سقط إعلام الغرب في التضليل والانحياز فوثق ناس غزّة إبادتهم ونشروها
بيروت ـ «القدس العربي»: ساهم السابع من أكتوبر وما تلاه من مجازر بحق سكّان غزّة، برفع الغطاء عن الإعلام الغربي الذي اتحفنا على مدى عقود بالموضوعية والدقة. لم يصمد هذا الإعلام طويلاً حتى زالت مصداقيته. وتأكد تزييفه للحقائق بل حتى اختلاق الروايات الكاذبة وتركيب الصور. والأهم الانحياز المطلق للرواية الصهيونية.
كيف يتناول الأساتذة الجامعيون وخاصة في اختصاص الإعلام الواقع القائم في غزّة؟ وكيف يقولون لطلاّبهم أننا شعوب عريقة لها ثقافتها المغرقة في التاريخ، ولسنا وحوشاً كما يدّعي الصهاينة ليبرروا لأنفسهم قتلنا.
مع أستاذة الميديا والتواصل في جامعة اوتاوا الدكتورة دينا صالحة هذا الحوار:
○ يشغل الإعلام الرأي العام العالمي بشكل غير مسبوق لكونه يكيل بمكيالين ويشوّه الحقائق وينشر الأكاذيب. فكيف تمارسين عملك في هذه الأجواء؟
• بداية أرغب بتحديد الموضوعات التي أدرّسها لطلابي، والأثر السياسي والثقافي الذي نعيشه منذ السابع من أكتوبر 2023. أحاضر لطلاب بدءاً من السنة الجامعية الثانية وصولاً للماجستير. من العناوين التي ادرّسها «النظريات النقدية» حيث لكل نظرية أسئلتها. المادة التي تُقدّم للطلاب تنطلق من الأيديولوجيات التي تتأطر ضمنها المعلومات. أسئلة تُطرح للطلاب ليبحثوا لها عن إجابات. معروف أن جامعات أمريكا الشمالية بدأت تدرّس النظريات الخاصة بالإعلام سنة 1920. ومنها نظريات نفسية، واجتماعية وأنثروبولوجية، نظريات متواصلة مع المجتمع وتالياً حضور الفرد ضمنه.
○ كأستاذة جامعية تختارين نصاً لتشريحه فهل تجدين مهمتك سهلة في ظل انقسام حاد في التعبير الإعلامي حيال إبادة العصر والموت جوعاً؟
• في المبدأ للأستاذ حرية اختيار المقررات التي يقدّمها لطلابه. الضغوط موجودة حتى قبل السابع من أكتوبر. الإعلام والبروباغندا أساس العلوم الإعلامية، والبحث فيها ينطلق من الحربين العالميتين الأولى والثانية. ينصبّ التركيز على الحرب العالمية الثانية والنازية ودورها في الإعلام والبروباغندا، وكذلك ما يرتبط بالولايات المتحدة والثقافة الإعلامية الإمبريالية، التي تلت الحرب العالمية الثانية. إذاً نحن حيال موضوعات نعايشها في حاضرنا، مضاف إليها الضغوط التالية للسابع من أكتوبر. ما نزال حيال اختبار المحتوى الممكن تناوله في الصف. بالأساس القضية الفلسطينية والاحتلال ليست من المواضيع التي يُعتبر تناولها سهلاً. منذ سنوات طويلة يتعرّض المحاضرون في الجامعات والكليات لضغوط كبيرة عندما يقدّمون تاريخ القضية الفلسطينية من وجهة النظر العربية، ومقاومة الاحتلال. يُحاصر هؤلاء المحاضرون الجامعيون بإقصائهم عن المنح وعدم إدراجهم ضمن الترقيات المشروعة لهم، إلى ضغوط أخرى كمثل زرع طلاب في صفوفهم يحملون فكراً صهيونياً. ثمّة مؤتمرات تُعقد منذ زمن بحثاً في كيفية تقديم الصراع العربي الصهيوني في الجامعات بعيداً عن وقائعه التاريخية، وفي المقابل ثمّة أساتذة يتصدون لهذه الأكاذيب.
○ من الطبيعي أن يكون الصراع العربي الصهيوني قائماً على جبهتين في الجامعات الكندية. السؤال هل من تبدّل إيجابي ولو طفيف؟
• لا تكمن المسألة في جبهة موالية وأخرى مناهضة، بل النظر إلى القضية من وجهة ديالكتيكية ـ جدلية. أي أن نكون حيال حوار. إنما ثمة أساتذة جامعيون رسالتهم قمع أية صورة تاريخية مغايرة، وآخرون يناضلون لتقديم الحقائق، العدل لن يكون موجوداً بعيداً الحرية.
○ كيف للأستاذ الجامعي أن يجمع بين التعبير عن قناعاته وتأمين استمرارية عمله؟
• كما سبق القول لا يوجد إطار للمحاضرة التي يعطيها الأستاذ الجامعي. ثمة ضغوط غير مكتوبة، تدفع حتماً للحرص على المضمون الذي يقدّمه كل منا. فإن كنت بصدد محاضرة تتناول جانباً من القضية الفلسطينية، فإن البحث عن عنوان موازٍ سيكون بالضرورة الهولوكوست. وبالطبع نرفض الهولوكوست، ولسنا من المعادين للسامية، إنما بات النطق بقضية فلسطين موازياً لمعاداة السامية، ذلك أن السردية الغالبة يروجها المسيطرون على الميديا والمجموعات الضاغطة في مواقع القرار. ومن هنا نسأل عن عدد الصحافيين الفلسطينيين وغير الفلسطينيين المؤيدين للقضية الذين طردوا من عملهم بعد السابع من أكتوبر؟ الصحافيون المؤيدون للقضية الفلسطينية لا يقتصرون على العرب، بل بينهم كنديون، وجنسيات من مختلف أنحاء العالم، وبينهم العديد من اليهود.
○ هل يمكن القول إن المقتلة المستمرة في غزة أدت إلى حيوية ما في صف الإعلام؟
• ثمّة اختبارات أعدّ لها سيكون أوانها أيلول/سبتمبر مع افتتاح العام الجامعي الجديد. زملائي الأساتذة يحكون عن سعيهم الدائم لتقديم السردية العربية، وضرورة الموازنة بينها وبين قضايا أخرى، فالهولوكوست وتاريخ اليهود مدخل إلزامي للحديث عن قضية فلسطين. من دون شك القتل المتواصل في غزّة عامل مساعد لبحث إعلامي متجدد. نسأل عن دور الإعلام الحديث في هذه الحرب؟ وكيف يغطي الإعلام الكلاسيكي الحرب على غزة؟ وأقصد بالكلاسيكي التلفزيون، والصحف والإذاعات. الملاحظ أنّ وسائل التواصل الحديثة كواتسآب، وفيسبوك، وإنستاغرام وتيك توك تشكّل خلال العدوان على غزّة وسيلة تعبير للذين يعيشون المذبحة. في غزّة الناس يوثقون إبادتهم. وهذا ما لم يشهده التاريخ البشري.
○ وهنا السؤال أين مكانة هذا الواقع من المادة المدرجة في برامج التدريس الجامعي؟ وهل يمكن تجاهل ما أفرزته مقتلة غزة من مستجدات اعلامية؟
• لم يتوقع أحد هذا الانتشار الشعبي لوسائل التواصل في العدوان على غزّة. حتى أن الطلاب الكنديين والعالم أجمع باتت لديهم معلومات عن القضية الفلسطينية لم يسبق أن كانت بحوزتنا حين كنّا بمثل عمرهم. مصادر المعلومة لم تعد أحادية، وهذا ما توضح من مظاهرات وحراك الطلاب على نطاق عالمي وبأرقام خيالية يحاول الإعلام تجاهلها.
○ للصهاينة سرديتهم وسيطرتهم على الإعلام فكم يتمكن الطلاب من استخلاص الحقيقة عبر المقارنة؟
• تسويق الإعلام الغربي لوجهة النظر الصهيونية تاريخية، يوجهون التاريخ وفق رؤيتهم. ربما يتأثر بها الجمهور الغربي في الأمريكيتين، اللتين تجمعان مهاجرين كثر من أوروبا، وضعتهم الحرب العالمية الثانية أمام هذا الخيار. الإعلام محاصر ضمن أيديولوجيات مناصرة للصهيونية من دون شك. وبات واضحاً للعيان من أين تأتي الضغوط على الإعلام، ومن هم المستعدون لبيع المواقف وكم هو الثمن؟ ونعرف كذلك مصادر الرقابة ومن تمَّ اسكاتهم، ومن طردوا. حقيقة يستحيل تقبّل واقع الإعلام الغربي، ولم يعد ممكناً تسويق سلوك فكري لموقف غير منطقي.
○ ماذا عن عالم الصورة؟ وهل من صور استخدمتها مادة لدرس إعلامي؟
• أحد عناوين محاضراتي الجامعية «المجتمع والإعلام» إضافة إلى مادة «فن المقاومة» لصفوف الماجستير. مثالاً فإن البحث بالفن ودوره في تغيير الأفكار والبروباغندا، يدفعني للاستعانة بخبرتي في التعليم الجامعي في روندا. تطوعت سنة 2005 وسنة 2007 للتعليم في روندا من خلال برنامج تشرف عليه الحكومة الكندية. وروندا بلد يحمل تاريخاً مؤلماً من التطهير العرقي، وفيه متحف بالقرب من مدرسة التكنولوجيا التي حوصرت لفترة طويلة وقضى من فيها. ففي هذا المتحف أشلاء لملابس من قضوا في تلك المدرسة، متحف أقيم بإشراف مؤسسين لمتاحف تجسّد المعاناة الإنسانية، وهذه الصور أستخدمها في محاضراتي، لأصل من خلالها إلى الإبادة الجماعية المستمرة في غزّة، كذلك صور من برلين التقطها خلال زيارة لأرض واسعة تخليداً لضحايا الهولوكوست. إنه نوع من الفن الذي يجسد المعاناة، وفي الوقت نفسه يخدم هدف المحاضرة، ولا ننسى صور الحرب على فيتنام وخاصة الطفلة الصغيرة التي كانت تحترق، وهي من الصور التي ما تزال تشكّل مادة إعلامية غنية، الصورة قلبت الموازين خلال تلك الحرب، تعطي الصورة تصوراً ومفهوماً عن الآخر. مثلاً لمواجهة الصورة السلبية عن العرب بشتى دياناتهم ندرّس تعاليم جاك شاهين وإدوارد سعيد ودور الأديولوجيات والقصة والصورة وما خلفها.
○ الصور عن مقتلة سكّان غزّة بالآلاف ومؤلمة وما من صورة حرّكت الضمائر؟
• السؤال الكبير بالنسبة لي كأستاذة إعلام وميديا ماذا سوف يحصل إن وضعت عدداً من الصور التي سبق ذكرها مقابل صور من غزّة؟ أتوقع رد فعل إيجابي، لكوننا قدمنا القضية الفلسطينية إنسانياً مع الإصرار أنها قضية إنسانية بالدرجة الأولى. لكننا دائماً نحذر من القواعد الجامعية وفزّاعة معاداة السامية، ما يعني أن المحتوى الفلسطيني قد يصبح ممنوعاً طالما يواجهه شعار معاداة السامية، خاصة في الاتجاهات التي تُحاصر إدارات الجامعات.
○ وهل نقول إن الأستاذ الجامعي يبحث عن ثقب إبرة يمر من خلاله؟
• كأستاذة إعلام أبحث عن وجهات نظر الآخرين وأطرحها للبحث. كمثل فيلم «فرحة» الفلسطيني الذي عُرض على نتفلكس. طلبت من الطلاّب تحديد الرموز الذكورية والأنثوية من خلال الأفلام وصلتها بالعنوان الوطني. إلى «فرحة» اقترحت قائمة من الأفلام من بينها أفلام أمريكية تُجسّد الوطنية. إضافة إلى فيلم «الهدية» الفلسطيني، و«بيروت الغربية» اللبناني. إنه التوازن في عرض الموضوعات، فالهدف ايصال الإنتاج الثقافي الغني لبلداننا، كرد لوصفنا بالبدائيين والمتخلفين.
○ بعد مشاهدة طلابك لتلك الأفلام ما الخلاصة التي توصّلوا إليها؟
• تلقيت استنتاجاتهم مكتوبة. توقفت عند الأفلام التي اختارها كل منهم. من اختاروا الأفلام العربية طلاب من أصول عربية وصينية، إلى جانب كنديين وغيرهم. وميّز التحليل بين المستَعْمِر والمستَعْمَر. ومنهم من عبّر عن جهل كامل لحقائق كثيرة تجري على أرض فلسطين.
○ سيف معاداة السامية هل يخيف الأساتذة الجامعيين على مواقعهم؟
• بل أحدنا يخشى على حياته من اعتداء ينفّذه غوغاء ما، إلى الخوف من الطرد من العمل الذي يشكّل مصدر رزق، الحرص ضروري ليتعدّى كل منا منطقة الخوف. جئنا إلى كندا كمهاجرين منذ 38 سنة، والعمل الذي أنجزناه يوازي بثلاثة أضعاف عمل أي إنسان ليس بمهاجر وليس بلاجئ، انه اجتهاد لتحقيق مكانة في المجتمع. كان واجباً بالنسبة لي أن أعرف أكثر من غيري حجم التحديات. تحديات يواجهها أصحاب البشرة غير البيضاء، والذين يعملون لتقديم بعض ثقافتهم في صفوفهم الجامعية. في بداية ممارستي للتدريس الجامعي نأيت بثقافتي جانباً، ودرّست ما تعلمته. وعندما يبدأ أحدنا بسرد حكايته يبدأ تواصل الطلاب معه، ويدركون أسباب انجذابهم إلى محاضراته، والسبب هو الحقيقة والتجارب الواقعية. كائناً من كان المهاجر عليه التمسك بجذوره. مسؤولية المحاضر الجامعي دفع طلابه لوضع علامة سؤال كبيرة حول ما تعلّموه وما سوف يتعلّمونه. لا بد من المقاومة والشجاعة لتغيير الأفكار المسبقة، ولإنهاء استعمار الأفكار والقصة، تماماً كما حصل مع السكان الأصليين في كندا عندما أنكر المستعمر لعقود طويلة أفعاله المشينة. ولا بد للحقيقة أن تظهر.