غزة ـ «القدس العربي»: لا يعرف إن كان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو سيتجه إلى عقد صفقة تبادل أسرى، تشمل وقف إطلاق النار في غزة وإنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من تسعة أشهر ونصف، لوقف تنامي حالة الغضب ضده على المستوى الأمني والعسكري والشعبي في إسرائيل، ولتجنب مواجهة أكبر مع حزب الله والحوثيين في اليمن، الذين أحرجوا حكومته اليمينية حين أوصلوا إحدى طائراتهم المسيرة، لتضرب تل أبيب، أم أنه سيسلك من جديد طريقا ملتويا للتهرب من هذه الضغوط التي تترافق مع مطالب أمريكية وغربية تدعوه لوقف الحرب الدامية التي طال أمده.
بداية الحديث الجديد من نتنياهو ترافق مع زيارته إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي أبطل بسبب لاءاته مقترح رئيسها جو بايدن منذ نهايات ايار/مايو الماضي، رغم الموافقة الأخيرة التي قدمتها حركة حماس على المقترح، والذي تجاوزت فيه شرط وقف الحرب كاملة في المرحلة الأولى من الاتفاق.
غير أن هذا الحديث الجديد من نتنياهو ترافق مع واقع مؤلم على الأرض، بدا وكأنه يريد من خلاله الإعلان بشكل إعلامي عن قبول التهدئة، وفي تفاصيل القبول فرض رؤيته وشروطه لوقف إطلاق النار، بما قد يؤدي إلى فشل الوساطات القائمة.
ولم يكن حديث نتنياهو الأخير في واشنطن عن إمكانية عقد اتفاق التهدئة، هو وحدة ما صدر عنه بخصوص هذا الملف، فقبله أوعز بعد اجتماع مطول مع قادة الأمن الإسرائيلي وقادة الجيش والفريق المفاوض، بإرسال وفد المفاوضات الإسرائيلي إلى العاصمة القطرية الدوحة، لمواصلة المفاوضات بشأن اتفاق التهدئة في غزة.
وقد أعلن عن ذلك مكتب نتنياهو قبيل سفره لواشنطن، لتكشف وقتها تقارير عبرية أن قرار نتنياهو بإرسال وفد التفاوض إلى الدوحة، جاء بعد نقاش معمق مع فريق التفاوض والمسؤولين الأمنيين بشأن صفقة تبادل الأسرى دام أكثر من 5 ساعات، ووفق هيئة البث الإسرائيلية، فإن مناقشات نتنياهو شملت تداعيات إبرام الصفقة على ما يحدث في الشمال مع حدود لبنان، ومع حركة «أنصار الله» (الحوثيين).
غير أنه لم يعلن عن أي زيارة للوفد، وسط أنباء عن إلغاء تلك الزيارة، وتأجليها إلى موعد آخر يجتمع فيه وسطاء التهدئة «مصر وقطر وأمريكا» مع الوفد الإسرائيلي في دولة أوروبية بعد أيام.
أما في واشنطن، التي وصلها نتنياهو بعد أن أجلت زيارته مرات عدة، ناجمة حسب ما تردد عن رفض البيت الأبيض لسياساته تجاه إدارة الحرب ضد غزة، وعدم قبوله بمقترح واشنطن لوقف إطلاق النار طوال الفترة الماضية، فقد أعلن من هناك حسب بيان صادر عن مكتبه أنه أبلغ عائلات الأسرى المحتجزين في قطاع غزة، بقرب التوصل إلى اتفاق سيضمن إطلاق سراح أقاربهم، ونقل عن نتنياهو القول وهو يخاطب هذه العائلات «الظروف تتحسن بلا شك، وهذا مؤشر جيد».
وقد أرجع نتنياهو ذلك لـ«الضغط العسكري القوي» الذي قال إن إسرائيل تمارسه على حركة حماس، وقال «إننا نلاحظ تغييراً مُعيناً، وأعتقد انه سيزداد».
وجاء ذلك بعد كشف تقارير عبرية، أن رؤساء الأجهزة الأمنية، أبلغوا نتنياهو أنهم يؤيدون التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، وقد أيد ذلك كل من وزير الدفاع يوآف غالانت، ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي هرتسي هاليفي، ومدير جهاز «الموساد» دافيد برنياع، ورئيس جهاز «الشاباك» رونين بار.
وهؤلاء أيضا أبلغوه أنهم متفقون على أنه إذا جرى التوصل إلى هدنة واتفاق تبادل أسرى مع حماس، فإن الجيش الإسرائيلي يمكنه الانسحاب بشكل كامل من قطاع غزة لمدة ستة أسابيع من الاتفاق المحتمل.
ويعني ذلك أن خطتهم لدفع نتنياهو لقبول الصفقة تتماشى مع موقفه القائم على عودة الحرب بعد المرحلة الأولى، حيث أن المرحلة الأولى من المقترح والتي من المفترض أن تتواصل 42 يوما وتشمل ما يسمى بـ«الفئة الإنسانية» في الأسرى. وقادة الأمن أكدوا لنتنياهو أن فترة انسحاب الجيش لستة أسابيع، لن تسمح لحماس بإعادة تأهيل نفسها عسكريا، أو بناء وإعادة تأهيل الأنفاق.
تهدئة مؤقتة
ولذلك يبرز تحليل يشير إلى ان موافقة نتنياهو على تهدئة، هدفها عقد صفقة تبادل أسرى، يوقف فيها الحرب ويتخلص في فترة الستة أسابيع من الضغط الداخلي المتزايد سواء من القادة العسكريين أو الأمنيين أو من ذوي أهالي الأسرى، ويخفف حجم الضغط الدولي عليه، على أن يعاود الحرب من جديد بعد انقضاء هذه المدة، خاصة وأن بند وقف الحرب كليا في المرحلة الأولى لم يعد قائما في بنود الاتفاق، وهو ما ألمح إليه قادة الأمن والجيش الذين أكدوا عدم قدرة حماس على بناء قدراتها العسكرية لو انسحب جيشهم من غزة في فترة الستة أسابيع.
كما يمكن أن يكون لـ «طائرة الحوثيين» التي تمكنت من تعدي كل منظومات الأمن الإسرائيلية وضرب عمق تل أبيب، تأثير على قرار قادة الأمن والجيش ومن ثم نتنياهو في تغيير موقفهم، بعد أن أوقعهم الحادث في حرج شديد أظهر عجز الأمن والجيش في مواجهة المسيرة، ودب فيهم قلق كبير من شن هجمات حوثية أكبر، حال استمر الوضع في قطاع غزة على حاله، كما أظهر ضعف الحكومة اليمينية التي أعلنت تأمين تل أبيب من صواريخ غزة، من دون أن تتمكن من تأمين نفسها من القوى المساندة.
والمعروف أن «طائرة الحوثيين» التي ضربت تل أبيب، رغم رد إسرائيل العنيف على اليمن، وضعت نتنياهو المتشدد تجاه استمرار الحرب، في حرج كبير، فبعد أن تيقن أن دماء الغزيين وأطفالهم هي وقود استمراره في البقاء على كرسي الوزارة، فإن تكرار المشهد مرات جديدة، سيضع نتنياهو في حرج كبير، كونه سيخرج بمظهر يدلل على عدم قدرته على حماية العمق، بعد أن فشل في الجنوب مع غزة، والشمال مع حزب الله.
المماطلة والتسويف
غير أن التفاصيل على الأرض، تدفع أيضا باتجاه تبني تحليل آخر يقوم على أساس أن لجوء نتنياهو لإرسال وفد تفاوضي للدوحة، والإدلاء بتصريحات مطمئنة عن قرب الصفقة هدفها «المماطلة والتسويف» ليتهرب من تصاعد الضغط الشعبي ضده، وللهروب أيضا من الإحاطات الأمنية التي وصلت للجمهور، والتي كشفت موافقة قادة الأمن والجيش عن الصفقة، وكذلك من أجل التهرب من الضغوط الأمريكية المحتملة خلال زيارته، خاصة وأن حديثه هذا لم يسمع من قبل.
وقد ظل نتنياهو طوال الفترة الماضية، يرفض الامتثال لبنود التهدئة التي وردت في مذكرة أمريكية عرضها الرئيس الأمريكي جو بايدن في نهايات ايار/مايو الماضي، وظل في كل مرة يجري فيها انطلاق وساطات جديدة، يضع شروطه ولاءاته الثلاثة، التي تعرقل كل اتفاق، وهي رفض الانسحاب من «محور فيلادلفيا» الفاصل عن مصر، ورفض وقف الحرب كاملة، ووضع شروط على عودة نازحي شمال غزة المتواجدين في مناطق الجنوب.
وكانت هذه الشروط واللاءات التي كان يضعها كل مرة هي من تفشل الوساطات، وآخرها الأسبوع قبل الماضي، حين عقدت عدة اجتماعات في القاهرة الدوحة، بعد قبول حماس الموافقة على عقد تهدئة مؤقتة تستمر لستة أسابيع مرحلتها الأولى يتم فيها عقد صفقة تبادل أسرى، بعد أن كانت تطلب سابقا بان تكون التهدئة شاملة بمجرد دخولها اليوم الأول.
وقد سبق وأن عرقلت اللاءات الأخيرة لنتنياهو الاتفاق، بعد أن رفضتها حركة حماس، ووصفتها بأنها «تعطيل للاتفاق».
ويدعم هذا التحليل، ما عبر عنه قادة أحزاب اليمين المتطرف «القوة اليهودية» يرئاسة ايتمار بن غفير، و«الصهيونية الدينية» برئاسة بتسلئيل سموترتش، بإسقاط الحكومة إذا حاول تمرير صفقة دون خروج حماس عن مشهد قيادة غزة.
كما أيد ذلك ثمانية نواب من حزب «الليكود» برئاسة نتنياهو، حيث بعثوا له برسالة أكدوا أنهم سيرفضون دعم صفقة تبادل الأسرى، التي يجري نقاشها، حال لم يتم إدخال تغييرات كبيرة على الاقتراح، ومنها عدم التزام إسرائيل بالانسحاب من «محور نتساريم» الذي يفصل شمال غزة عن جنوبه، أو «محور فيلادلفيا» وضرورة بقاء وجود كبير للجيش الإسرائيلي على طول كل الطرق الكبرى في غزة.
وتؤكد هذه التهديدات الداخلية لنتنياهو، أنه لن يذهب إلى اتفاق ينهيه سياسيا، حيث ستنهار حكومته الائتلافية بمجرد التوقيع على الاتفاق.
وفي دليل آخر على هذا التوجه، كشفت تقارير عبرية أن نتنياهو يخطط لإنشاء مجلس جديد لإدارة الحرب على قطاع غزة يضم وزير الأمن القومي المتطرف بن غفير، والذي يرفض فكرة وقف الحرب.
كما يدعم ذلك التحليل، ما كشفته «القناة 13» العبرية، التي قالت إن الجانب الإسرائيلي يطالب بالحصول على قائمة بأسماء الأسرى الأحياء قبل الموعد المحدد لبدء صفقة محتملة، وليس بعد بدء تنفيذ الصفقة، حيث تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن حركة حماس لن توافق على المطالب الإسرائيلية الجديدة، ووصفت مصادر إسرائيلية ضالعة بعملية التفاوض للصحيفة شروط نتنياهو بـ«التعجيزية».
كذلك كشف مصدر مصري رفيع المستوى، النقاب عن عدم انتقال وفد مفاوضات من إسرائيل أو فلسطين إلى مصر للبحث في شأن صفقة الهدنة في غزة، وأكد لقناة «القاهرة الإخبارية» أن «إسرائيل لم تقم بإبلاغ مصر ردها حول مقترح التهدئة» لافتا إلى أن ما يتم تداوله هو تسريبات إسرائيلية للتغطية على خطاب نتنياهو بالكونغرس الأمريكي، بادعاءات غير صحيحة حول السماح بخروج المصابين الفلسطينيين، وتحقيق تقدم بالهدنة.
التصعيد على الأرض
وهناك أيضا احتمالات قوية، تدفع باتجاه أن يكون هدف نتنياهو من تصريحاته التي صوحبت بتصعيد على الأرض، هو دفع المقاومة للتراجع وتمرير شروطه الخاصة بالصفقة، ما يعني أن عقدها في حال نجح مخطط نتنياهو وهو أمر صعب، سيكون حسب الخطة الإسرائيلية لليوم الثاني من الحرب.
وبما يدلل على ذلك تصريحات نتنياهو في واشنطن، التي قال فيها «الظروف تتحسن» مرجعا ذلك لـ«الضغط العسكري القوي» الذي قال أيضا إنه «سيزداد».
كما جرى التأكيد عليها من خلال تصريحات وزير الخارجية الإٍسرائيلي يسرائيل كاتس الذي قال «لا يجوز وقف الحرب قبل إعادة المحتجزين والقضاء على حركة حماس وتحقيق الأمن في مستوطنات غلاف غزة».
وقد جرى التأكيد على هذا الأمر، من خلال أوامر الإخلاء التي أصدرها جيش الاحتلال، وطالب فيها سكان المناطق الشرقية لمدينة خانيونس جنوب قطاع غزة بـ«الإخلاء القسري» إلى منطقة المواصي، حيث بدأ عملية عسكرية برية في تلك المناطق، وسط خشية كبيرة من توسعها على غرار العملية التي نفذها جيش الاحتلال في أوائل كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، واستمرت أربعة أشهر، واحتل خلالها غالبية مناطق مدينة خانيونس.
وهذه العملية التي بدأت بمجازر استهدفت المواطنين خلال نزوحهم، وأسفرت في اليوم الأول فقط عن استشهاد أكثر من 80 مواطنا، ترافقت مع استمرار العملية العسكرية البرية ضد مدينة رفح والتي تجاوزت الشهرين والنصف، ومع تصعيد عسكري خطير على مناطق وسط القطاع، حيث يخشى السكان من أن تتوسع الغارات الجوية والقصف المدفعي، ليشن جيش الاحتلال عملية عسكرية برية جديدة.
فعلى وقع الغارات والتوغل في خانيونس، كانت حدود المناطق الشرقية والشمالية لقطاع غزة تلتهب بنيران الاحتلال، فيما توسع نطاق الغارات على المنازل في مناطق الوسط، ليوقع عشرات الضحايا بينهم أطفال، باستهداف جيش الاحتلال عمارات سكنية مأهولة ومناطق أخرى للنازحين.
وقد أكدت صحيفة «يديعوت أحرنوت» العبرية، أن هدف العملية العسكرية ضد المناطق الشرقية لخانيونس، هو زيادة الضغط العسكري على حركة حماس تزامناً مع استئناف المفاوضات من أجل إبرام صفقة تبادل ووقف إطلاق للنار.
وأوضحت أن هذه أكبر عملية للقوات البرية الإسرائيلية في المرحلة الثالثة ومن المتوقع توسيعها من خلال الدفع بالمزيد من القوات وكذلك التوقع بأن تستمر عدة أسابيع.
جدير ذكره أن إسرائيل بعملية خانيونس زادت الضغط أكثر على مناطق النزوح الضيقة، حيث تدفع العملية بـ 350 ألف فلسطيني من سكان تلك المناطق للنزوح في منطقة المواصي المكتظة بالنازحين الذين أجبروا على ترك مدينة غزة ومناطق الشمال مع بداية الحرب، وأولئك الذين نزحوا من مدينة رفح، حيث بات سكان قطاع غزة المكتظ أصلا بالسكان لضيق مساحته، يعيشون تحت القصف في وسط القطاع، وفي المناطق الغربية لمدينة خانيونس فقط.
وهذا الأمر أكدته وكالة «الأونروا» حين قالت إن إسرائيل وضعت ما يزيد عن 80 في المئة من مناطق قطاع غزة تحت أوامر الإخلاء، وإن آلاف الفلسطينيين يواصلون الفرار مجددا من مدينة خانيونس.