غزة ـ «القدس العربي»: بعد أكثر من شهرين على آخر اتصالات تهدئة (قبل الهجوم البري على رفح) جرى بحثها بشكل معمق، وفشلت وقتها بسبب رفض دولة الاحتلال التعاطي معها، عاد الحديث من جديد عن تحركات جديدة بهذا الخصوص، بعد تقديم حركة حماس ردا جديدا على مقترحات التهدئة، غير أن التجارب السابقة لسكان غزة، تجعلهم رغم الحديث عن وجود «إيجابية» في الطرح الجديد، لا يبدون تفاؤلا ويخشون من زيادة المجازر والقتل من قبل الاحتلال، الذي تعود كل مرة على إفشال الجهود، واللجوء إلى التصعيد على حساب الدم الفلسطيني.
وعلى خلاف كل مرة، رغم أن الحديث في هذا الوقت يشير إلى إمكانية التوصل إلى تفاهمات تنهي الحرب وتوقف القتل والتدمير الذي تمارسه قوات الاحتلال بشكل لم يسبق له مثيل، إلا أن الشارع الغزي لم يبد اهتماما كبيرا بالتطورات الحاصلة، مستذكرا تجاربه السابقة، التي خرجت في بعضها مسيرات شعبية عفوية رحبت بالتحركات الحاصلة لإنهاء الحرب.
حالة عدم اللامبالاة التي يبديها سكان القطاع، ترجع إلى التجارب السابقة الكثيرة التي أفشلت فيها دولة الاحتلال تلك الجهود، بوضعها شروطا خلال التفاوض، كان أبرزها عدم التعهد بوقف الحرب بشكل كامل، والعمل على إنجاز «صفقة مؤقتة» توقف الحرب لأسابيع، يتم خلالها إجراء صفقة تبادل أسرى، ثم تعود بعدها آلة الحرب للقتل والتدمير.
ورغم أن كل مرة سابقة كان يتحرك فيها الوسطاء للتهدئة، كانت تترافق بتعليقات وتفاعلات كبيرة في المجالس الخاصة بالغزيين، أو على مواقع التواصل، إلا أن هذه المرة كان الأمر مخالفا تماما، خاصة وأن الحديث عن التهدئة، جاء في ظل تصعيد جيش الاحتلال هجماته الدامية ضد قطاع غزة، وحديث قادته حتى قبل يوم واحد من طرح ملف التهدئة من جديد، عن الاستعداد لتوسيع العمليات العسكرية ضد القطاع، من خلال احتلال أجزاء جديدة من مدينة رفح، وكذلك توسيع رقعة هجومها البري على حي الشجاعية، وارتكاب مجازر جديدة في قطاع غزة طالت النازحين في مراكز الإيواء، والتخطيط للدفع بمزيد من الجنود للقطاع.
ومنذ بداية الأسبوع الماضي، الذي شهد عودة الحديث عن وجود حراك في ملف التهدئة، تبعه تقديم حركة حماس لرد جديد على المقترحات، قام جيش الاحتلال بتعمد إحداث تدمير واسع في مدينة رفح، التي دخلت العملية البرية فيها شهرها الثالث، فقام هناك بتوسيع رقعة الاجتياح، وارتكاب مجازر دموية وتهجير السكان من مناطق النزوح التي كان يصنفها «منطقة عمليات إنسانية» ليدفع بهم إلى الشارع والعراء، بعد أن كانت الخيام تأويهم، وجميعهم كانوا قد عانوا ويلات النزوح منذ بداية الحرب التي دخلت شهرها العاشر.
وكان الأمر مشابها تماما لما حصل في حي الشجاعية، حيث تواصلت هناك المجازر للأسبوع الثاني للعملية البرية الجديدة ضد الحي، والذي شهد نسفا للمباني وتدميرا لما تبقى من مقومات الحياة، وقتل السكان بشكل متعمد، وارتكاب مجازر طالت مراكز الإيواء التي نزح إليها أكثر من 84 ألف مواطن من الحي، وجميعهم كباقي سكان غزة والشمال يعانون أيضا من الجوع ونقص الطعام، بسبب الحصار المشدد الذي تفرضه سلطات الاحتلال.
لكن ما كان واضحا بشكل أكبر ويظهر نوايا وخطط جيش الاحتلال تجاه غزة، هو الإعلان عن عملية جديدة تستهدف المناطق الشرقية لمدينة خانيونس، والطلب من سكانها تحت القصف الجوي والمدفعي العنيف، النزوح إلى مناطق غرب المدينة، المكتظة بالأصل بالنازحين الذين فروا من مدينة رفح، ومن مناطق أخرى في مدينة غزة منذ الأسابيع الأولى للحرب، وما واكبها من الكشف عن توسيع «محور نتساريم» الذي يفصل شمال قطاع غزة عن جنوبه، ضمن خطط الاحتلال لاستمرار الحرب وإبقاء احتلالها لقطاع غزة.
وقد ترافق ذلك مع تهديدات لمسؤولين كبار في جيش الاحتلال الإسرائيلي، بتوسيع واستمرار العمليات العسكرية ضد قطاع غزة، ومع كشف وزير الجيش الإسرائيلي، حاجة الجيش إلى 10 آلاف جندي إضافي على الفور، وقال إن الحرب لن تنتهي حتى تعجز حماس عن إعادة بناء قدراتها من جديد.
شروط إسرائيلية لإدامة الاحتلال
كما تلا الحديث الجديد عن اتفاق تهدئة والاتصالات التي أجراها الوسطاء وحركة حماس، التي قدمت ردا جديدا، أن أجرى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، اتصالا بالرئيس الأمريكي جو بايدن، أكد فيه أن إسرائيل قررت إرسال وفد للتفاوض بشأن صفقة التهدئة والتبادل مع حركة حماس، لكنه خلال الاتصال أعلن أيضا أن إسرائيل لن تنهي الحرب إلا بعد «تحقيق جميع أهدافها».
وهذه الأهداف التي وضعها نتنياهو وحكومته من قبل، تمثلت في «القضاء على حماس، وإطلاق سراح المحتجزين، وتحقيق أمن إسرائيل».
ويعني ذلك من جديد أن حكومة إسرائيل لا تريد وقفا كاملا للحرب، وأن هدف إنهاء حكم حماس ما زال قائما، وفي ظل عدم وجود أي بديل رسمي فلسطيني، حيث ترفض إسرائيل وجود السلطة الفلسطينية في غزة، فإن احتمالات تفجر المفاوضات وعدم التوصل لاتفاق تهدئة يظل قائما، كما أن دولة الاحتلال لا تزال ترفض وفق ما كشف مؤخرا، الانسحاب من كامل مناطق قطاع غزة، وخاصة منطقة «محور فيلادلفيا» الفاصل بين الأراضي الفلسطينية والمصرية.
وجاء ذلك في الوقت الذي تتمسك فيه حركة حماس بالوصول إلى اتفاق يوقف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بشكل كامل، ويضمن عودة النازحين، وبانسحاب قوات الاحتلال بشكل كامل من القطاع، وعودة النازحين، وإعادة إعمار غزة، وتبادل الأسرى، وأن الحركة «تتعامل بحذر مع تصريحات الاحتلال الإسرائيلي، والتي هي ضمن أدوات حربه الإعلامية».
والجدير ذكره أن دولة الاحتلال، قبل وصول الرد من حماس، بدأت بمشاورات أمنية برئاسة نتنياهو، وبمشاركة وزير الجيش ورئيس الأركان حول المرحلة الثالثة من حرب غزة، ونقل عن نتنياهو القول «سأراقب عن كثب تقدم القتال وخططنا لاستكمال أهداف الحرب.. قواتنا تعمل في رفح، في الشجاعية، وفي كل مكان في قطاع غزة».
كما رفض نتنياهو، ما أوردته صحيفة أمريكية بشأن إمكانية إنهاء تل أبيب حربها على قطاع غزة مع وجود حركة حماس في إدارة القطاع، وشدد على ضرورة تحقيق أهداف تلك الحرب، وقال وهو يرد على ما نشرته صحيفة « نيويورك تايمز»: «مصادر مجهولة تجري إحاطة لصحيفة نيويورك تايمز، يقولون لها إن إسرائيل ستكون مستعدة لإنهاء الحرب قبل تحقيق جميع أهدافها» وأضاف: «لا أعرف من هي تلك الأطراف، لكنني هنا لأوضح الأمر بشكل لا لبس فيه، لن يحدث ذلك، ولن ننهي الحرب إلا بعد أن نحقق جميع أهدافها، بما في ذلك القضاء على حماس، وإطلاق سراح جميع الرهائن».
وتعد عقبة الحكم في قطاع غزة بعد انتهاء الحرب، هي أبرز نقاط الخلاف القائمة، والتي يمكن أن تفجر أي مساع جديدة من قبل الوسطاء، خاصة في ظل إصرار إسرائيل والإدارة الأمريكية على عدم بقاء حكم حركة حماس، وسعي إسرائيل لإيجاد بديل من إدارات محلية تختص بتوزيع المساعدات، وعدم موافقة حركة حماس على هذا الأمر.
وحسب ما كشف قبل أيام فقط من عودة الحديث عن تطورات التهدئة، وتقديم حركة حماس رد جديد، فإن إسرائيل كانت تستعد للإعلان عن بدء المرحلة الثالثة من الحرب، والتي تشمل وقف الهجوم البري على المناطق التي تتوغل فيها، وايكال مهمة توزيع المساعدات على جهات محلية، والعمل على الانتقال لمرحلة تشمل العمل العسكري في المناطق التي تدعي أنها تشكل خطر عليها، مع إبقاء عمليات القصف الجوي لمن تصنفهم بالمطوبين، أو أي مكان تشك في احتوائه على أي عمل مقاوم.
خطة اليوم التالي
وقد كشفت هيئة البث الإسرائيلية «مكان» النقاب عن رؤية إسرائيل لقطاع غزة في اليوم التالي لانتهاء الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر الماضي، والتي تقوم على عدم التوصل لاتفاق جديد للتهدئة، وحسب الهيئة فقد نقلت عن مصادر أمنية قولها، إن «الجيش الإسرائيلي سيواصل البقاء في قطاع غزّة طالما لم يتمّ العثور على جهة دوليّة أو أخرى لإدارة شؤون الحياة اليوميّة، وأنّ مثل هذا الوضع قد يستمر لعدّة شهور» وزعمت أن حماس ليست لديها مصلحة في ابرام صفقة تبادل، ما دامت الحرب مستمرة، وأنه بذلك تكون فرصة إعادة المختطفين من دون انتهاء الحرب منخفضة جدًا.
وأشارت إلى أنه في حال أخلى الجيش الإسرائيلي محور فيلادلفيا (الحدود بين مصر وقطاع غزة) فإنّ حماس ستستعيد السيطرة عليه عاجلا أم آجلا، وتحدثت عن سعي إسرائيل لخلق أجسام من داخل القطاع تقوم بحكمه، بدلا من حماس.
وتلا ذلك أن نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» تقريرا ذكرت فيه أن الوضع الحالي من الممكن البدء بتنفيذ خطة اليوم التالي، والتي تهدف إلى تشكيل حكومة مدنية بديلة لحكومة حماس في قطاع غزة، وقد جاء هذا التقرير الذي استند إلى مصادر أمنية، بعد تقديم حركة حماس ردها الجديد. وبما يؤكد مساعي الاحتلال لإبقاء الحرب واحتلال غزة، كشف تقرير نشرته صحيفة «هآرتس» أن جيش الاحتلال يستولي على 26 في المئة من مساحة القطاع، ونقلت الصحيفة عن ضابط بارز في الجيش الإسرائيلي مطلع على تطورات الحرب، قوله «إن الاستيلاء على الأراضي في قلب غزة محاولة للاحتلال المستمر للقطاع» وأضاف «هكذا يتم تهيئة الظروف لخلق واقع جديد، سيطرة إسرائيلية طويلة الأمد على قطاع غزة».
ويرى الجيش الإسرائيلي وفقا للصحيفة أن الاستيلاء على هذه الأجزاء بمثابة تحرك استراتيجي، من قبل المستوى السياسي يدفع باتجاه استمرار الحرب، وكذلك، قال التقرير إن العمليات العسكرية توفر دعما لمؤيدي تجديد المستوطنات في غزة، وهكذا يتم تهيئة الظروف لخلق واقع جديد وسيطرة إسرائيلية طويلة الأمد على القطاع، كما بين التقرير أنه مع دخول الحرب شهرها التاسع، أصبح ترحيل مئات الآلاف من سكان غزة إلى جنوب قطاع غزة دائما.
أما الإدارة الأمريكية فقد أعلنت على لسان وزير خارجيتها أنتوني بلينكن، أن ثلاثة أمور لن تقبل بها في غزة بعد الحرب، وهي تواجد الاحتلال الإسرائيلي أو عودة حماس للسلطة أو الفراغ والفوضى في القطاع.
ويظهر ذلك أن حكومة دولة الاحتلال لا تزال تخطط لاستمرار بقاء قواتها في غزة وإدامة أمد الحرب، والتوصل فقط إلى هدنة مؤقتة يجري خلالها تبادلا للأسرى، كما يظهر من خلال التصريحات العلنية أن إسرائيل والإدارة الأمريكية اتفقتا على بند عدم بقاء حركة حماس في الحكم، وهو أمر من شانه أن يفجر كل الاتصالات القائمة في هذا الوقت، في حال بقي الإصرار الإسرائيلي على ذلك، وهو أمر متوقع كما المرات السابقة، حيث ان تخلي رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو عن هذا الأمر، أو وقف الحرب يعني انهيار حكومته اليمينية.
وظهر ذلك بشكل علني في تصريحات لوزير الأمن الداخلي ايتمار بن غفير، الذي قال في مقابلة تلفزيونية «ممنوع التوصل إلى اتفاق مع حماس، يجب فقط شن حرب ضدهم، إذا توقفت الحرب فلن أكون في الحكومة».
وأضاف «كيف يمكن بدون حرب أن يفهم رئيس الحكومة ووزير الأمن أنه من المستحيل التوصل إلى تسوية، نحن نعرف ما يريدون، إنهم يريدون قتلنا لأننا الدولة اليهودية».
وخلال تصريحاته قال الوزير المتطرف بن غفير «رئيس الحكومة كان يعلم جيداً أنه إذا توقفت الحرب فلن أكون هناك، لقد قلت عن غزة، إذا لم تكن هناك حرب فلن أكون هناك، والأمر نفسه في الشمال، يجب أن تكون لدينا حرب في الشمال».
رد حماس
والجدير ذكره أن حركة حماس أعلنت أنها أرسلت إلى الوسطاء «بعض الأفكار» الهادفة الى إنهاء الحرب في غزة، وحسب مصدر في الحركة فقد قال «تبادلنا بعض الأفكار مع الإخوة الوسطاء بهدف وقف العدوان على شعبنا الفلسطيني».
كما أعلنت حركة حماس أن رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية، أجرى اتصالات مع مصر وقطر حول الأفكار التي تتداولها الحركة معهم بهدف التوصل لاتفاق وقف إطلاق نار بغزة.
وقالت الحركة، في بيان أصدرته إن هنية أجرى خلال الساعات الأخيرة اتصالات مع الإخوة الوسطاء في قطر ومصر حول الأفكار التي تتداولها الحركة معهم «بهدف التوصل لاتفاق يضع حدا للعدوان الغاشم الذي يتعرض له شعبنا الأبي في قطاع غزة».
وفي المرات السابقة كانت حركة حماس تتمسك بمطالب محددة قبل التوصل لاتفاق تهدئة، تمثلت في الإعلان عن وقف كامل لإطلاق، وانسحاب كامل للجيش الإسرائيلي من غزة، وتحقيق إعمار القطاع بعد انتهاء الحرب، وتبادل الأسرى، وتوفير الإغاثة.
وحسب ما كشف فإن حركة حماس قدمت تعديلاتها على الورقة الاسرائيلية الأخيرة بما لا يمس القضايا الجوهرية، وأنها أبقت على مواقفها من تثبيت وقف إطلاق النار الدائم والانسحاب الكامل وعودة النازحين، كما تصر على ضرورة الانسحاب من محور فيلادلفيا ومعبر رفح، كما تصرّ على موقفها من رفض وضع «فيتو» على إطلاق سراح ذوي الاحكام المؤبدة، وأنها أبدت مرونةً في معالجة البندين 8 و14 بما يضمن استمرار المفاوضات حتى التوصل لوقف إطلاق النار الدائم.
والجدير ذكره أن خطة التهدئة الأساسية التي كان الرئيس الأمريكي جو بايدن قد أعلن عنها نهاية أيار/مايو الماضي، تتضمن إطلاق سراح المحتجزين الإسرائيليين في غزة بشكل تدريجي وانسحاب القوات الإسرائيلية على مرحلتين، كما تقترح أيضا إطلاق سراح أسرى فلسطينيين، مع إعادة إعمار غزة وإعادة رفات المحتجزين الإسرائيليين المتوفين في مرحلة ثالثة.