الشعر الفلسطيني اليوم

قد يكون مصطلح «الحال» هو الأنسب في السياق الذي أنا فيه، فاشتغال أي منا بالوقت والحال (وليس انشغال التي لا وجود لها في العربية) أي الساعة التي أَنت فيها. أما المعاني الأخرى مثل: أَي شيء بعد شيء والعجَلة، أو الترابـ، واللبن، ومَذْهَب خير أَو شر، وحال الرجل أي امرأته ونفسه، أو وظهر الفرس ومتنه، أو ورق الشجر إذ يسقط؛ فقد طوتها اللغة في ما تطوي، و»لسان العرب» اليوم أشبه بـ»الجبانة» حيث كثير من الألفاظ هي شواهد قبور لا غير. أما «الحال/ هنا» أو «الآن/هنا» فمفهوم قديم يحيل إلى فلسفة المكان والزمان، ومع ذلك يمكن استجلابه إلى سياق الشعر، أو حال الشعر، أو راهن الشعر في فلسطين اليوم؛ بل مقاربته من حيث هو حقيقة مادية «ملتبسة»، ذلك أن هذا الشعر هو في جانب منه «أردني» على قدر ما هو «فلسطيني» بالمعنى الواسع لكلمة فلسطين أي فلسطين قبل قرار التقسيم، فهو إذا ما توخينا الدقة، عابر للجغرافيا، كما سطرتها الحروب والمعاهدات، بل هو غير قابل للتجزئة؛ وإلا لقلنا إن الشعر الفلسطيني داخل دولة الاحتلال هو «شعر إسرائيلي» مكتوب بالعربية. ومثلما يستنبط الفراغ من حركة الأجسام، كما يقول أهل الفلسفة، فإن الحركة تعني الفراغ مثلما تعني الفضاء. وفي هذا الفضاء الفلسطيني داخل الأرض وخارجها، يمكن أن نرى المعنى الشعري لعبارة «الشعر الفلسطيني هنا /الآن» من أجل اختبار مساحة جديدة للوعي أي وعي هذا الفضاء التاريخي، في لحظة «الحال» بدل الانصراف إلى الماضي، أو حتى المستقبل. أعني مقاربة الواقع، وهو الوحيد الممكن، في محاولة ولو هي مختزلة بحكم حجم المقال.

على أن أعود في مقال أو مقالات لاحقة إلى تجارب بعينها، من أجل إعادة اكتشاف هذا الشعر، واستيعاب «الحال» يقتضي التلفت إلى الماضي أحيانا. ذلك أن الحاضر هو محصلة كل الظواهر الماضية؛ ومن ثمة «نفهم» بدل أن «نحكم» ونحن نطل من هذه النافذة المشرعة على واقع الشعر الفلسطيني.، ونسأل ونتساءل: إلى أي حد يصح الكلام على شعر فلسطيني حديث؟ هذا سؤال سبق أن طرحته، وكنت سوغته على أساس من أن التقدير العلمي الصادق يقتضي منا أن نقول إن المصطلح «شعر فلسطيني» لم يظهر إلا بعد هزيمة 1967، وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار، فيمكن أن نرجعه إلى الثلاثينيات من القرن الماضي، وتحديدا ثورة 1936 (إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود وعبد الكريم القرني). أما الشعر الذي ظهر في فلسطين قبل ذلك، فهو جزء من تاريخ الشعر في أرض الشام (سوريا ولبنان وفلسطين)، ومن تاريخ الشعر العربي عامة. ومن مفارقات التاريخ أن الاستعمار الغربي (الفرنسي والبريطاني خاصة عام 1918) الذي رسم الحدود بين هذه البلدان، رسم أيضا «الحدود» الأدبية بينها، أو هو أضفى على هذه الآداب، دون قصد، هويتها الجغرافية. لنقل إن الشعر ينتسب إلى اللغة؛ وليس إلى الجغرافيا. وحتى لو نسبناه إلى الجغرافيا، فإنه من الصعوبة بمكان، أن نخضع الشعر الذي كتب في فلسطين قبل قرار التقسيم 1947، لقوانين تاريخ الأدب الفلسطيني وقواعده. وهذا الشعر إنما ينتسب إلى العربية شأنه شأن الشعر في كل البلاد العربية. ومن التحمل عليه حصره في «القضية الفلسطينية»، على الرغم من أن الهم «الأيديولوجي» يحضر في جل هذه التجارب بنسبة أو بأخرى.

لكننا نحسب مع ذلك أن هناك فيضا في ربط نصوص الشعراء الفلسطينيين الأحياء مثل غسان زقطان، أو إبراهيم نصر الله، أو يوسف عبد العزيز، أو راشد عيسى وغيرهم، بمرجعيات تقوم خارجها، وهو ما يجعل هذه المقاربات لا تفعل أكثر من مقايسة هذه النصوص، بوقائع ليست نصية أو بواقع، والواقع ـ فنياـ ليس أكثر من بنية جوفاء. ونحن لا نرى داعيا إلى رمي هذه المقاربات بشبهة الخروج عن النص، كما لا نرى داعيا إلى تبرئة النص نفسه من «تحريض» غير مقصود على مثل هذه المقاربات. إذ يصعب أن ننكر أن النص أو الأثر، أي نص أو أي أثر، لا ينتسبان بنسَب من الأنساب إلى ما يوجد خارجهما، أي إلى وقائع قد لا تكون بالضرورة من طبيعة نصية. وهذه نصوص «تحفل» بإحالات إلى واقع يوجد خارجها؛ ويعلم القراء طبيعته ومجرياته بتفاوت لا محالة؛ وإن كانوا يعلمونه في سياقات أخرى وخطابات أخرى؛ غير سياق القول الشعري وخطابه، ومثال ذلك قصيدة إبراهيم نصر الله «هنا غزة» («القدس العربي» 17 يوليو/تموز 2024). ولما كنا قد قدرنا أن استئناف مثل هذا المنحى الذي يقرأ الشعر الفلسطيني، استنادا إلى مرجعية مغايرة هي غير النص المقروء؛ مرجعية تتمثل أساسا في قضية فلسطين، إنما هو يتولى فقط مراكمة قراءات حاصلة بالفعل، إن لم يكن مجرد تَكرار لها ليس إلا. ونحن إنما ننحاز إلى القراءات التي تركز على ما يُسمى المرجعية الذاتية. قد تكون الكتابة عند الشاعر فعل إبعاد، والإبعاد هو دائما غير المدرك وغير الحاضر وغير الواعي. وهي بهذا الصنيع لا تهب نفسها، كما هي في تجربة ظواهرية لحضور ما. والقارئ لا يرى عادة ما يقرأ، وإنما منشوده أن يسمع معنى الشيء الذي أردا الشاعر «المتكلم الغائب» قوله.

إن تخير الكتابة عند الشاعر الفلسطيني، لا يرجع إلى وظيفة «النافع» أو «الالتزام» ولا إلى قيمة باطنة تستمدها الكتابة من طبيعتها الخاصة. وإذا كان في القول بالنفعية عند الشاعر الفلسطيني «الملتزم» مثلا مقدار من الصحة، فإن هذه النفعية وإن أعانتنا على تفسير الميل إلى الكتابة والأخذ بها في أطوار دون أخرى، لا تكفي وحدها لتفسير الكتابة الفنية التي يستشعر القارئ صعوبة، أو يجد عنتا في إيلافها أو إدراكها. فليس بالمستغرب إذن، أن ينهض الإدراك عنده، على ربط هذا النوع من الكتابة بتجربة شعرية سابقة، كما هو الشأن عادة في أي إدراك أدبي؛ على نحو ما نجد عند قراء الشعر الفلسطيني مثلا. وسواء كان التماثل قائما بين التجربتين أو لم يكن، فإن إدراك القارئ ما كان ليستتب، لولا الفروق التي استشعرها بين النص «اللامألوف» الذي هو فيه، والنماذج السابقة عليه، أو تلك التي لم تفارق مفهوم الشعر المعروف عنده. والمنفى جرح لا يندمل، وحزن مبرح؛ أو «حياة مشوهة» بعبارة أدورنو. لكنه يغدو أداة مقاومة وتحرر، بل هو عالم خصوبة، وليس جدبا روحيا؛ ولذة للمبدع الذي يتحرر من ضيق المكان، ومن لزوم ما لا يلزمه من إكراهات التصرف بشكل مخصوص، استجابة لشروط مقررة يمليها الفكر والهوية، بل يتحرر من كل ما هو جاهز أو مصنوع مسبقا على مقاس أمة، أو مجتمع، أو مكان، أو ذاكرة، أو سردية معينة. والمنفى من هذا المنظور، إبداع يحقق تلك المعادلة الصعبة بين الفرد الذي «ينقطع» عن المجموعة، ويبقى فيها، فيمشي في الناس وحيدا، وبين مضايق العبارة وسمت الأحداث.

هو جدل بين الداخل والخارج، والاعتزال والالتزام، والذاكرة والنسيان، والارتيابية والنزعة الإنسانية، والمألوف والغرابة، وترك الأرض، وأرض التبني، وأرض الأحلام، وعطفات التاريخ وثناياه، وضياع المكان فالعودة إليه، أو المصالحة معه إلى أجل غير مسمى. ولعل هذا ما يفسر نبرة «الاعترافات» التي تستوقفنا في كتابات غسان زقطان، وهي تخص عنده مساءلة «الجذور» في البلد الأم، لكن من دون أن تتخذ ذلك الشكل «التأسلي» الذي يعيد صاحبه إلى طبائع الأسلاف، أو يجعله يتشبه بهم في أخلاقهم وشمائلهم.
وغسان مثله مثل درويش/ فهو وإن كان يستنبت نصه في تربة الميثولوجيا الفلسطينية، فإن قصيدته تفيض عن هذه الميثولوجيا، في حركة شعرية مستمرة ذهابا وإيابا، هي أشبه بمفصل في نابض؛ تسمح بفتح باب في الاتجاهين، بين التجربة والخلق، بين الشعر والحياة؛ بين المكان الفلسطيني والفضاء العالمي.
يقول محمود درويش: «أقدم أحيانا كشاعر قضية، وأنا أقوم بقراءة شعر مخالف لهذه الصورة». وهذه أمارة على التجربة الكتابية عنده، بل لأقل دون لبس أمارة على تحرره من سطوة «الهم الأيديولوجي». وأقدر شخصيا، دون أن أقطع برأي أو حكم أن الأيديولوجيا تبعية أو تعلق وخضوع، حيث يعيش شخص تِبْعا لـ»رؤية» أو «مذهب» أو «انتماء سياسي» وكأن شعاره: «وهل أنا إلا من غزية إن غوتْ/// غويتُ وإن ترشدْ غزية أرشدِ» كما يقول شاعرنا القديم، فيما الكتابة إبداع والإبداع عمل فردي. أما الأيديولوجيا فهي موضوع من موضوعات المعرفة، وليست غرضا من أغراض الأدب والفن، بل هي «وهْم» كما تشهد بذلك نصوص ومدونات كثيرة تنتسب إلى تاريخ الأدب تاريخ الفلسفة.

كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية