غزة ـ «القدس العربي»: بشكل علني كشفت حكومة إسرائيل اليمينية عن خططها المقبلة تجاه قطاع غزة، والتي تشمل بقاء السيطرة الأمنية، وعلى عدم إنهاء الحرب كاملة، وخلق كيان حكم وواقع جديد، في سياق ما تسميها «المرحلة الثالثة» للحرب، ما يعني إلغائها بالكامل للمقترحات الأخيرة التي عمل الوسطاء على إقرارها، لإنهاء الحرب التي تقترب من دخول شهرها التاسع، وقد دللت على ذلك بكم المجازر التي تصاعدت وتيرتها خلال الأيام الماضية، وطالت العديد من مراكز الإيواء والمنازل السكنية، وأوقعت مئات الضحايا الجدد.
وما كان لافتا خلال الأيام القليلة الماضية، تصاعد نبرة الاحتلال في التعامل مع غزة، على الصعيد العملي «التوغل البري والهجمات» والرسمي «تصريحات قادة الحكومة».
فمنذ بداية الأسبوع الماضي شهدت وتيرة الهجمات الإسرائيلية تصاعدا على كافة مناطق قطاع غزة، وتركزت بشكل كبير وخطير على مناطق النزوح، وعلى المنازل السكنية، لتوقع مئات الضحايا الجدد، بينهم الكثير الكثير من الأطفال والنساء.
فلم يكن يمر يوم إلا وشهد استهدافات من هذا النوع، كان أكثرها تلك التي ضربت في ساعات قليلة عدة مراكز إيواء في مدينة غزة، أدت إلى سقوط أكثر من 50 فلسطينيا بين شهيد وجريح، حين ضربت غارات متلاحقة مراكز الإيواء في غرب ووسط المدينة.
وفي وسط الأسبوع الماضي، وتحديدا يوم الثلاثاء، أعلن جهاز الدفاع المدني بغزة، أن الاحتلال استهدف خلال الـ 48 ساعة 4 مراكز إيواء و11 منزلًا مأهولًا بالسكان ما أدى لاستشهاد العشرات وإصابة المئات من السكان.
وقد نبه إلى أمر خطير، تمثل في استهداف مراكز الإيواء والمنازل السكنية في آن واحد، ما أربك عمل طواقم الإنقاذ، وزاد من صعوبات إنقاذ المواطنين الأحياء من تحت الأنقاض بفعل ضعف القدرات من أجهزة ومعدات.
وكان أعنف الاستهدافات التي تدلل على نوايا الاحتلال تجاه غزة، هو تنفيذ عملية برية مفاجئة على حي الشجاعية شرق مدينة غزة، ترافقت مع قصف جوي عنيف ومجازر أسفرت عن سقوط عشرات الضحايا غالبيتهم من الأطفال.
وقد نفذ جيش الاحتلال العملية أولا، وبدأ بدفع قواته والقصف الجوي العنيف، قبل أن يأمر السكان بالنزوح القسري من منازلهم، وهو ما جعل النازحين عرضة لنيران الاحتلال والقصف العنيف الذي طال الشوارع وكل ما هو متحرك في ذلك الحي الذي تعرض غالبيته للتدمير منذ الأسابيع الأولى للحرب، خلال العملية البرية السابقة، وهناك نزح السكان وهم جوعى، ولا يحملون إلا ما عليهم من ملابس، حيث تعاني كل مناطق شمال القطاع من ندرة الطعام وسوء التغذية.
ولم يكن الأمر بعيدا عن الواقع في وسط وجنوب قطاع غزة، فقد اشتدت الهجمات الإسرائيلية على هذه المناطق، وتعمدت قوات جيش الاحتلال تدمير العديد من المنازل فوق رؤوس ساكنيها، وإلقاء قنابل حارقة على العديد من الأحياء السكنية في مدينة دير البلح، وهو أمر طال أيضا مدينة خانيونس المدمرة، فطال القصف خيام النازحين غرب المدينة، ومنازل وأحياء في الوسط والشرق، فيما كانت توسع من نطاق الهجوم البري وتحرق وتنسف المباني في مدينة رفح التي تحتل غالبية أجزاءها.
تلك الهجمات العنيفة لجيش الاحتلال، كانت متماهية تماما مع التصريحات الأخيرة لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي كشف بشكل صريح عن خطط حكومته اليمينية المقبلة تجاه غزة.
هذه الخطط الجديدة التي تشير المعلومات إلى أن الجهات المختصة في دولة الاحتلال بدأت بتنفيذها على الأرض، لا تشمل وقفا كاملا للحرب، ولا انتهاء احتلال قطاع غزة، بل تشمل البقاء فيه، بما يعني ضرب كل الجهود الأخيرة التي قام بها الوسطاء، ووئد المبادرة الأخيرة التي تشمل على ثلاث مراحل.
وقد أظهرت تصريحات نتنياهو أن ما يخطط له وحكومته اليمينية، هو الانتقال في المرحلة الثالثة، حال سمحت الظروف الميدانية، والتي تعني بقاء الحرب ولكن بطريقة جديدة، تقوم على شن هجمات انتقائية بما فيها توغلات برية وقصف من الجو والبر والبحر، لأماكن محددة.
الخطة ج
وخلال المقابلة التي أجرتها «القناة 14» العبرية مع نتنياهو قبل أيام، أظهرت تصريحاته عن رفضه اقتراحًا للتوصل إلى صفقة مع حركة حماس، التي كشف عنها مؤخرا الوسطاء، والتي قدمها قبل أسابيع قليلة الرئيس الأمريكي جو بايدن.
وأكد نتنياهو الاستمرار في العملية العسكرية في قطاع غزة، مشددًا على «عدم التخلي عن إطلاق سراح المختطفين سواء الأحياء أو الأموات، وعلى القضاء على قدرات حماس الحكومية والعسكرية» وعن الاتفاق المحتمل لإنهاء الحرب، قال «إذا كان هناك اتفاق فسيكون بشروطنا، حماس لن تبقى سليمة، وأنا مستعد لاتفاق جزئي وهدنة».
وقد كشف عن خطته تجاه غزة التي تقوم على نقل صلاحيات إدارة القطاع للعشائر الفلسطينية، وقال «سنسيطر أمنيا على غزة، خلال الفترة المقبلة وقد حاولنا نقل المسؤولية إلى العشائر لكن حماس قضت على المحاولة» وقد جدد التأكيد أيضا على أنه يريد «إنشاء إدارة مدنية بالتعاون مع فلسطينيين محليين».
وأكد نتنياهو أن العملية العسكرية في رفح ستنتهي خلال الأسابيع المقبلة، وأوضح أن هذا لا يعني نهاية الحرب، وقال «سنواصل جز العشب ولن نستسلم» كما أعلن خلالها أن الحرب في قطاع غزة ستدخل قريباً مرحلة جديدة، وأن «مرحلة القتال الشديد في غزة على وشك الانتهاء» وأضاف أيضا «هذا لا يعني أن الحرب على وشك الانتهاء».
وقد أشار إلى ذلك وزير الجيش يوآف غالانت، الذي أعلن عقب زيارته الأخيرة قبل أيام لواشنطن، أنه ناقش هناك مقترحات «اليوم التالي» لما بعد حرب غزة، وقال «أعمل على مقترح بشأن غزة ما بعد الحرب يشمل الفلسطينيين والشركاء الإقليميين وأمريكا».
وقد أكد غالانت أنه أبلغ المسؤولين الأمريكيين أن إسرائيل تستعد لكل سيناريو عسكرياً ودبلوماسياً.
وقد كشف أيضا مستشار الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي، إنه خلال الأيام المقبلة سيتم تطبيق خطة الجيش الإسرائيلي في شمالي قطاع غزة، لإيجاد بدائل لحركة حماس.
هذا المسؤول الأمني أدلى بهذه التصريحات خلال حلقة نقاش في مؤتمر هرتسليا، حيث قال هناك إن «القضاء على حماس سيستغرق وقتا طويلًا، وهدف إعادة الرهائن لا يزيد أهمية عن باقي أهداف الحرب، والحكومة ملتزمة بإعادتهم في أقرب وقت ممكن».
وكشف أنه تم عرض فكرة على الأمريكيين عن إمكانية وجود الولايات المتحدة مع الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ودول عربية معتدلة، لتحكم غزة في «اليوم التالي».
وبهذه الخطة الجديدة، تكون دولة الاحتلال قد قضت تماما على مقترحات خطة التهدئة الأخيرة، وهو أمر أشارت إليه تقارير عبرية، ذكرت أن الجانب الأمريكي اعتبر أن تصريحات نتنياهو التي أدلى بها مؤخرا، بشأن صفقة التبادل، أضرت بـ«الضغط» على حركة حماس، كونها مثلت إعلانا إسرائيليا واضحا برفض بنود المقترح.
كما أن المقترحات الجديدة التي تقوم لإيلاء المسؤولية في غزة لـ«بدائل» عن حماس، من يؤكد إصرار الحكومة الإسرائيلية على رفض مبدأ وجود السلطة الفلسطينية في قطاع غزة، في إطار سعيها لاستمرار الاحتلال والسيطرة.
رفض المنظمة والفصائل
ورفضت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير خطة إسرائيل لـ «اليوم الثاني» للحرب، وأعلنت عقب اجتماع لها رفضها للمشروع الأمريكي-الإسرائيلي وتمسكها بإنهاء الاحتلال، وتحقيق حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة في الحرية والاستقلال والعودة.
وأكدت اللجنة التنفيذية، العمل على تمتين الجبهة الداخلية بحوار جدي بين مكونات وشرائح المجتمع الفلسطيني بما يشمل القطاعات الحكومية، والأمن، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والأهلي، والاتحادات النقابية المختلفة، بهدف الحفاظ على مكتسبات الشعب الفلسطيني، وإنجازاته السياسية والدبلوماسية، والقانونية، والحفاظ على المشروع الوطني الفلسطيني ومؤسساته الوطنية.
وفي هذا السياق، أكدت حركة حماس على لسان القيادي فيها خليل الحية، أن تصريحات نتنياهو الأخيرة تؤكد ما كانت الحركة تقوله دائماً، بأن حكومة الاحتلال بقيادة نتنياهو لا ترغب في الوصول إلى وقف إطلاق النار ولا تريد تبادل أسرى حقيقياً.
وقد جدد موقف حركته بالجهوزية للتعامل مع عرض واضح لوقف إطلاق النار والانسحاب الشامل من قطاع غزة، وأن نذهب لتبادل صفقة حقيقية، وأن حماس مستعدة وجادة مباشرة، للدخول في مفاوضات حقيقية وجادة إذا ما التزم الاحتلال الإسرائيلي بمبادئ الرئيس بايدن وما يحققه لإرادة الشعب، وهو وقف العدوان الإسرائيلي والانسحاب الشامل الكامل من قطاع غزة، والذهاب لصفقة جادة.
وقال وهو يعقب على تصريحات نتنياهو بانه يقول للجميع «لا أريد وقف الحرب، أريد أن أقوم بعمل جزئي، هدنة مؤقتة لاسترداد مجموعة من الأسرى الإسرائيليين بيد المقاومة ثم أستأنف الحرب» وأكد أن هذا هو الموقف الحقيقي لنتنياهو، وكل ما سوى ذلك هو تزيين للكلام وإعادة الكلمات من هنا وهناك.
القيادي في حماس قال إن نتنياهو يعلن صراحة أفكاراً وشعارات لاستمرار الحرب والعدوان، وهذا في ذمة الوسطاء، وفي مقدمتهم أمريكا التي هي شريكة في هذه الحرب، وقد أعاد التذكير بأن حركة حماس لم تغير موقفها من مقترحات الرئيس الأمريكي جو بايدن، مشيراً إلى أنهم رحبوا بها عندما أعلن عنها يوم 30 من أيار/مايو، وأنها جادة للتوصل لاتفاق حقيقي يوقف الحرب.
وأشار الحية إلى أن المفاوضات هي مفاوضات ولكن هناك مبادئ واضحة منذ بدء التفاوض في أول كانون الأول/ديسمبر الماضي، موضحاً أن الاحتلال يحاول التهرب منها، وقال: «المبدأ الأول هو وقف الحرب ووقف إطلاق النار الدائم والشامل والانسحاب الشامل، المبدأ الثاني هو عودة النازحين، والثالث هو الإغاثة وإعادة الإعمار، والمبدأ الرابع والأهم هو تبادل أسرى حقيقي» لافتا إلى أن محور الاختلاف اليوم هو أن الحكومة الإسرائيلية غير موافقة حتى الآن على مبدأ وقف إطلاق النار، باعتبار أن المقترح الإسرائيلي يريد تنفيذ المرحلة الأولى فقط، مما يفقد ترابط المراحل وتلاحمها وتلازمها مع بعضها بعضا.
وشدد الحية أن المقاومة الفلسطينية مستمرة في قدرتها على استنزاف الاحتلال الإسرائيلي، مؤكداً أن الميدان هو من يصدق أو يكذب ادعاءات الاحتلال بالانتصار، وقال «إذا أراد الاحتلال أن يعلن أنه انتصر على القسام وحقق أهدافه، فليفعل وليقل ما يشاء، والميدان يصدق ويكذب، المقاومة وما تحدثنا به قبل قليل عن العملية المركبة لكتائب القسام وبقية الفصائل الفلسطينية تؤكد حيوية المقاومة وقدرتها على استنزاف العدو، إذا العدو يريد أن يقنع نفسه أنه انتهى، فليفعل وليخرج».
كذلك أكد على هذا الأمر نائب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي محمد الهندي، حيث قال إن المقاومة مستمرة في التفاوض ولم تغلق بابه، وأن العقبة هي وهم نتنياهو، الذي أكد أنه يريد الاستمرار في الحرب والعدوان، مشددا على أنه لا يمكن الوصول لصفقة لاستعادة الأسرى إلا بوقف العدوان والانسحاب الكامل، مؤكدا أيضا أن نتنياهو لا يريد أن يوقف الحرب لأسباب سياسية وأيدلوجية.
وأشار وهو يرد على الخطة الجديدة، إلى أن إسرائيل ستستنزف ولن تحل أي مشكلة حتى إذا ذهبت للمرحلة الثالثة، وأنها لن تحقق أي انجاز ما دامت تصر على عدم وقف عملياتها والانسحاب.
وبما يؤكد أن سلطات الاحتلال تنوي السيطرة الأمنية والعسكرية الكاملة على قطاع غزة، فإنها كانت قد وضعت خطتها بالتواصل مع جهات محلية وعشائر، من أجل إدارة القطاع أو إيصال المساعدات، وهي تعلم أن أي من هذه الجهات والعشائر لن تقوم بالتعامل معها بتاتا.
العوائل ترفض التعاطي مع الخطة
وقد جددت العشائر الفلسطينية رفضها لخطة نتنياهو، وأعلن ذلك صراحة المفوض العام للهيئة العليا للعشائر الفلسطينية عاكف المصري، الذي قال إن نتنياهو ووزراءه «لم ولن يتمكنوا من كسر إرادة الشعب الفلسطيني في حقه بالحرية والتخلص من الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية وتحقيق حق العودة».
وجدد موقف العشائر الرافض للتعاطي مع خطة نتنياهو، وأكد على تسليم الإدارة إلى السلطة الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية، مشددا بأن العشائر الفلسطينية ستفشل ما يخطط له نتنياهو خلال الفترة المقبلة، كما أفشلت المخططات الإسرائيلية خلال الشهور التسعة الماضية.
وأشار إلى أن العشائر الفلسطينية رفضت أن تأخذ مكان أي طرف سياسي يدير قطاع غزة، مؤكدا أنها «ليست بديلاً من فصائل المقاومة الفلسطينية، بل هي رديف كفاحي لها، على مختلف توجهاتها السياسية والفكرية».
وأكد في ذات الوقت أن الشعب الفلسطيني هو صاحب الولاية الوحيد في تقرير مصيره واختيار ممثليه ومن يدير قطاع غزة، معلنا مرة أخرى أن قطاع غزة «سيدفن أوهام نتنياهو وأحلامه، كما دفن أوهام من سبقوه من قادة إسرائيل السياسيين والعسكريين».