تطالب الأحزاب السياسية الليبية بخريطة طريق مؤطرة بترتيبات زمنية، وضرورة مشاركة المواطنين في الموافقة على أي اتفاق سياسي وطني من خلال الاستفتاء الشعبي، لفتح مسارات جديدة للعيش في سلام.
طرابلس ـ «القدس العربي»: مع استمرار الجمود السياسي في ليبيا والانقسام الذي خلفه تواجد حكومتين في المشهد، تتصاعد التساؤلات حول جدية اتفاق سياسي جديد بين أعضاء مجلسي النواب والدولة الليبيين أفضى إلى تشكيل حكومة جديدة تقود البلاد نحو الانتخابات، كما يناقش المراقبون المعضلات التي تواجه هذا الاتفاق والذي يأتي على رأسه رفض حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً التعاطي مع أي حكومة أخرى غير منتخبة فضلا عن القطيعة بين رئيس المجلس الأعلى للدولة والبرلمان.
وكان أعضاءٌ في مجلسي النواب والأعلى للدولة الليبيين قد اجتمعوا في العاصمة المصرية القاهرة قبل أيام للاتفاق على خريطة طريق تفضي لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، بالإضافة للاتفاق على ضرورة تشكيل سلطة تنفيذية جديدة تتولى الإشرافَ على العملية الانتخابية.
ونقلت منصات محلية عن مصادر برلمانية ليبية تأكيدها بتعثر ملف تشكيل سلطة تنفيذية جديدة في البلاد، نتيجة عدم توفر الدعم الأممي والدولي لهذا التحرك الذي قاده بعض نواب البرلمان الليبي والمجلس الأعلى للدولة خلال الأيام الماضية.
وأوضحت المصادر أن رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، يقود تحركات إقليمية بهدف دعم مخرجات اجتماع بعض أعضاء البرلمان ونظرائهم في المجلس الأعلى للدولة، مشيرةً إلى وجود تحفظ لدى الدول الفاعلة والمنخرطة في المشهد الليبي إزاء غياب وجود توافق شبه كامل على تشكيل سلطة تنفيذية جديدة.
ولفتت المصادر إلى أن الأمم المتحدة تخشى أن يتم تشكيل حكومة جديدة في ظل وجود حكومتين في البلاد، ما قد يتسبب في حالة من الفوضى التشريعية والتنفيذية، مؤكدةً ضرورة عمل الأمم المتحدة على جمع كافة الأطراف الليبية على طاولة واحدة للاتفاق على خريطة طريق وفق جدول زمني محدد للدفع نحو إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
التوافق على تشكيل حكومة موحدة في القاهرة جاء في وقت يصعد فيه رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، بمواجهة المجلس الأعلى للدولة، الذي يرأسه محمد تكالة، بعد خلافهم حول مشروع الميزانية حيث يقول الأول إن البرلمان هو صاحب الاختصاص في إقرار مشروع قانون الموازنة العامة للدولة دون غيره من المجالس الأخرى.
فيما اعتذر بوقت سابق رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة عن عدم تلبية الدعوة التي تلقاها لحضور الجولة الثانية من المشاورات، بحضور رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، قائلا إنه «لا جدوى من حضور مثل هذه اللقاءات لعدم رغبة بعض أطرافها في تحقيق أي تقدم على طريق حلحلة الأزمة بل سعيه لاستخدامها للمناورة واستهلاك الوقت.»
وجدد رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة في أكثر من مناسبة التأكيد على أنه لن يترك منصبه قبل إجراء انتخابات في بلاده واختيار سلطة جديدة وذلك رغم ما كان يمارسه البرلمان من ضغط لتشكيل حكومة جديدة.
وقبل أيام دعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، أعضاء مجلسي النواب والأعلى للدولة إلى إرساء «مقاربة تشمل كافة الأطراف الليبية» من أجل التوصل إلى حل قابل للتنفيذ ينهي الأزمة السياسية في البلاد.
جاء ذلك في بيان للبعثة، تعليقا على مطالبة نحو 130 شخصية ليبية بتشكيل حكومة جديدة واحدة والتمسك بإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية وفقا للقوانين الصادرة عن مجلس النواب والمنبثقة عن لجنة 6+6.
وقالت البعثة في بيان: «نشجع أعضاء المجلسين المشاركين في اجتماع القاهرة على البناء على ما تم الاتفاق عليه، وتوخي مقاربة تشمل الأطراف الليبية المعنية الأخرى حتى تفضي مخرجات اجتماعهم إلى حل قابل للتنفيذ سياسيا».
وجددت البعثة تأكيدها على ضرورة أن «تكون أي خطوات من هذا القبيل شاملة، ومتضمنة لمسار واضح نحو الانتخابات».
وفي السياق، أبدت البعثة ترحيبها «بجميع الجهود التي تصب في تحقيق توافق ليبي يسهل عملية سياسية يقودها ويملك زمامها الليبيون وتفضي إلى إجراء الانتخابات الوطنية».
ويرى مراقبون ليبيون أن خطوة البدء بتشكيل حكومة وحدة ضرورية ونقطة فارقة على طريق الحل والوصول إلى انتخابات تجدد شرعية الأجسام العامة الراهنة، بما ينهي أزمة سياسية قائمة منذ أكثر من ثلاث سنوات. بينما يرى تيار آخر يتوافق مع رئيس مجلس الدولة محمد تكالة أن إعلان صالح، ما هو إلا «مناورة سياسية» من مجلس النواب قد تعمق الخلاف بين رئاسة المجلسين.
وفي السياق تطالب الأحزاب السياسية الليبية بخريطة طريق مؤطرة بترتيبات زمنية، وضرورة مشاركة المواطنين في الموافقة على أي اتفاق سياسي وطني من خلال الاستفتاء الشعبي، لتوفير ضمانة رئيسة لتنفيذ أي اتفاق سياسي، وفتح مسارات جديدة للعيش في سلام.
جاء ذلك في بيان صادر عن أحزاب وتكتلات سياسية تعليقًا على مخرجات اجتماع أعضاء مجلسي النواب والدولة، الذي انعقد في العاصمة المصرية القاهرة والإعلان الذي صدر عنه، وخريطة طريق لاختيار حكومة جديدة.
وأكدت الأحزاب الموقعة على البيان عدم اختزال القرار السياسي المتعلق بمستقبل العملية السياسية في هذه الأجسام الفاقدة الشرعية، التي ثبت فشلها التام في إخراج البلاد من الانسداد السياسي، معتبرة أنها أسهمت على مدى سنوات طويلة في الشلل السياسي، ومستشهدة بوصف مبعوثي الأمين العام السابقين في إحاطتهم أمام مجلس الأمن بأن مجلسي النواب والدولة فاقدان للشرعية والمشروعية.
وكررت الأحزاب السياسية تحذيرها للأطراف المحلية والإقليمية والدولية، وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، من آثار خطيرة قد تنجم عن استمرار التردي الراهن، والبحث عن الحلول لدى من هم أسباب المشاكل والتفاقم وغياب حل حقيقي للأزمة الليبية يتعامل مع أسباب الصراع، ويؤسس على مقاربة واضحة لبناء الدولة، بدلاً من المقاربة المستمرة منذ سنوات طويلة التي تعتمد على إدارة الصراع بالتوجه المتكرر لتشكيل وتقاسم السلطة.
وأكدت أيضًا ضرورة تحمُّل هذه الأطراف مسؤولياتهم بدعم الإرادة الشعبية التي عبر عنها جميع المواطنين من خلال رغبة غير مسبوقة بالمشاركة في الانتخابات، لاختيار سلطات تشريعية وتنفيذية عبر مسار ديمقراطي.
ويستبعد أسعد زهيو رئيس الهيئة التأسيسية لحزب «التجمع الوطني» في تصريح صحافي حدوث الاتفاق بين المجلسين.
ويقول إن «الظروف أثبتت في بضع محطات أنهما لم يتفقا على قضايا بسيطة جدًّا» متسائلاً: «فكيف لهما الاتفاق الآن بسبب الخلافات المتفجرة التي لم تكن المحطة الأولى ولا الأخيرة بينهما» وفق تعبيره.
ويؤكد زهيو وجود إشكالية في فهم نصوص الاتفاق السياسي، حيث يقول «مجلس الدولة» إنه يعتبر شريكاً في إنتاج القوانين الكبرى وتعيين حكومة على اعتبار أنه مجلس تشريعي يخوّل له اتفاق الصخيرات عام 2015 بأن يكون له رأي في إعطاء الثقة للحكومة والحكومة الجديدة وسحب الثقة منها، وهو أمر يرفضه عقيلة صالح.
واستشهد بما حدث مؤخراً من خلافات حول إقرار الموازنة التي تعد أول موازنة يتم اعتمادها منذ عام 2014 بعد الانقسام السياسي، فقد شدد تكالة على تذكير عقيلة بأن «مجلس الدولة جسم استشاري؛ وبالتالي لا بد أن يتم استشارته في كل القوانين والقضايا التي يصدرها مجلس النواب».
من جانبه، يدعو عبدالسلام نصيبة عضو مجلس النواب، الليبيين إلى مساندة أعضاء المجلسين لإنجاح مشروع التوافق، موضحًا أن هدف اجتماع القاهرة الخميس الماضي جاء لانتزاع القرار الوطني من الدوائر الخارجية، والمضي قدمًا في تشكيل حكومة جديدة موحدة قصد الوصول لانتخابات رئاسية وبرلمانية.
وحسب نصيبة، فقد جاء اجتماع القاهرة استكمالاً للقاءات سابقة بين المجلسين في تونس في شباط/فبراير الماضي، ومصراتة في حزيران/يونيو الماضي لتشكيل حكومة جديدة توصل البلاد للانتخابات، وذلك بعد التوافق على التعديل الدستوري الـ13 وإقرار قوانين الانتخابات.
ولكن نصيبة أكد الحاجة إلى «حزمة من الإجراءات الأخرى لمساعدة الحكومة للوصول إلى الاستحقاق».
فيما يرى المحلل السياسي أحمد المهدوي أن المجتمع الدولي مُطالب بالضغط على رئيس حكومة الوحدة المؤقتة عبد الحميد الدبيبة لتسليم السلطة، خصوصا وأن كل الأصوات الدولية أصبحت تنادي بضرورة تشكيل حكومة موحدة تشرف على الانتخابات.
ويقول المهدوي في تصريح صحافي إن «المفوضية العليا للانتخابات صنفت الدبيبة، في وقت سابق، بأنه أحد عناصر القوة القاهرة التي أفشلت انتخابات 24 كانون الأول/ديسمبر 2021 وهذا الأمر سيتكرر من دون وجود ضغوطات دولية لإزاحة الرجل من السلطة».
ويضيف أن «جميع الأجسام السياسية الليبية انتهت ولايتها ولا تملك شرعية، إلا أن الجسم التشريعي ما زال يتمتع بإجماع كبير على ضرورة تشكيل حكومة جديدة» لافتا إلى حضور 110 أعضاء من مجلسي النواب والدولة الاستشاري اجتماع القاهرة للتوافق على هذا الأمر.