خطاب نتنياهو أمام الكونغرس: يصفّقون لحرب الإبادة

وائل الحجار
حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي»: أحضر بنيامين نتنياهو معه إلى مبنى الكونغرس الأمريكي، «أبطاله» وفيهم ضابط في جيش الإبادة الإسرائيلي هو الرقيب أول أشرف البحيري وعرّفه على المصفّقين في المجلسين، بأنه ضابط بدوي إسرائيلي مسلم، وفيهم آخر مهاجر من أفريقيا هو الملازم آفي شاييل روفين.

وكان أحد مباني مجمع الكابيتول هيل، وقبل ساعات من خطابه، مسرحا لمواجهة سلميّة ولا عنفيّة بين 400 مناضل من منظمة «الصوت اليهودي من أجل السلام» الأمريكية، والشرطة التي اعتقلت منهم نحو مئتين.
وسألت «القدس العربي» سياسياً فلسطينيا مخضرما، وعامل إغاثة دولية محترفا، وعضوا عربياً في الحزب الديمقراطي الأمريكي من ولاية ميشيغان. فاتفقت آراؤهم على أن رئيس حكومة إسرائيل، الماضية في حرب الإبادة على غزة، أحضر معه كذلك إلى عمق السياسة الأمريكية أمرا آخر، يقود إلى الاستنتاج بأنه في قمّة الوقاحة.
وقال السياسي الفلسطيني والوزير السابق في السلطة الفلسطينية الدكتور نبيل عمرو لـ«القدس العربي» إن نتنياهو أهان في خطابه «اللا أخلاقي» «الشعب الأمريكي والجامعات الأمريكية، والسياسة الأمريكية بإجمالها، حتى القوة الأمريكية» أهانها.
ثم سألنا كريستوفر غونيس، كبير المتحدثين السابق باسم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» الذي يشغل اليوم منصب مدير مشروع المساءلة في ميانمار، ليس عن حقيقة ما قاله نتنياهو للمشرعين المصفّقين في أمريكا، بل عن عدد الأكاذيب التي تفوّه بها خلال 52 دقيقة، وخطورتها، فقال إن العديد مما ساقه «إهانة لجميع القيم الحضارية».
وتوجهنا بالسؤال كذلك إلى سامح هادي، العضو في الحزب الديمقراطي من ولاية ميشيغان، والمحلل في الشؤون الأمريكية في وسائل إعلام عربية، فقال إن زيارة نتنياهو بهذا الشكل عززت الانقسام داخل قواعد الحزب الديمقراطي، وإنه بتجاهله الحديث عن وقف إطلاق النار الذي تلعب في مفاوضاته الولايات المتحدة دورا مهما، تجاوز، وأهان البيت الأبيض والإدارة الأمريكية.

الخطاب
«اللاأخلاقي»

بالنسبة لنبيل عمرو، لم يقل نتنياهو شيئا يُبنى عليه.
«نحن معتادون على لقاءات نتنياهو وخطاباته في الكونغرس، للمرة الرابعة تقريبا. لم يقل شيئا يُبنى عليه.. تحدث بلغة تبريرية، وبرواية مزيفة حول ما يفعل في غزة، ثم أهان الشعب الأمريكي، وأهان الجامعات الأمريكية، وأهان السياسة الأمريكية بإجمالها، حتى القوة الأمريكية أهانها. وجه انتقادات طبعا. سأل لماذا لا تسرّع أميركا في إرسال السلاح من أجل أن يكمل مهمته في حرب الإبادة».
صحيح أن خطاب نتنياهو «لا أخلاقي» ولكن «اللا أخلاقي» أكثر، برأي عمرو، الذي عمل مستشارا لرئيسين لفلسطين، «هو موقف الحاضرين من أعضاء الكونغرس الذين كانوا يصفقون لأشياء لا يفهمونها، كما هو واضح تماما. لذلك لا يبنى عليه أبدا. هو خطاب استراح فيه نتنياهو، حتى من الكنيست، وهرب من مشكلاته الكبيرة داخل إسرائيل، لتحتضنه طبعا جماعة (آيباك) ونفوذها الواسع داخل الكونغرس».
في الوقت نفسه يتوقف عمرو أمام حقيقتين، الأولى أن «نتنياهو الأول» لم يعد هو نفسه، لأنه لم يحدث أبدا في التاريخ أن قاطع عدد كبير من أعضاء الكونغرس. كما أن المظاهرات على مدخل الكونغرس كانت حاشدة وقوية. المظاهرات التي «ودعته» من تل أبيب كانت أيضاً قوية، والآن، رغم كل الدلال الأمريكي والدعم الأمريكي، إلا أن انحداره أصبح واضحا.
وبالتزامن مع إلقاء نتنياهو خطابه، كانت الولايات المتحدة الأمريكية، تعلن عبر وزارة خارجيتها (الأكثر اتزانا وظيفيا من مصفّقي الكابيتول هيل) أن «الأونروا» ليس كما صنّفها الكنيست إرهابية، وتحث «الحكومة الإسرائيلية والكنيست على وقف تحريك هذا التشريع».
مع ذلك، وعلى الرغم من التمايز الذي حرصت إدارة بايدن على إعطائه ـ بعدما تغيب أكثر من نصف مشرعي حزبها ـ فإن السياسي الفلسطيني يستبعد «أن تتخذ الإدارة الحالية موقفا حاسما بإنهاء الحرب، كما يرغب بذلك المجتمع الدولي».
فـ»رغم أن هناك خلافات حقيقية بين الإدارة ونتنياهو، وليس بينها وبين الدولة العبرية، فأنا لا أرى أن هناك إمكانيات عالية في هذا الوقت للإدارة الأمريكية تخوّلها اتخاذ قرارات أو الضغط على نتنياهو باتجاهات حاسمة في قضايا محددة أو في قضايا كبرى».
ويستطرد «الخلافات قائمة، وهم لا يحبّذون الطريقة التي يحارب فيها نتنياهو، ولا يريدون أيضا هذا الكم الهائل من المدنيين الذين يقتلون بسلاح أمريكي. وحدث داخل أمريكا نوع من الانتفاضة، في الجامعات وفي الشوارع.. ورغم ذلك الخلاف القائم، إلا أنه (نتنياهو) بارع في استغلال الوقت، ويعرف أنه توجد في الولايات المتحدة حملة انتخابية، فيها مفاجآت كثيرة ومنعطفات كثيرة، ويحاول استغلالها بكل براعة، وهو خبير في الدهاليز الأمريكية».
مع ذلك أيضاً، فإن الأمريكيين يقفون إلى جانب الدولة العبرية، و«هم الذين غطوا الحرب، وهم الذين أنفقوا عليها. وهم الذين استخدموا خمسة فيتوات في مجلس الأمن لكيلا تتوقف الحرب. الخلافات تظل ثانوية. وعندما أعلن الأمريكيون أنهم متفقون مع الإسرائيليين في أهداف الحرب، ومختلفون في بعض الوسائل، استفاد نتنياهو من هذا كثيرا، وهو يحاول الاستفادة أكثر بأن يواصل الحرب، حتى لو اضطر لمجاملة الديمقراطيين بقبول صفقة بايدن في وقف إطلاق النار، ولو الجزء الأول منها، إلا أنه مصمم على أن يستمر بالأجندة التي وضعها لنفسه، حتى لو لم توافق الإدارة الأمريكية عليها».

«خطاب سياسي»

يتفق رأي سامح هادي محللا مع رأي نبيل عمرو في جزئية الحديث عن استغلال نتنياهو الأوضاع السياسية في الولايات المتحدة لحسابه، ويضيف على ذلك رأيه بأنه يفعل ذلك ببراعة.
«أقول إنه خطاب سياسي بامتياز، بغض النظر عن رؤيتنا لنتنياهو كمجرم حرب بحكم المحكمة أو باتهام، أو بما يمثله أداؤه من أذى لكل من يحب الإنسانية ويحترم حقوق الإنسان على مستوى العالم. إلا أنه من الناحية المهنية السياسية، كان خطابا شديد القوة شديد الحضور، يعكس قدرة نتنياهو ليس فقط على إدراك مفاتيح السياسة الأمريكية، بل على التلاعب بها، وأن يوجه بوصلة السياسة الأمريكية داخل الجسم التشريعي الذي يقود هذه المؤسسة إلى اتجاهات تخدم مصالحه وتجعله داعما».
لكن هادي يرى فشلا فيما أسماه الجانب الفني، فهو «لم يذكر شيئا عن صفقة وقف إطلاق النار وتبادل الرهائن، مع أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الوسيط الأهم في هذا المسار. وفي ذلك تجاوز وإهانة للبيت الأبيض وللإدارة الأمريكية».
وفي الوقت نفسه، عزز نتنياهو الانقسام في الحزب الديمقراطي تجاه الحرب على غزة.
فقد أظهر ما حدث «زيادة في قدرة الداعمين للحقوق الفلسطينية داخل الحزب الديمقراطي على التعبير عن قضيتهم، وقدرتهم على رفع الصوت عاليا ضد المظالم والإبادة الجماعية التي يقوم بها الإسرائيليون، وتحت غطاء سياسي كامل من الإدارة الأمريكية للأسف»، يؤكد هادي.
فـ»زيارة نتنياهو عززت الانقسام بشكل أو بآخر داخل قواعد الحزب، وزاد الانقسام بشكل كبير على مستوى القواعد، وضُربت اللحمة التي بدأت ملامحها تظهر مع اتجاه كمالا هاريس لتكون مرشحا محتملا عن الحزب للانتخابات الرئاسية بدلا من الرئيس بايدن، فعادت بوادر الانقسام مرة أخرى بين الجماعات التي تدعم ما يسمى حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وبين الحقوق الفلسطينية في الحياة والحرية والعيش بأمن».
ومع أن دعم الحقوق الفلسطينية داخل الحزب الديمقراطي «سواء كان من اليسار أو التقدميين، سببه الإيمان بمبادئ الحزب الأصلية وأدبياته التي تدعو إلى احترام حقوق الإنسان وعدم استخدام القوة والعنف لحل النزاعات المسلحة وتجنب ذلك، ورفض الإبادة الجماعية والاضطهاد والممارسات ذات الطبيعة العسكرية الغاشمة» ومع أن إيمان هؤلاء أولا «بهذه المبادئ هو الذي يدفعهم لتعزيز دعمهم لفلسطين وحقوق الفلسطينيين، وخصوصا في غزة بعد ما شهدناه من السابع من أكتوبر» فإن التعويل على تغيير كبير في السياسة غير مرجّح برأي سامح هادي.
فـ»الحركة التي تدعم استمرار تدفق المساعدات العسكرية، والدعم العسكري لإسرائيل، والسياسي، لا يقدمه الرئيس ولا البيت الأبيض، وإنما المؤسسات التي تعمل بشكل مستقل، بغض النظر عمن يشغل البيت الأبيض، وأي تغيير في نهج هذه المؤسسات، يستلزم أولا تغييرا فيمن يراقبها، أي من خلال ممثلين في الكونغرس، في مجلس النواب أو في مجلس الشيوخ».
وطبعا تؤشر المقاطعة الكبيرة على تزايد قوة هذا الصوت «الذي بدأنا نراه يرتفع، خصوصا في حرب غزة الحالية، ومنذ حرب العام ألفين وواحد وعشرين. لكن التغييرات ستأخذ وقتا حتى تحسم تحصل».

السجن مكانه

لكن بمعزل عن التحليل السياسي، ماذا عن سلسة أكاذيب نتنياهو في عقر دار النظام السياسي الأمريكي؟ سألنا كريستوفر غونيس، الذي ناضل خلال الحرب على غزة (وقبل ذلك بسنوات طويلة) لإغاثة الشعب الفلسطيني وتامين حقوقه الإنسانية الطبيعية في إطار القانون الدولي ومؤسساته الأممية.
فطلب منّا أن نسأله عن نقاط محددة في الخطاب، حتى يجيبنا ويعلّق.
وهكذا، عندما يزعم نتنياهو في الكونغرس الأمريكي أن اتهامات المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لإسرائيل بعار تعمد تجويع سكان غزة هو «هراء مطلق، وفبركة كاملة» وإن «حماس» تسرق الطعام… يعلق غونيس بالقول: «هذا إهانة لجميع القيم الحضارية، لا سيّما من الرجل المتهم باستخدام التجويع كسلاح حرب وإبادة جماعية من قبل أعلى محكمتين على كوكبنا، محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية. موقع سِغريد كاغ، المسؤولة الأممية الكبيرة المكلفة بإيصال المساعدات إلى غزة، يُظهر بأنه في أول أسبوعين من تموز/يوليو كان عدد الشاحنات التي تدخل غزة يومياً أقل من 100. هذا عدد قليل من الشاحنات يومياً. قبل الصراع، كانت تدخل غزة 500 شاحنة يومياً، وكان ذلك بالكاد يكفي للحفاظ على مستويات البقاء على قيد الحياة. لقد قلت عدة مرات إن القوة المحتلة ملزمة بفتح جميع نقاط العبور داخل وخارج غزة للأشخاص والبضائع، بما في ذلك الصادرات والواردات. وفكرة أن الرجل المسؤول جنائياً عن تجويع غزة يجب أن يحسب عدد السعرات الحرارية التي يحتاجها النساء والأطفال في غزة تستحق أن توصف بالنازية. بالنسبة لمسألة سرقة حماس للمساعدات: أين هي أدلته؟ إذا كانت إسرائيل تمتلك أي دليل لكان منشوراً في صحيفة «نيويورك تايمز». إذا كان السيد نتنياهو يعتقد أنه بريء، فيجب عليه تسليم نفسه إلى لاهاي وإثبات براءته. حقيقة أنه لا يفعل ذلك تشير إلى أنه يعلم أنه عندها سيقضي بقية أيامه خلف القضبان، وهذا هو المكان الذي ينتمي إليه، والعديد من ناخبيه يوافقون على ذلك.»
ثم يزعم نتنياهو ـ الوقح ـ أن «جيش الدفاع الإسرائيلي» (جيش الإبادة) أسقط ملايين المنشورات، وأرسل ملايين الرسائل النصية، وأجرى مئات الآلاف من المكالمات الهاتفية لإخراج المدنيين الفلسطينيين من طريق الأذى.
ويعلق غونيس: «القوة المحتلة ملزمة بحماية المدنيين في الأراضي المحتلة وتقديم الخدمات. إنه انتهاك للقانون الدولي أن تسقط إسرائيل منشورات من السماء تعطي الناس مهلة قصيرة للمغادرة قبل أن يتم قصف أحيائهم. كيف من المفترض أن يهرب الأشخاص ذوي الإعاقة والأطفال الأيتام بدون دعم عائلي من مناطق غير قابلة للمرور بسبب الأنقاض والحفر الضخمة؟ ماذا عن كبار السن، المرضى، المصابين بأمراض مميتة والمكفوفين؟ وفي أي حال، تقصف إسرائيل المناطق الآمنة التي تدعو الناس إلى الهرب إليها، وكذلك الطرق ومسارات الهروب إليها. ليس من العجيب أن يفضل العديد من الناس في غزة البقاء في أماكنهم والمخاطرة بالموت، بدلاً من الهروب إلى مزيد من عدم اليقين واللاإنسانية. في وقت قتلت فيه إسرائيل عشرات الآلاف من النساء والأطفال الأبرياء، إنها مزحة مريضة أن يدعي مجرم الحرب المتهم، نتنياهو، أنه يفعل كل ما في وسعه لحماية المدنيين في غزة. أما بالنسبة لحماس، فتجب محاسبتها أيضاً على الانتهاكات الجنائية للقانون الدولي. ولكن حقيقة أن حماس تنتهك القانون الدولي لا تعطي إسرائيل، القوة المحتلة، تصريحاً مفتوحاً لفعل الشيء نفسه، والإسرائيليون يعلمون ذلك جيداً.»
ثم يفاخر نتنياهو ـ الكاذب – بأن عدد الضحايا من المقاتلين وغير المقاتلين في الحرب هو واحد من أدنى النسب في تاريخ حروب المدن، وأن الأدنى أكثر هو في رفح حيث قتل مدني واحد…
فيقول غونيس: «فكرة أن إسرائيل تقلل من الخسائر المدنية أثناء هزيمة حماس هي كذبة قابلة للإثبات. مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة يقول إن ما يقرب من 40 ألف شخص قد قتلوا. أكثر من سبعين في المئة منهم نساء وأطفال. المدنيون يتم ذبحهم على نطاق صناعي، حيث يفشل نظام AI Lavender (برنامج ذكاء صناعي) الذي تستخدمه إسرائيل في التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين، ما يسمح بإسقاط قنابل تزن ألفي رطل على أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم. على أي حال، كانت فكرة أن إسرائيل يمكنها هزيمة حماس دائماً كذبة، ومع ذلك أعطت أمريكا، وألمانيا، والمملكة المتحدة، والعديد من الدول الأخرى، الضوء الأخضر لنتنياهو لارتكاب إبادة جماعية باسم هذا الهدف العسكري والسياسي المستحيل. كل هذا لم يفعل سوى تقوية حماس، ليس فقط في الضفة الغربية، بل في أماكن أخرى في الشرق الأوسط. يجب محاسبة نتنياهو، وأتمنى أن يتم ذلك، إلى جانب أي قادة من حماس يتبين أنهم ارتكبوا جرائم فظائع».
ويضيف: «كما رأينا، من مكانته المتضائلة على المسرح العالمي، ليس أقلها مع حكومة العمل الجديدة في بريطانيا ومع احتمالات رئاسة هاريس في الولايات المتحدة، فإن نتنياهو وأكاذيبه وتضليله قد وصل إلى نهايته. كل المسيرات السياسية تنتهي بالفشل. ونهاية نتنياهو لا يمكن أن تأتي قريباً بما فيه الكفاية لشعب غزة المحاصر ولشعوب الشرق الأوسط التي يحكم عليها بسنوات من عدم الاستقرار والصراع».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية