاستقلال الاقتصادي» لا يشكل «الحجر الأساس» في بناء عالم أكثر عدالة وكرامة، لمجتمع متنوع الألسن والثقافة والهوية.

اقتفاء اللحظة تاريخية

ما يزال الجدل قائما حول مفهوم «الاستقلال”، هل هو عملية جلاء عسكري للمستعمِر، أم أنّ التخلص من «التركة الاستعمارية» أحد أهم العوامل لتصفية الذاكرة من الاستعمار، وفي ظل التطورات الحاصلة بعد موجة الانتفاضات العربية مطلع عام 2011، والتي أظهرت حجم التمثيل الكولونيالي للبورجوازية ذات الميولات اللاوطنية، فإنّ «المطالبة بتحرير المنطقة من المستعمرين» استعاد زخمه وقوته مع الخيبات التي مني بها الربيع العربي، وهو يجدد «اللحظة التاريخية» بحراك قدّر له أن يصوّب صوته ضد منظومة مالية استيطانية، ساهمت في تمكين دولة الريع مقابل الولاءات السياسية.
ما تجدد مع الحراك من مطالب اقتصادية/اجتماعية لم يكن بوسع أولئك الذين تصدروا للتظاهر بمختلف الميادين أن يضعوا أيديهم في أيدي الثائرين، كي يعلنوا اللحظة الحاسمة لاسترجاع السيادة الاقتصادية، التي افتقدوها طيلة سنوات من العبث، وفضلوا الارتماء الطوعي للمخطط الاجتزائي الذي عبّرت عنه الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية، في شعاراتها الشخصانية المفتقدة للحق الثوري، لمن تنادت له الميادين، يومها استبدلت العدالة الاقتصادية والكرامة الاجتماعية بصفقات النيوليبرالية، كشرعنة إسقاط الدولة مع سلامة تدفق إمدادات الغاز والبترول، لتغدو طريقا لتغيير باهت وهزيل، ضمن مخطط نيوكولونيالي سعى للحفاظ على نفوذ مؤسساته العابرة.
كانت فرنسا ترقب التغييرات الطارئة على ضفاف جنوب المتوسط، المنادية بالتخلص من التبعية الاقتصادية والثقافية للجمهورية، في الوقت الذي باتت رايات كتب عليها «لا لحكم فرنسا، لا للأقدام السوداء» تسجل حضورها الأسبوعي، كنوع من الإرباك الجماهيري الذي أحال الحراك إلى تقسيم أيديولوجي وَلَائي، فالأحزاب والنخب التي كان لنظام الريع الفضل في استمرارية تصدرها، سارعت في اللحظات الحاسمة إلى توريط مؤسسات الدولة في صراعات جانبية مع الشعب، إذ أظهرت «التفعيلات الحزبية» جاهزيتها لتحييد المطالب الشعبية بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، مقابل البحث عن مسببات الرفض الشعبي الذي من شأنه أن يغيّر المعادلة الثورية لصالح طرف ما.
يتجدد الخطاب اليوم حول العلاقة «المضطربة» للجمهورية الفرنسية وأعضاء نادي الفرنكوفونية، مع تحول سياسي جار ليس على المستوى الوطني والإقليمي فحسب، بل بتلك المتغيرات الدولية المنبثقة عن انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، وصولا إلى التوغل المتسارع لروسيا في مناطق النفوذ الفرنسية، ومع كل توافق سياسي بين أرباب الإليزيه ورعاة المحميات الجنوبية، تتصاعد طموحات أبناء الأقدام السوداء، إلى جانب أوهام الأهالي في إمكانية البورجوازية الحاكمة على الدفع نحو «تصالح وطني» للمكون الاجتماعي/السياسي، في حين تتلقف الأجهزة النخبوية دورها في بسط خطاب السلطة الباحث عن قرابين تاريخية/هوياتية، تسهم في إعادة إنتاج كومبرادرية أقرب إلى «فوَيُوكولونيالة (Voyeur-Colonialism)» تستأثر بالثروة وتشايع البيروقراطية.

الفْوَيُوكولونيالي وأسطورة الاستقلال

إنّ تفكيك أساليب إنتاج المعرفة المرتبطة بتاريخ المستعمرات وأهاليها، بالكاد تنفك عما اجترته المؤسسة الاستشراقية في وصفها للآخر بالبربري الذي لا يملك تاريخا ولا ثقافة ولا هوية، كما أنّ الشعائر التي تناقلتها روايات المستشرقين عن الممارسات المحلية من العرب والأفارقة، هي الأخرى تدور في فضاء أسطوري متخيّل متشبع بسـواد الخرافة، من ذلك ما أقرّته البورجوازية الزرقاء منذ مطلع استقلالها الجغرافي، حيث ارتبط وجودها وديمومة حكمها بخطاب ديكولونيالي ما يفتأ أن يتصدع أمام الارتدادات الشعبية التي تكشف هول التزييف التاريخي، ولعل فكرة البورجوازيات الساعية للمزيد من المكاسب بالسيطرة على وسائل الإنتاج ومؤسسات الدولة، لا تصلح غالبا للتي أورثها الاستعمار الحكم بعد جلائه، فهي أقرب ما تكون إلى «فْوَيُوكولونيالي» الذي يشبه الخادم المتنمر على أقرانه في سبيل استرضاء سيده، إنّ بورجوازية تقف قاطعة الطريق أمام أيّ مشاريع تنموية/إصلاحية من شأنها أن تقوي جسد الدولة، إنّ حكمها مرهون بولائها اللاأخلاقي للنهب والتنصل من الاستحقاقات التاريخية، فهي أقرب ما يكون إلى قطّاع الطرق الذين يستولون على حقوق الغير كغنائم سرعان ما يتقاسمونها بحد السلاح، إذ إنّ المشاريع التي راكمتها تجربة سنوات التجريب اللغوي/الهوياتي، لم تصب سوى في سجل الحسابات المالية لطغمة لا تملك أدنى مستويات الارتقاء السياسي/الاقتصادي، بل إنّها باتت عبئا وجوديا على تطور مؤسسات الدولة.
«السياسي لا يملك هوية» مقولة طالما تردد صداها حينما تتداعى الأنظمة المتنصلة عن التزامها الأخلاقي/التاريخي إلى مختلف الأيديولوجيات ترمقها كي تأخذ منها ما يتيح لها الاستمرار، فالمصلحة الوطنية تقتضي المساواة والندية في الجوانب السياسية، مقابل العدالة التي من شأنها أن تزيح التهافت الإمبريالي على اقتصاد الدولة، غير أنّ التفكير الاستغلالي اللاأخلاقي للبورجوازية الحاكمة لا يعزز فكرة التحرر من عنق التبعية التي تلغيها ازدواجية التعامل الاقتصادي، فالريع الموزع وفق الولاءات الحزبية والتوافقات الدولية، كان وما يزال عقبة أمام انطلاقة حقيقية لفكرة التخلص من الاستعمار، وبدل العمل على بلورة رؤية شاملة للمنحى التصالحي، تتوجه الآلة الدعائية لخلق قضايا لا تغني ولا تسمن في شيء. يستمر النهب المنظم للثروة الوطنية ضمن سياسات استعمارية وبمسميات وخطابات هزلية بمقدورها تحييد الفقر والجوع من الواجهة السياسية، مستعينة في تفكيكها للوعي الجمعي على مكونات اجتماعية أنيط بها العمل لأقلمة الأبوية التاريخية في نسختها القذرة، فإلى جانب النخب الحزبية والمدنية والإدارية، ظل العمل على خلق طبقة «شبه بورجوازية» يمنح السلطة القائمة اليد الطولى في ترويض أيّ حراك شعبي يعيد للأهالي صوتهم الريادي، هذه الطبقة لا تمثل فئة معينة من المجتمع أو الدولة، إنّها تفرض حالة نموذجية لمكاسب الفساد المستشري في هياكل إدارة الدولة، إنّ منها الموظف والحرفي والتاجر الذين استفادوا طيلة سنوات التيه من التلاعب المستمر بالثروة، ولولا الأصوات التي تسعى لكتابة تاريخ حاضرها ومستقبلها، مع كل قيامة شعبية يتجدد بها الوعي الجمعي حول أسطورة الاستقلال، ما كانت تلك الحملات العنيفة من القتل والتهجير تطال شعوبا كان أملها العيش باستقلال كامل.

كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية