هيغل والفارق بين الشعبي والرديء

مصطلح شعبي يشير في معناه الدارج إلى وجود كيان مادي أو معنوي، أو حتى ممارسة استحدثت أو تم توارثها بين أفراد يعيشون في بقعة أو دولة ما، ويخضعون للظروف نفسها، وأنه من خلال هؤلاء الأفراد تم توحيد مفاهيمهم ـ في ما يختص بذلك – وتم تناقل هذا الكيان أو الممارسة عبر الأزمنة، إلى أن أضحى نوعا من الذاكرة الجمعية، التي لا يُشترط فيها معرفة من استحدثها، ولا ينتظر أحدهم أن تكون نابعة من أفراد على درجة من العلم والثقافة. ولهذا، فإن في كل كيان وممارسة نوعا محببا من المساواة التي تدغدغ العقول والقلوب، وكأن القدسية قد صبغتها؛ لأنها استطاعت أن تقاوم صلف مرور الأزمنة وقوة صفحات التاريخ التي لها من القوة أن تمحي ذكرى أحداث جلل هزت البشرية، لكن الكيان، أو الممارسات الشعبية عند اخترق عتبات الأدمغة، تنفذ إلى اللاوعي وتشكل ذاكرة جمعية تصبح علامة تتميز بها الأمم.
وفي هذا الموضوع، يجدر ذكر أن الزمن الحديث قادر على إنتاج كيان أو ممارسة شعبية، على عكس ما قد يروج له البعض؛ فكل ما هو جيد يستطيع أن ينفذ إلى أغوار الذاكرة الجمعية. ولعل أبرز مثال على ذلك هو رقصة «السيرتاكي» التي أداها الممثل الأمريكي أنتوني كوين في فيلم «زوربا اليوناني» على مقطوعة موسيقية تسمى «رقصة زوربا». والمدهش في هذا الموضوع أنه تم تصميم تلك الرقصة خصيصا لهذا الفيلم الحديث نوعا ما، والذي عُرِض على شاشات السينما عام 1964، بل إن موسيقى الرقصة نفسها ألفها موسيقار يوناني يدعى «ميكيس ثيودوراكيس» Mikis Theodorakis أيضا من أجل هذا الفيلم، واستخدمت كموسيقى تصويرية له. والغريب، أن كلا من الموسيقى والرقصة أصبحتا رمزا لليونان والحياة الثقافية فيها، لدرجة أن عند الترويج لليونان أو حتى الحديث عنها، يجد اليوناني نفسه دون وعي يشير لهما، وكأنهما موروث تم تناقله من الأزمنة الغابرة. والأكثر غرابة من كل هذا، أن دول العالم كافة، عند الإشارة إلى اليونان لا يتبادر للأذهان سوى الميثولوجيا الإغريقية ورقصة السيرتاكي وموسيقى زوربا؛ والسبب بالتأكيد في ذلك هو صدق التجربة ورقي الممارسة.
ومن الخطأ أن نفترض أن الكيانات أو الممارسات الشعبية قاصرة على الممارسات التي يجب أن يتنحى فيها العلم جانبا، ببساطة لأنها اخترقت الكيانات العلمية والأدبية، بل استقرت في عالم الفلسفة، التي لها القدرة على تخطيط حياة البشر لقرون عدة، ومن أبرز الأمثلة فلسفة نيتشه والتيار الوجودي اللذان اخترقا جميع حدود الواقع والنزعات الإنسانية؛ شاملة في ذلك مجالات البناء والتشييد وجميع فروع علم الاجتماع.

وعلى صعيد آخر، هناك مفكرون جعلوا من الشعبي هدفا يعملون على نشره، ما صنع منهم أيقونة ثقافية راقية. ومن أبرز هؤلاء كان عالم اللغة والأديب والسياسي الروسي بوشكين، الذي كتب أعماله باللهجة الشعبية المنطوقة، فصارت اللغة الروسية الرسمية المتعارف عليها. أما المثال الآخر الذي قد لا يتوقعه البعض فهو الفيلسوف الألماني هيغل ذاته، الذي جهل مشروعه صياغة قانون فلسفي تتناقله الأجيال لبناء ثقافات الشعوب والاستفادة من أحداث التاريخ. فقد استطاع أن يغير التاريخ بشكل مباشر، من خلال أفكاره عن الوطنية الألمانية، وبشكل غير مباشر أفضى إلى استحداث نظام اجتماعي جديد، من خلال طالبه كارل ماركس، الذي آمن بأفكاره. وحاليا، كل ما نعيش فيه من نظم اجتماعية ونظريات هي ثمرة لأفكار هيغل؛ الذي اختار فهم التاريخ بطريقة غير مألوفة أفضت إلى تغيير الهدف من دراسة التاريخ، بوجه عام. ولهذا، تحولت أيديولوجياته إلى أداة وركيزة أساسية من خلالها يمكن بلورة فلسفات جديدة. ولهذا يتم وصفه بأنه «فيلسوف الفلاسفة» الذي وضع منهاجا لا يزال الفلاسفة والمفكرون يهتدون به ويسيرون على دربه. وكانت ركيزته الأساسية هي مقولته الشهيرة: «الإنسان لا يستطيع الخروج من فكر زمانه؛ والسبب هو أن كل ما تفكر فيه، أو كلما أثّرت أفكارك فيك، هو نتيجة لتأثير ثقافة المجتمع والتاريخ عليك». مع الأخذ في الحسبان أن الأفكار التي تتولد لدى أحد الأفراد تختلف عن تلك التي واتت السابقين أو اللاحقين له.
وجورج فيلهيلم فريدريش هيغل (1770-1831) هو فيلسوف ألماني كان لنظرياته عظيم الأثر على فلسفة القرن التاسع عشر بوجه عام، ومبدأ المثالية الألمانية، على وجه خاص، وامتد تأثير فكره إلى مجموعات كاملة من القضايا والموضوعات الفلسفية المعاصرة، ومنها القضايا الميتافيزيقية، والفلسفة السياسية وفلسفة التاريخ وفلسفة الدين وتاريخ الفلسفة، وجميعها موضوعات حيوية تُراعي تقلبات الزمن وتغيير المفاهيم. ولهذا كان يُلح على أهمية الا يخرج الإنسان عن فكر زمانه، بل على النقيض، يجب أن يأخذ في الحسبان وجوب تغيير قوالب الأفكار؛ لعدم وجود فلسفة تصلح لكل زمان ومكان، فلكل عصر ومكان ظروفه وتقلباته الخاصة، التي تستلزم تبديل الأفكار بأخرى تقترن بظروف عصرها.

وبالنسبة لهيغل، فإن التاريخ ليس مجرد أحداث عشوائية، بل يسير وفق نمط متكرر؛ فبالنسبة له التاريخ لا يكرر نفسه، بل قد تتكرر بعض الأحداث فقط، لكنه لا يعيد نفسه بالكامل، لأن كل حدث هو وليد عصره. ولهذا طور ما أطلق عليه «قانون التطور التاريخي» الذي ينبع من الفكر الشعبي السائد الذي يفرز أفكارا جوهرية تميز ثقافة أو عصرا ما، وبهذا يتغير التاريخ، لكن أبرز عامل لتغييره هو السلطة السياسية التي تؤثر بشكل مباشر على الأفراد وتحركاتهم، ومعها ينمو ويتبلور مفهوم الحرية، سواء أكانت حرية الفرد أو نمط الحرية الذي يسود المجتمع بوجه عام. حاول هيغل ربط المجتمع بالفكر الفلسفي والتاريخ والنظم السياسية، وانتصرت مفاهيمه وأصبحت قوانين ثابتة؛ لأن جوهرها هو مراعاة المفاهيم التي تتماهى والظروف المحيطة بالإنسان. ولهذا السبب، لم يجُب التاريخ فكر هيغل، لأن قيمته تنبع من كل ما هو ثقافي وشعبي. ولذلك السبب يطوي التاريخ في صفحاته الأفكار والمفاهيم والممارسات الرديئة. ومن أبرز الأمثلة الملموسة، علو صرخات البعض بسبب الألوان الأدبية أو الغنائية التي اتخذت من الابتذال مطية تصعد على أكتافها، وكثيرون يؤكدون أن هذا من شأنه إصابة المجتمع بداء الانحطاط. لكن بالنظر إلى ما مرّ بالتاريخ من أحداث، يلاحظ أن فترات الضعف السياسي والتراجع الاقتصادي أفرزت تلك الألوان الرديئة في كل العصور ، لكن فترات الازدهار قامت بمحوها.
ويعد أقرب نموذج لذلك ويلمسه جميع طوائف الشعوب هو الأغاني المبتذلة، أو الأفلام ذات الموضوعات غير الهادفة أو الأدب المبتذل المحتوى، فكل هذا ليس بالجديد، وهي أحداث كثيرة التكرار على مرّ الأزمنة والعصور. وبالنبش في صفحات تاريخ كبرى الحضارات والدول، يلاحظ أنها مرت بالتجربة نفسها؛ بسبب وجود خلل في النموذج الهرمي للسلطة الذي وضعه هيغل في فلسفته. وحينها يجنح العامة لممارسات تبدو، بسبب تكرارها وانتشارها، أنها ستصير تيارا شعبيا، لكن بمجرد إصلاح هذا الخلل تتلاشى تلك الممارسات العابرة؛ فالذاكرة الجمعية لا تختزن إلا الراقي والرصين، الذي قد يبدو لأجيال أكثر تطورا بسيطا وبدائيا، لكنهم لا ينفكون عن تكراره.
فلسفة هيغل لما بها من قدرة ملحوظة على استيعاب التغيير لا تزال تنبض بالحياة؛ فلسفته ليست قالبا جامدا أو أفكارا فوقية تتسامى عما يحدث حوله، بل هي خطوط عريضة ومنهاج أساسه البشر وتقلبات أحوالهم؛ أي أن هيغل آثر الشعبي.

كاتبة مصرية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية