حكومة ستارمر وفلسطين: على خطى جو بايدن

وائل الحجار
حجم الخط
0

تحيط شكوك عديدة اليوم بشأن تغييرات جوهرية يمكن للحكومة البريطانية الجديدة أن تحققها فيما يخص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

لندن ـ «القدس العربي»: كلفت سياسة حزب العمال البريطاني برئاسة السير كير ستارمر تجاه فلسطين والصراع الفلسطيني الإسرائيلي الحزب تصدّعات داخله، وصداعا، ظهرت على مدى الشهور التسعة الأخيرة منذ اندلاع الحرب في غزة، وأفقدته على الأقل 4 مقاعد في الانتخابات الأخيرة، رغم فوزه الساحق.

لكن الأصوات المتصاعدة داخل الحزب والداعية إلى مراجعة موقف الحكومة البريطانية إزاء جملة قضايا ومواقف كانت محط انتقاد مؤيدي فلسطين في المملكة المتحدة، لا تجعل هذه المراجعة أمرا بديهيا، وإن كانت بعض المؤشرات أظهرت أن ستارمر يحاول أن يأخذ مسافة عن حكومة ريشي سوناك التي مضت بعيدا في دعم إسرائيل.
مع ذلك فإن صلب القضايا ذات الصلة، لا تشي حتى الآن بتغيير حقيقي عن مواقف سلفه، وهو ما لم يَعِد به ستارمر وحزبه أصلا في الحملة الانتخابية.
فقد رفض ستارمر بشكل حاسم وصف ما يجري في غزة بالإبادة، وكرر ذلك في تصريحات صحافية قبيل الانتخابات، لكنه قال في الوقت نفسه إن كل دولة بما في ذلك إسرائيل «يجب أن تخضع للمساءلة بشكل صحيح في محكمة القانون الدولي» ووعد بمراجعة النصائح القانونية بشأن مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل كرئيس للوزراء.
وذكرت صحيفة «الغارديان» الأسبوع الماضي أنه من المتوقع أن تسقط حكومة حزب العمال الجديدة محاولة تأجيل قرار المحكمة الجنائية الدولية بشأن إصدار مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يؤاف غالانت بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة.
وكان ديفيد لامي، وزير الخارجية الجديد الذي يتحضر لزيارة إسرائيل قريبا، دعم قبل الانتخابات استقلالية المحكمة الجنائية الدولية بعد أن سعت لاستصدار أوامر اعتقال لمسؤولين إسرائيليين وزعماء من «حماس».
ورحبت إسرائيل بالمراجعة التي قدمتها حكومة حزب المحافظين ودعت بقية الدول للاقتداء بها، في حملة دبلوماسية أعلنها وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس الذي شكّل ما أسماه «غرفة حرب خاصة» لهذه الغاية.
وفي حال تراجعت حكومة ستارمر عن قرار الحكومة السابقة بشأن هذا الموضوع، فإن هذا مؤشر على تغيير يفترض أن ينسجم مع عناوين الحزب العريضة القائمة على احترام القانون الدولي واستقلالية القضاء الدولي.
كذلك برز مؤشر آخر ينظر إليه المدافعون عن حقوق الإنسان في بريطانيا بإيجابية، وهو تعيين ريتشارد هيرمر، نائبا عاما جديدا.
وهيرمر، الذي سبق أن انتقد إسرائيل، متخصص في قوانين حقوق الإنسان.
وسبق له أن ندد بسعي الحكومة السابقة لتجريم حملات المقاطعة ضد إسرائيل، ورأى فيها محاولة للحد من حرية التعبير.
وقدم هيرمر مشورة قانونية في تموز/يوليو من العام الماضي بشأن خطط حزب المحافظين لحظر جميع الهيئات العامة عن فرض حملات سحب الاستثمارات الخاصة بها على الدول والأقاليم الأجنبية، وهو مشروع قانون يستهدف حركة المقاطعة ضد إسرائيل BDS.
وقال هيرمر في مشورته القانونية المقدمة لحزب العمال إن مشروع قانون الأنشطة الاقتصادية للهيئات العامة (المسائل الخارجية) من شأنه «خنق حرية التعبير في الداخل».
وبعد هجمات 7 أكتوبر، كان هيرمر واحدًا من مجموعة من المحامين اليهود البارزين الذين شددوا في رسالة مفتوحة إلى صحيفة «فايننشال تايمز» على ضرورة أن تتبع إسرائيل القانون الدولي في ردها على هجمات «حماس».
ويرى معلقون بريطانيون أن تعيين هيرمر قد يؤدي إلى بعض التحولات المهمة المتعلقة في مقاربة بريطانيا للقانون الدولي، وهو ما ينعكس حكما في حالة إسرائيل و«حماس».
وينسحب هذا على قضية تصدير الأسلحة إلى إسرائيل.
فبحسب سياسات التصدير في بريطانيا ينبغي على الحكومة حظر توريد الأسلحة إلى دولة إذا كان هناك «خطر واضح» بأن يتم استخدامها لارتكاب أو تسهيل «القمع الداخلي» أو «انتهاك خطير للقانون الإنساني الدولي».
وقد وعد ستارمر نفسه في مقابلة إذاعية عشية الانتخابات بمراجعة النصائح القانونية بشأن مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل.
ومع أنه من غير الواضح حتى الآن كيف سيكون موقف الحكومة البريطانية الجديدة تجاه مسألة حظر الأسلحة، إلا أن مراقبين يعتقدون بأن وزير الخارجية ديفيد لامي سيراجع النصيحة القانونية المقدمة إلى حكومة ريشي سوناك في أيار/مايو، والتي أشارت إلى عدم وجود خطر واضح بأن مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل قد تؤدي إلى انتهاك القانون الدولي.

تمويل الأونروا

مسألة أخرى، هي من آثار 7 أكتوبر، مطروحة للبحث في الحكومة الجديدة، ولا يبدو الموقف منها بعد واضحا أيضاً.
ففي أواخر كانون الثاني/يناير، كانت بريطانيا من بين أكثر من عشر دول علقت تمويلها لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» بعد مزاعم إسرائيلية بأن 12 من موظفي وكالة البالغ عددهم 30.000 شاركوا في الهجمات التي قادتها حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر.
ومع ان تقرير لجنة تحقيق أممية مستقلة قادتها وزيرة الخارجية الفرنسية السابقة كاترين كولونا بتكليف من الأمين العام للأمم المتحدة أظهر في نسيان/أبريل الماضي أن إسرائيل لم تقدم دليلا تدعم فيه مزاعمها، وأن الوكالة تعتمد بشكل كبير مبادئ الحياد، إلا أن بريطانيا لم تستأنف التمويل على عكس حلفائها في أوروبا.
ودفع هذا بدافيد لامي الذي كان في صفوف المعارضة إلى سؤال الحكومة عن سبب عدم إعلانها بعد عن استعادة تمويل الأونروا.
واليوم، يواجه ستارمر وحكومته ضغوطا بهذا الشأن ومن داخل حزب العمال أيضا.
وفي رسالتين منفصلتين، ضغطت ست مجموعات حقوقية ونائب برلماني لاتخاذ إجراءات بشأن مسألتين أثارتا جدلاً برلمانيًا.
فقد حث المتحدث باسم الشؤون الخارجية لحزب «بلايد كيمرو» (يمثل ويلز – يسار وسط) النائب بن ليك، لامي على استعادة تمويل المملكة المتحدة للأونروا «كأمر عاجل» وهو ما فعلته أيضا ست منظمات غير حكومية في رسالة أخرى.
ووعد لامي بفعل ذلك كجزء من تعهدات الحزب.
لكن هذه القضايا التي يمكن أن تكون محل مراجعة من حكومة حزب العمال الجديدة، تجاه فلسطين، كلها متعلقة بظرف استثنائي مستجد بعد 7 أكتوبر.
وموقف الحزب من عملية السلام، لا يكاد في الجوهر يختلف عن موقف حكومة حزب المحافظين، في قضية رئيسة وهي الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
سبق لستارمر وكذلك للحزب في برنامجه الانتخابي ان أشار إلى أن بريطانيا ستعترف بهذه الدولة في إطار عملية سلام، في تكريس لتخلي الحزب عن سياسته السابقة التي سادت مع زعيميه السابقين جيرمي كوربن وإد ميليباند والتي تدعو للاعتراف الفوري.
وتواجه الحكومة الجديدة في هذا جوا عالميا ضاغطا مع اعتراف عدد من الدول الأوروبية بالدولة الفلسطينية.
وعاد ستارمر في ختام قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» في واشنطن هذا الأسبوع ليؤكد أن الاعتراف بفلسطين يجب أن يكون جزءًا من عملية تحقيق السلام في المنطقة.
لكنه حاول تمييز نفسه عن الموقف الأمريكي عند سؤاله عما إذا كان مستعدًا لفعل ذلك قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل، فقال: «فيما يتعلق بسياساتنا، سأحدد سياستنا، ولن أتبع أحداً آخر».
وستارمر الذي يدعو اليوم لوقف إطلاق نار فوري في غزة، والإفراج عن المحتجزين الإسرائيليين، لم يقدم وعودا واضحة للرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال مكالمة هاتفية بينهما قبل أسبوع خلا تأكيده أن سياسته «الثابتة بشأن الاعتراف للمساهمة في عملية السلام لم تتغير» وتشديده في اتصال آخر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الحاجة الملحة لوقف إطلاق النار.
وأصبح هذا الموقف، أي ضرورة تحقيق وقف إطلاق النار، أمرا تخطته الأحداث بعدما بات معظم الدول وفي مقدمتها إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن تعتبره اليوم أولوية ملحة، وأولوية داخلية أيضا في دولها، في حين لم ينس أصدقاء فلسطين والمدافعون عن حقوق الإنسان مواقف ستارمر التي عرقلت تصويتا على وقف إطلاق النار في مجلس العموم في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، ولا تصريحاته التي تلت 7 أكتوبر وادعى فيها أن لإسرائيل الحق في قطع إمدادات المياه والكهرباء عن غزة، قبل أن يتراجع عن التصريح المشين الذي أغضب اوساطا عديدة.
وبالمجمل تحيط شكوك عديدة اليوم بشأن تغييرات جوهرية يمكن للحكومة البريطانية الجديدة أن تحققها فيما يخص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، على الرغم من تصريحات وزير الخارجية الأخيرة التي يشير فيها إلى ان بريطانيا ستتبنى «موقفاً أكثر توازناً بشأن إسرائيل وغزة».
وسيكون هذا الموقف موضع اختبار في بريطانيا، خصوصا وأن خمسة من أصدقاء فلسطين في مجلس العموم أصبحوا يشكلون تجمعا موحدا يدعو إلى إحداث تغييرات حقيقية في السياسة الخارجية البريطانية تجاه هذا الملف.
وقدم هؤلاء خلال الساعات الأخيرة، ومن بينهم الزعيم السابق للحزب جريمي كوربن، الذي فاز في الانتخابات بصفته مستقلا، 11 مطلبًا إلى حكومة حزب العمال الجديدة داعيا لقطع العلاقات مع إسرائيل ومعالجة «الوضع الكارثي» في غزة.
وفي رسالة بعثوا فيها إلى وزير الخارجية الجديد دعا النواب الخمسة المستقلون، إلى اتخاذ إجراءات عاجلة.
ومن بين مطالبهم «تعليق فوري» لمبيعات الأسلحة إلى إسرائيل، وفرض عقوبات على من «يحرضون على الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين» و«النظر في إمكانية» فرض عقوبات أوسع ضد إسرائيل، وإيقاف المحادثات حول اتفاقية تجارية بين المملكة المتحدة وإسرائيل، والاعتراف بدولة فلسطينية «على الفور» والضغط في مجلس الأمن من أجل وقف إطلاق النار ونشر قوة حفظ سلام في غزة، والإفراج الفوري عن جميع الرهائن» و«وقف إطلاق نار فوري ومستدام» وإسقاط موقف الحكومة السابقة تجاه المحكمة الجنائية الدولية، واستئناف تمويل الأونروا، والدعوة لالتزام إسرائيل بقرارات محكمة العدل الدولية.
وإلى جانب كوربن وقّع على هذه الرسالة كل من النواب المستقلّين شوكت آدم، وأيوب خان، وعدنان حسين، وإقبال محمد الذين أفقدوا حزب العمال مقاعده في الانتخابات.
كما أن بعض الأحزاب الممثلة اليوم في مجلس العموم لحظت في برامجها ووعودها الانتخابية أمورا تتفق مع هؤلاء في بعض من مطالبهم، كدعوة حزب الديمقراطيين الأحرار، الذي لديه كتله نواب واسعة من 72 مقعدا، إلى الاعتراف الفوري بالدولة الفلسطينية ومراجعة مبيعات الأسلحة لإسرائيل والالتزام بالقانون الدولي.
ومع ذلك، فإن شكوكا كبيرة تحيط بالسياسة التي يمكن أن تنتهجها الحكومة الجديدة في مجالين رئيسيين.
الأول هو قدرتها على أن تحقق فعلا توازنا في سياستها من هذا الصراع، لا يقف عند معالجة تداعيات 7 أكتوبر، بل يتخطاه إلى مقاربة صلب القضية، وأساس الصراع الفلسطيني الإسرائيلي نفسه، أي الاحتلال الإسرائيلي والمسائل المرتبطة به، وفي مقدمتها حق تقرير المصير للفلسطينيين الذين يواجهون اليوم حكومة من أقصى اليمين الإسرائيلي المتطرف.
ومن غير المرجح أن تتغير هذه الصورة في إسرائيل في المستقبل القريب، حتى ولو جرت انتخابات جديدة، في ظل تصدر أحزاب اليمين كل استطلاعات الرأي، وضمور يسار الوسط إلى حد فقدان التأثير.
والثاني هو قدرتها على التأثير حقيقة في السياسة الدولية، عدا عن كونها متفقة في معظم الأمور مع إدارة الديمقراطي جو بايدن في البيت الأبيض، وعلى مسافة – تزداد اتساعا – من يسار الوسط الحاكم في بعض الدول الأوروبية التي اتخذت مواقف متقدمة، خصوصا لصالح الاعتراف بالدولة الفلسطينية ولصالح الإقرار بان صلب المشكلة هي في الاحتلال الإسرائيلي.
وأمام حكومة ستارمر كذلك تحد آخر، يمكن أن تكون له انعكاسات ضخمة على العالم، وهو احتمال فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة، ما يجعل موقف بريطانيا من قضايا الشرق الأوسط محط اختبار فعلي لدور هذا البلد الذي تشغله قضايا واستحقاقات داخلية معقدة، تضعها الحكومة في طليعة أولوياتها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية