محنة المصائر في رواية «غريزة الطير»: السرد يدوّن تاريخ بلد

مع رواية الشاعر العراقي عبدالزهرة زكي يكون القارئ أمام جهد ينجح في تدوين تاريخ البلد برؤية سردية، ولا يمكن الاقتراب من هذا التاريخ دون الاكتواء بآلام ومرارات عقود، تشكل الإطار الزمني لوقائع (غريزة الطير) وهي الرواية الأولى لمؤلفها الشاعر.
فعادةً ما تكون الكتابة الروائية عبارة عن سرد مؤلم، ومرارات متتابعة ومتعاقبة لإزاحة القشور عن الحدث، وإظهاره خالياً من الغرابة أحياناً، وإن كان المكتوب توثيقاً وتدويناً لحقب زمنية مختلفة، فإنها قد تكون ابتعاداً عن نُظُم ظلت تؤشر على انها تشكل مساحة مكشوفة للأحداث التي ينسجها السرد .. الأمر الذي جعلنا نكتشف أن الرواية التي كتبت بعد عام 2003، كانت تحمل روحاً جديدة مليئة بالخلاص والرجاء والحلم وسيول الأجوبة لأسئلة كانت تراود مخيلة الروائي الذي ربما لم يستطع أن يجيب عليها وهي مغلفة بكل الخسارات والمرارات. ولأن الروائي والأديب عامةً، هو من أهم شهود كل المراحل، بل كان مراقباً لما يدور ويحدث أمامه، فإن هذا ما قد يجعله متمرساً في صنع السرد المحاكي للأحداث، بكل انفعالاتها وآثارها.. من هنا تتحرك مجسات المخيلة الشهية لاقتناص الأشياء، التي لم يقدر أي أحد على تدوينها..
يواجه قارئ رواية «غريزة الطير» تموّجاً في سيول الأحداث، وهو تموّج يصب في بناء سردي صنعه الكاتب وأداره بكل دقة ودراية ووعي. إنها رواية تتغلب فيها المكابدات ومشاق الجري خلف الأحلام، التي تبدو أحيانا كسراب بعيد، حيث لا أتوقع لقارئ هذه الرواية أن يصادف فيها مَن حالفه الحظ من الشخصيات، فابتعد عن الألم والقلق. كلهم يبحثون عن حياة أخرى، وكلهم يحاولون بثَّ روح التغيير، رغم العذابات التي تمرّ بهم يومياً، إنهم شخصيات تبحث عن مصائرها وتتشبث بأدنى أمل للانطلاق نحو الأيام المقبلة، وإن كانت آمالاً مجهولة لهم..

في رواية عبدالزهرة زكي «غريزة الطير» نجد أن صراع المواقف يتجسد في بعض الناس، الذين يرفضون الوضع المضطرب والبحث الدؤوب عن الخلاص، رغم أن الدرب طويل ومزروع بأشواك صعبة ومنتشرة في كل الأرجاء، ومحاطة بعيون السلطة وهي تتعقب كل حركة مريبة. تدور معظم أحداث الرواية في مدينة البصرة، التي تمثل البلاد المصغّرة، وهنا ينقسم السرد الى اتجاهين؛ الأول هو المدينة (البلاد) والثاني هو الشخوص ومصائرهم. ثمة تشابك عميق ومعقد بينهما على طول صفحات الرواية. إنهم أربعة أشخاص يديرون دفّة السرد، يتقدمهم آدم زيني المولود في لندن من السيدة إيما هيرلي، الطبيبة البريطانية التي تزوجت من التاجر العراقي سليمالن زيني، وآدم زيني (ابنهما) هو الذي يرشدنا إلى عنوان الرواية، حين يقول: (أنا مثل الطير، أحلق وأجرّب أجنحتي وما استغني عنها، تحليق بعوالمي الداخلية، بعد كل تحليق أرجع وأعود لمكاني محكوما بغريزة الطير). يلعب آدم دوراً كبيراً ومهما في تحريك الأحداث، وثمة مواقف مؤثرة يقوم بها مثل، التوسط مع ضابط الجوازات قصي مزاحم تحسين، لمنح الجواز للدكتور فوزي الذي اعتبره الشخص الثاني في الرواية. إنهما يلعبان لعبة المصائر المسحوقة تحت رحمة النظام الذي يبحث عن كل أُنملة لإشهار بطاقة المنع في وجه أي مواطن لمنعه من السفر، فهي طبيعة النظام التي لا يستطيع أحد مجابهتها سوى بالهروب من البلاد.

هكذا كان مصير الدكتور فوزي، صديق آدم، وهو ينتظر جواز سفره في دائرة الجوازات قلقاً والضابط الذي يبدر منه خيط من التعاطف معه، يذكّره بزوجته نهال ابنة المناضل اليساري القديم (وهي في رأيي الشخصية الثالثة التي ستؤثر في السرد كثيرا) قتلت في الانتفاضة عام 1991 وشكّلت عقدة لفوزي في كل الأمور في الدوائر الامنية (لم تكن نهال من المنتفضين). فوزي المتجه بكل جوارحه للسفر (بعد كل ما حصل، وبعد خراب حياتي العائلية والشخصية، ازددت إصرارا على السفر، سواء بالجواز، أو دونه). أما الدكتورة سهاد زيني (الشخصية الرابعة) شقيقة آدم، فلها مصيرها هي الأخرى، حين يكتوي آدم شقيقها بالتفكير بها، ويظل قلقاً قبل نشوب حرب الكويت عام 1990 (بقاؤها في الكويت يدعو إلى القلق). زوجها الكويتي الدكتور حسين البدر صار هو الآخر في موقف لا يحسد عليه في المستشفى، التي يعمل فيها في الكويت، فتقول سهاد عنه (لم اشأ لزوجي كثرة الكلام تحسباً لأي انفعال قد يبدر منه، فيطيح بكل ما خططنا له). هي إذن رواية مصائر، بقدر ما هي رواية تنجح في تدوين تاريخ بلاد، فالكل، الناس والبلد، يبحث عن مصيره وعن خلاص ونجاة، لكن ليس كلهم يحصلون عليها، رغم توفر بعض الإمكانات لهم. إن صفحات التاريخ التي وثقتها الرواية، كانت منطلقاً لتسلسل الأحداث، وأخذت القارئ إلى حقول ألغام لم يكن يوماً يحسب أنها ستكون متاحة أمامه بصيغة جمل سردية، تلتئم بجهد ينجح في تقديم شهادته برواية من المتوقع لها أن تأخذ موقعها في تاريخ البلد.
إن سليمان زيني والد آدم، هو المحرك الخارجي للأحداث في لندن، رغم تحركه بين البلدان أحيانا، لكنه ظل يرمق حافة الوجع لمتابعة مصير ابنه آدم وابنته سهاد، حين تتقطع بهم السبل بفعل الحرب. إنها محنة أن يكون الابن آدم هو من يحرك الأحداث في الداخل، رغم معاناته خاصة بعد اختفاء حبيبته ناز وعائلتها، ولم يحصل إلا على اتصال يتيم منها وهي في خارج البصرة في مكان مجهول. لكن آدم يبدو أكثر دبلوماسية وهو يتحدث عن الوضع مع صديقه فوزي، ذلك الوضع المأزوم بالتأكيد. إنها رحلة أخرى للحياة لكنها تظل عصية على بعضهم حين يفكر بالمغادرة لأن الذكريات تحاصره ويظل يئن تحت وابل الوجع. إن التفاصيل الدقيقة التي وضعها الكاتب ابتداءً من الجامعة، ومن ثم التخرج فيها واتقان اللغة الإنكليزية، ومن بعدها العمل بالترجمة وقراءة كتب الشعر والأدب عامة لشعراء وكتاب عالميين، يوصلنا إلى حقيقة انتماء أبطال الرواية الطبقي حين نعرف بأنهم يعيشون في بلاد باتت كلها أزمات وبمقدورهم العيش في أماكن أخرى أكثر آمناً ورفاهاً . فكانت المرارات تنبعث من أحاديثهم وهم يحاولون العبث بالتاريخ حين تدفعهم الأوضاع السياسية إلى بلوغ حالة تجرد من الخوف والقفز على أوجاعهم.
في مشهد لا يغادر الذاكرة نجد جاسم السماك يحاول أن يقول، إنه حتى الكلاب رفضت نهش جثث القتلى ويقسم بأغلظ الأيمان أنه رآها بعينيه (بقي يراقب الكلب وقد بات يحتضر فعلا، حتى مات، مات الكلب جائعاً، ولم ينهش جثة قتيل). لكن جاسم السماك هذا المدهوش من فعل الكلاب، مات هو الآخر برصاصة أردته قتيلاً، وحامت حول جثته الكلاب ولم تنهشها وانصرفت عنها. هذا المشهد الغرائبي، وسواه الكثير من المشاهد، كانت جميعها بمثابة نقاط استرخاء لشدّ ولملمة خيوط الأفكار قبل الشروع بمتابعة الرواية بتفاصيلها الكثيرة والدقيقة التي اتسمت بقوة الملاحظة من خلال بحث خفايا الشخوص والدخول في عوالمهم التي ظلت متواصلة على طول الرواية .
إننا بصدد رواية دوّنت لنا تاريخ البلاد من زمن بدأ مذ سنوات الجامعة مروراً بحرب الثمانينيات وغزو الكويت، ومن ثم احتلال العراق.. إنها بحث مستفز عن رؤى تتلاطم في ما بينها، ولا بد لها من الظهور بصورها المعتادة. إن محنة المصائر تجسدت أكثر في الشخصيات، لأنها كانت تتعاطى الثقافة والأدب والفلسفة وترجمة الكتب.. أي أننا أمام طبقة تعرف جيدا مديات التأثر والتأثير في خضم المأساة على المستوى العام وبطريقة لا تحتاج إلى عقبات أو نتوءات للوصول كما يفعل غيرهم من الشرائح الأخرى. لقد ترجمت لنا الرواية أن الهجرة من البلاد ليست بالضرورة هي الحل مهما كانت الرغبة تأكل قلوب من يريدها، ولا البقاء تحت سياط الظلم هو الحل أيضا. إنها وثيقة روائية استثنائية نقلت فيها كل الحقائق التي طالت أشخاصاً صنعهم الكاتب، وصنع بهم روايته، وقد صاروا عبارة عن وسائل لتغيير الواقع، الذي ظلّ حلماً وقد أدرك ذلك التغيير من ظلّ ينتظره مع تكبده الانكسارات والخسارة الباهظة.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية