ريما الحلبي زوجة مهجورة تنتفض على الذئب وتنتصر

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي»: كانت الأميرة تغطّ في نوم عميق دون حراك، وكأنها مُصبّرة. صمت مطبق في مكان مزنّر بحشائش اصطناعية. وسطه سرير مرتفع نسبياً، واقفاص ثلاثة تتدلى من السقف، وسط اضاءة معتدلة.
بدأت الحكاية عندما استفاقت الأميرة من نومها دون قبلة من الأمير. أطلقت العنان لخطابها المونودرامي. سردية عن فتاة خجولة، وشاب كان يوماً فتى أحلامها. وصار زوجها وأباً لأبنائها. إنه الرجل الغائب الحاضر في حياة فتاة جامعية كانت تختفي خلف الأشجار، ودورة المياه خجلا. صارت زوجة سكوتة، وأماً تداري مشاعر أبنائها ونمومهم العاطفي السليم، وتداري نظرات الجيران إلى زوجة صبية مهجورة.
زوجة لم تعد تذكر وجه حبيب العمر، بعد أن طواه ربع قرن من الغياب.
إنه العرض المسرحي «كش ملك» لمسرح شغل بيت أدته الممثلة ريما الحلبي. جسّدت الزوجة التي اخترعت مخرجاً غير مقنع لغياب زوجها، وراحت تراسله وتتلقى منه الرسائل. لم يغب عنها الحلُم فكانت «سنو وايت»، التي أفنت عمرها في انتظار قبلة الأمير. وحملت الحذاء الفضي وراحت تناجيه عندما تخيلت نفسها سندريللا. وكانت ليلى كذلك.
تستحضر ريما الحلبي حياتها من الجامعة وصولاً إلى الزواج والإنجاب، المسار المعهود للنساء. مسار يترك ندوباً لدى كثيرات في الجسد والروح، حين يقابل بالنكران. ممر إجباري لا مفرّ منه في النُظُم التقليدية. قد يُخرق بقرار مقدام وجسور، ومناهض للسائد. الممر الإجباري نظرة، فحب، فزواج، فإنجاب. تقع الواقعة. ضريبة الأمومة مرتفعة الثمن. إن ارتضتها الزوجة، والحبيبة، والأم فماذا عن الحبيب والزوج والأب؟
نادت زوجها وراسلته في غربته الخليجية، أوصته بنفسه مراراً من ضربات الشمس. ربع قرن من الغياب كبُر خلالها الأبناء الثلاثة وتزوجوا. في وحدتها فتحت الأم والزوجة المهجورة دفاتر ذكرياتها. عادت إلى طفولتها، وحكايات والدتها. وصارت بطلة الحكايات من الأميرة النائمة، إلى ساندريللا إلى ليلى.
وحين لم تُقنعنا كمشاهدين بغربة زوجها الخليجية، وضعتنا في الختام أمام حقيقة صادمة. هي من اخترعت عذر الغياب هذا لتمنع عن أبنائها الصدمة العاطفية من أب قرر هجر عائلته. وضمنياً نظرات الشفقة من المحيط. وكأنها ارتضت وضع رقبتها تحت المقصلة دون النطق ببنت شفة.
في لجوئها إلى حكاية ليلى والذئب خاضت الممثلة محاكمة ذاتية، ومقارنة بين الوحدة القاتلة، أو أن تكون في بطن الذئب؟ واجهت غريمها «الديب هوي إنتَ وإنتَ الديب». شبّهت نفسها بزهرة النرجس التي تعيش ليوم واحد.
عاتية كانت تلك الرياح التي عصفت ببطلة «كش ملك». لم تجد لعمرها معنى. نكران من رجل اختصر حياتها بسنوات ثلاث، ووضع ما تبقى منه في كيس محكم الإقفال ورماه بعيداً. نكران زوج، ونكران أبناء نذرت نفسها لهم.»إذا حدا من الصبيان بيطل مرّة بالسنة»!!! انكفاء عن الجيران. صارت حياتها مشابهة لقفص صغير دون عصافير. تأخرت كثيراً، لكنها نطقت بعد صراع «كش ملك». وتحررت وإن بعد فوات الأوان.
ريما الحلبي، ممثلة بدت منصهرة كلياً بدورها. حركتها مشغولة بعناية على الخشبة. صوتها مُعبّر عن الدراما التي تسكنها من الداخل.
«كش ملك» سيناريو وحوار ديمتري ملكي، وإخراج شادي الهبر، تصوير فوتوغرافي لغريس غفري.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية