لندن ـ «القدس العربي»: تخبرنا وثائق الأجداد قبل 100 عام من وقت كتابة هذه الكلمات، أن بطولة كرة القدم الأولمبية، كانت تعتبر المسابقة الكروية الأولى والأكثر أهمية على هذا الكوكب، بل وفقا لمنصة «فوتبول هيستوري»، تفوقت على ألعاب القوى وباقي الرياضات الأولمبية في ما تُعرف تاريخيا بالنسخة الأكثر تنافسية في العصر القديم، التي نظمتها العاصمة الهولندية أمستردام في العام 1928، وشهدت احتفاظ منتخب أوروغواي بالميدالية الذهبية للمرة الثانية على التوالي، قبل أن تفقد الساحرة المستديرة بريقها الأولمبي منذ ذلك الحين، حين بدأت بالصعود النايزيكي للبطولة الحديثة في بداية الثلاثينات، كأس العالم، ثم بالتعديلات والتغييرات الكبرى التي شهدتها كرة القدم الأولمبية على مدار العقود، كبطولة غير معترف بها من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، منذ قرار المؤسسة الأخيرة باستبعاد النشاط الكروي من دورة الألعاب الصيفية التي تلت أول مونديال كروي في التاريخ، أولمبياد لوس أنجليس 1932، وما تبعه، من تغييرات جذرية في نظام البطولة، بإلزام المنتخبات المشاركة بالاعتماد على لاعبين هواة، بعد نجاح ضغوط المنظمين الألمان في عودة المسابقة الكروية إلى أولمبياد 1936، إلى أن حدث أول توافق بين اللجنة الأولمبية الدولية والفيفا في منتصف حقبة الثمانينات، وعلى إثره بدأت المنتخبات الأولمبية تعتمد على الدوليين المستبعدين من اللعب في نهائيات كأس العالم في الفترة بين 1984 و1998، قبل أن تستقر على نظامها الحالي منذ نسخة برشلونة 1992، كبطولة مخصصة للاعبين الشباب دون 23 عاما، مع السماح بمشاركة 3 نجوم فوق السن، ورغم التحسن الملموس في مستوى المنافسة ونسبة مشاهدة مباريات كرة القدم الأولمبية، لاسيما بعد ظهور العديد من أساطير ونجوم اللعب مع منتخباتهم الوطنية، مقارنة بالوضع في عقود الظلام والاعتماد على لاعبين هواة، إلا أنها ما زالت على بعد مسافات ضوئية من نسبة مشاهدة ومتابعة الرياضات الفردية وأم الألعاب على وجه الخصوص، ألعاب القوى، بخلاف العزوف الجماعي الواضح لنجوم ومشاهير اللعبة عن المشاركة مع منتخباتهم في الأولمبياد في السنوات القليلة الماضية، والسؤال الذي يفرض نفسه وسنحاول الإجابة عليه في موضوعنا الأسبوعي هو: لماذا يتسابق قادة وأساطير اللعبة مؤخرا في الهروب من الأولمبياد؟
ما قبل التوثيق
بالعودة إلى الوراء ما يلامس القرن ونصف القرن من الزمن، أو عصر ما قبل ابتكار مصطلح نجوم وأساطير، سنجد في الوثائق القديمة والمصادر النادرة، أن كرة القدم لم تكن مدرجة في النسخة الافتتاحية لدورة الألعاب الأولمبية الحديثة في 1896، ومع ذلك زعمت مصادر أنها تضمت بطولة غير رسمية بين فريق يمثل أثينا وآخر إزمير التركية، انتهت بفوز الأخيرة بنتيجة غير موثقة، فيما تنفي مصادر أخرى إقامة هذه البطولة، لكن الشيء المؤكد والموثق في أرشيف اللجنة الأولمبية الدولية، أنه بعد أربع سنوات أقيمت بطولة لكرة القدم في أولمبياد 1900، وضمت المسابقة 3 فرق، أحدها يمثل بريطانيا العظمى، والآخر العاصمة الفرنسية باريس، والثالث فريق جامعة بروكسيل البلجيكية، وانتهت بحصول أبتون بارك البريطاني على الميدالية الذهبية، بعد انتصاره بسهولة وأريحية على منافسيه فرانسيس وطلاب الجامعة البلجيكية، بينما ذهبت الميدالية الفضية للفريق الفرنسي بعد ريمونتادا لا تصدق، من التأخر بثنائية نظيفة إلى انتصار كاسح وعريض وصل قوامه لسداسية مقابل اثنين في الشوط الثاني، واستمر الوضع كما هو عليه في نسخة 1904، بمشاركة 3 فرق، لكن هذه المرة حضرت المدينة المضيفة بفريقين هما كلية كريستيان براذيرز، وسان روز باريش من مدينة سانت لويس الأمريكية، إلى جانب فريق غالت ممثل كندا، الذي حقق أسهل ميدالية ذهبية في التاريخ، باكتساح ممثلي الولايات المتحدة بنتيجة 11-0 في المباراتين.
ورغم أن الفيفا، لا يعترف بأول نسختين للمسابقة الكروية الأولمبية بشكل رسمي حتى هذه اللحظة، إلا أن اللجنة الأولمبية تعترف بهما بصورة رسمية، وجاء التوافق الرسمي بين مؤسسة الفيفا واللجنة الأولمبية، بداية من النسخة الأولى من حيث الواقعية، والإشارة إلى دورة الألعاب الأولمبية 1908، التي أقيمت للمرة الأولى بمشاركة 6 منتخبات، في مقدمتها منتخب الدولة المضيفة بريطانيا العظمى، ومنتخب فرنسا الأول والثاني، ومنتخب الدنمارك، ومنتخب السويد، ومنتخب هولندا، وكما كان متوقعا آنذاك، نظرا لفارق الخبرات والممارسة بين ممثلي مهد اللعبة وبين باقي الخصوم، حقق المنتخب الإنكليزي الميدالية الذهبية، في ما عُرفت بحقبة السيطرة البريطانية على الذهب الأولمبي، بعد الفوز على الدنمارك بهدفين دون مقابل، في حضور المهاجم الدنماركي الأسطوري سوفوس نيلسن، الذي حقق رقما قياسيا إعجازيا في الدور الأول، بهز شباك الديوك الفرنسية 10 مرات في نزهة كروية انتهت بفوز منتخب بلاده 17-1. وفي البطولة التالية، التي قفز عدد المشاركين فيها إلى 11 منتخبا، وبنظام الكأس للمرة الأولى في الأولمبياد، استمرت الهيمنة البريطانية على الذهب الكروي، وأيضا على حساب ضحيتهم في نسخة 1908 المنتخب الدنماركي، ويُقال إن المسابقة بدأت بإراحة المنتخبات ذات التنصيف الأعلى من أول جولتين، فيما أقيمت بطولة شرفية للمنتخبات السبعة التي خرجت من أول جولتين، وتوج بها المنتخب المجري، ومنذ ذلك الحين، توقفت الأولمبياد بسبب اشتعال الحرب العالمية الأولى، إلى أن عادت مرة أخرى في 1920، التي شهدت حضور المنتخب المصري، بصفته أول منتخب من خارج أوروبا يشارك في دورة الألعاب الأولمبية، ووقتها ودع المنافسات بعد هزيمته أمام إيطاليا 2-1 في الدور الأول، مثل حامل اللقب آخر مرتين المنتخب البريطاني، الذي صدم جماهيره بعد سقوطه أمام النرويج 3-1، وفي نهاية المطاف ظفر المنتخب البلجيكي بالميدالية الذهبية، بعد فوزه على منتخب تشيكوسلوفاكيا، الذي انسحب لاعبوه من المباراة النهائية، احتجاجا على ما وُصفت بإهانات من الحكم البالغ 65 عاما جون لويس ومساعديه، ما تسبب في حصول إسبانيا على الميدالية الفضية والبرونز لهولندا.
القمة والفجوة
كما أشرنا أعلاه في العنوان، توسعت المسابقة الكروية الأولمبية أكثر من أي وقت مضى في مثل هذه الأيام قبل قرن من الزمن، لدرجة أن اللجنة الأولمبية حاولت استغلال ارتفاع شعبية اللعبة في الدورة الأولمبية، برفع عدد المشاركين لـ24 منتخبا، كان منهم الضيف اللاتيني الجديد منتخب أوروغواي، الذي فاجأ الجميع بعروضه الهوليوودية بقيادة بيدرو بيتروني، وهو بعمر 18 عاما، إلى أن انتزع المنتخب اللاتيني الذهبي الأولمبي للمرة الأولى في تاريخ قارة أمريكا الجنوبية، بعد نجاح نجومه في تسجيل ما مجموعه 20 هدفا مقابل استقبال اثنين فقط على مدار المسابقة، منها 7 أهداف لبيتروني، الذي يظل إلى الآن أصغر هداف أولمبي برصيد سبعة أهداف في نسخة واحدة، ووصلت البطولة الأولمبية إلى قمة الهرم في نسخة 1928، التي كانت شاهدة على صعود القوة اللاتينية أمام العنفوان البريطاني والأوروبي، وتجلى ذلك في وصول أوروغواي والأرجنتين إلى المباراة النهائية، التي انتهت في البداية بهدف في كل شبكة، ثم في الإعادة التي أقيمت بعد 3 أيام، نجح حامل اللقب في الاحتفاظ بالذهب الأولمبي للمرة الثانية على التوالي، ما شجع المسؤولين على استضافة النسخة الأولى لكأس العالم بعد عامين من تلك اللحظة، وبعد أن تحولت الفكرة إلى حقيقة في 1930، وما تبعها من نجاح واتساع في الفجوة على مستوى المتابعة بين كأس العالم والمسابقة الكروية الأولمبية، لا سيما بعد قرار اللجنة الأولمبية بإلزام المنتخبات بالمشاركة بلاعبين هواة منذ أواخر العشرينات وحتى منتصف الثمانينات، ذاك القرار الذي خدم مصالح دول أوروبا الشرقية، التي كانت تحتفظ ببعض المواهب بوضعهم كهواة، لكن في واقع الأمر، كانوا محترفين وأساطير بأتم معنى الكلمة، والحديث مثلا على جيل المجر المخيف في الخمسينات، بقيادة فيرينك بوشكاش وساندور كوتشيش، اللذين قادهما أداؤهما المبهر في النهاية إلى الانتقال إلى ريال مدريد وبرشلونة على التوالي.
لكن قبل خطوة الانتقال إلى اللوس بلانكوس والبلوغرانا وكتابة المجد في معارك الكلاسيكو الأكثر شعبية على هذا الكوكب، نجح هذا الجيل الذهبي في الحفاظ على سجله خالياً من الهزائم في 31 مباراة على التوالي بين عامي 1950 و1954، ومنها الحملة الأولمبية الشهيرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1952، التي بدأها المنتخب المجري بانتصار اقتصادي على رومانيا في الدور الأول 2-1، ثم بقهر إيطاليا بقيادة الأيقونة جوزيبي مياتزا بثلاثية بلا هوادة، قبل أن يأتي الدور على تركيا، لتتجرع من مرارة الهزيمة من بوشكاش ورفاقه الأساطير بسباعية مقابل هدف، وتبعهم حامل اللقب آنذاك المنتخب السويدي بسقوط مدو، بسداسية نظيفة في نصف النهائي، وفي الأخير تغلبوا على يوغوسلافيا بقيادة هداف البطولة برانكو زيبيك، بثنائية بوشكاش وزولتان تشيبور، وكانت الميدالية الذهبية السادسة عشرة للمجر في الأولمبياد. وفي النسخة التالية، تقمص الأسطورة ليف ياشين، دور البطولة المطلقة في حصول منتخب الاتحاد السوفيتي على الذهب الكروي الأولمبي الكروي، بعدما استقبلت شباكه هدفا وحيدا طوال المسابقة الأولمبية، التي ختمها المنتخب السوفيتي بالفوز على يوغوسلافيا بهدف نظيف. وفي حقبة السبعينات، تواجد أسطورة ألمانيا الشرقية هانز يورغن دورنر، في التشكيلة التي فازت بالذهب الأولمبي في مونتريال عام 1976، وقبله بأربع سنوات، فاز فلودزيميرز لوبانسكي مع بولندا بالميدالية الذهبية في نسخة ميونيخ 1972، ومعه في نفس التشكيلة كازيميرز ديِنا، الذي ساهم في حصول المنتخب البولندي على المركز الثالث في كأس العالم 1974. وبعد تعديل نظام المسابقة، بالسماح لبعض الدوليين بالمشاركة في الأولمبياد، ظهر أشهر حارس بديل في تاريخ فرنسا ألبير روست، في كل مباريات الفريق في أولمبياد 1984، بعد جلوسه على مقاعد الاحتياط في بطولة أمم أوروبا التي أقيمت في نفس العام، ليقود المنتخب الأولمبي في النهاية للفوز بالذهب الأولمبي في قلب لوس أنجليس، برفقة الجزائري الأصل والمولد ويليام عياش، ومع ذلك ظلت تعديلات حقبة الثمانيات وما قبلها، غير مطابقة لمشاركة النجوم الأكثر شهرة سواء في أوروبا الغربية أو أمريكا الجنوبية، والدليل قائمة الأساطير التي لم تحصل على فرصة اللعب في الحدث الأولمبي، وفي مقدمتهم ملك القرن الماضي بيليه، وكبير السحرة دييغو مارادونا، وأسماء أخرى بحجم يوهان كرويف وميشيل بلاتيني وبقية الأسماء اللامعة في السبعينات والثمانينات، وهو تسبب بشكل أو بآخر في استمرار اتساع الفجوة بين نسبة الإقبال على مشاهدة ومتابعة المسابقة الكروية للأولمبياد مقارنة بزخم كأس العالم واليورو.
العصر الذهبي
يمكن القول، إن عصر الأولمبياد الذهبي بدأ في التسعينات، بعد توصل اللجنة الأولمبية إلى اتفاقها التاريخي مع الفيفا، بالسماح بمشاركة المواهب المحترفة دون 23 عاما، بالإضافة إلى 3 لاعبين فوق السن القانونية، الأمر الذي قالوا عنه «انتشل المسابقة الكروية الأولمبية من براثن الضياع»، كونه ساهم في ارتفاع مستوى البطولة بطريقة فاقت كل التوقعات، تزامنا مع موضة توهج اللاعبين في أوروبا وأمريكا الجنوبية قبل الوصول لسن العشرين، وتجلى ذلك في مشاركة أسماء بوزن الظهير الأيمن الأساسي لبرشلونة ألبيرت فيرير، الذي تغلب في مايو/آيار من نفس العام على برشلونة في نهائي كأس الكؤوس الأوروبية، بالإضافة إلى نجم ريال مدريد الشهير آنذاك لويس إنريكي، بعد أقل من عام على مشاركته الدولية الأولى مع كبار لاروخا، وأيضا الفيلسوف بيب غوارديولا في بداية صعوده إلى العالمية في بداية مغامرته الاحترافية مع البارسا، وآخرين قادوا إسبانيا للفوز بالذهب الأولمبي بعد الانتصار الدرامي على بولندا 3-2 في نهائي 1992. أما النسخة الأجمل والأكثر مشاهدة على الإطلاق، فكانت في أتالانتا 1996، بمشاركة جيش من النجوم والأساطير، منهم على سبيل المثال لا الحصر، حامل لقب كأس العالم وصاحب أشهر لقطة احتفالية مع روماريو، القناص بيبيتو، والظاهرة رونالدو، مع بداية صعوده الأسطوري في ملاعب كرة القدم، ومن يُقال عنه أفضل ظهير أيسر في التاريخ الحديث روبرتو كارلوس، وعلى رأس الجهاز الفني الخبير ماريو زاغالو. وفي الأرجنتين حضرت أسماء من نوعية التشولو دييغو سيميوني، والمدافع التاريخي روبرتو أيالا، والمهاجم الميغا ستار هيرنان كريسبو، ومشروع خليفة مارادونا وقتها أرييل أورتيغا وآخرين سقطوا أمام الجيل الذهبي للمنتخب النيجيري بقيادة دانيال أموكاشي، وأفضل مراوغ أفريقي في كل العصور جي جي أوكوتشا، والأنيق نوانكو كانو، وصاحب القدم اليسرى الذهبية إيمانويل أمونيكي، وباقي الأسماء التي حققت الذهب الأولمبي للقارة السمراء للمرة الأولى في التاريخ.
واستمر الزخم الأفريقي والعالمي بالنظام الأولمبي الجديد في أول نسخة في الألفية التي نظمتها سيدني في صيف 2000، وحضر الأعجوبة رونالدينيو مع منتخب بلاده البرازيلي، بعد 3 سنوات من قيادة ناشئي السيلياو للفوز بكأس العالم للأشبال الأقل من 17 عاما مصر 1997، ومع إيطاليا شارك مايسترو الوسط أندريا بيرلو، فيما كان الاسم الأكثر شهرة آنذاك بين شباب النسخة الأولى لطفرة «البلاي ستيشن» أواخر التسعينات وبداية القرن الجديد، الكاميروني صاحب القدم اليسرى المدمرة باتريك مبومبا، الذي قاد منتخب بلاده الكاميروني للفوز بالذهب الأولمبي للمرة الثانية لقارة الماما أفريكا، ومنذ ذلك الحين، بدأ يتراجع الاهتمام الجماهيري والإعلامي بمسابقة كرة القدم الأولمبية، إلا في بعض الاستثناءات، على غرار مشاركة البرغوث ليونيل ميسي في الفوز بالذهب عام 2008، في وقت كانت فيه الأمة الأرجنتينية في أمس الحاجة للتتويج بأي لقب كروي لتجاوز ما تُعرف بسنوات العجاف، وبالمثل ضغطت البرازيل من أجل مشاركة نيمار في نسخة ريو 2016، للتخلص من هاجس الذهب الأولمبي، الذي ظل عصيا على ملوك كأس العالم إلى أن فعلها نيمار ومهاجم آرسنال حاليا غابرييل جيسوس في نفس العام، ثم بالاحتفاظ بالذهب للمرة الثانية على التوالي في نسخة طوكيو الصامتة 2020، التي تأجلت لصيف 2021 بسبب جائحة كورونا، أما غير ذلك، فيبدو واضحا، أن البطولة الأولمبية فقدت بالفعل بريقها وأهميتها بالنسبة لنجوم وأساطير اللعبة، وأغلب من خاض التجربة قبل أن يتخطى عامه الـ23 ولم يفز بالذهب الأولمبي، عادة لا يميل إلى خوض الفكرة مرة أخرى، مثل الملك المصري محمد صلاح، الذي شارك مع الفراعنة في نسخة لندن 2012، برفقة محمد أبوتريكة وعماد متعب وأحمد فتحي، الثلاثي الكبير، لكن بعد ذلك لم يبادر باللعب في آخر نسختين، رغم أنها كانت تحظى بشعبية جارفة بسبب الابتعاد الطويل عن المشاركة في كرة القدم الأولمبية. وأيضا كريستيانو رونالدو، لم يدرس حتى الفكرة بعد التتويج بيورو 2016، الذي تزامن مع أول مشاركة برتغالية في دورة الألعاب الأولمبية، منذ الظهور الأخير في وجود الدون عام 2004.
الأسباب الجوهرية
بعيدا عن عدم اعتراف عالم كرة القدم، بأن التتويج بالميدالية الذهبية في دورة الألعاب الأولمبية، لا يحتسب أو يعادل بطولة قارية، مثل نموذج ليونيل ميسي، الذي ظل يكافح لأكثر من 15 عاما مع منتخب بلاده الأول، للحصول على أول ألقابه الدولية، وكان في ليلة الانتصار المظفر على الغريم القاري البرازيلي في عقر داره قلعة «ماراكانا» بهدف المعتزل حديثا أنخيل دي ماريا، في نهائي كوبا أميريكا 2021، وتبعه بتحقيق حلم العمر، بمعانقة كأس العالم في نسخة قطر الاستثنائية عام 2022، وهذا الصيف أكمل الثلاثية بعد الفوز على كولومبيا في المباراة النهائية لكوبا أميريكا التجريبية لكأس العالم أمريكا 2026، وهناك أسباب أخرى تجعل النجوم والمشاهير يتسابقون في الهروب من اللعب في الأولمبياد، منها تعارض توقيت البطولة مع فترة الاستعداد للموسم الجديد، وبالنسبة للأغلبية الكاسحة في القارة العجوز، تأتي بالتزامن مع نهاية وقت الراحة والاستشفاء بعد المشاركة في اليورو، ناهيك عن قدرة اللاعبين على المستوى البدني والفني، بعد موسمهم الطويل مع أنديتهم الأوروبية، التي عادة ما تنهي الموسم بأكثر من 50 مباراة رسمية، بعد دخول الاتحادين الدولي والأوروبي في سباق مع الزمن، لابتكار واختراع المزيد والمزيد من البطولات الجديدة، بحثا عن مصادر جديدة للأرباح المليارديرية، على غرار البطولة الرسمية على الورق، الودية بالنسبة لأغلب المشجعين، دوري المؤتمر الأوروبي بالنسبة للأندية، وما يعادلها مع المنتخب وتعرف باسم دوري الأمم الأوروبية، وفي الصيف المقبل، سنكون على موعد مع النسخة الأولى لكأس العالم للأندية بثوبها الجديد، بمشاركة 24 فريقا من كل أرجاء العالم، نصفها أبطال أوروبا وأصحاب المركز الثاني في آخر 3 سنوات، وفي نفس السياق، سيقوم الاتحاد الأوروبي بإجراء تعديلات في نظام دور مجموعات أبطال أوروبا، لضمان مشاركة الأندية في عدد مباريات أكثر من التقليدي في مرحلة دور المجموعات في النظام المتبع في العقود الماضية.
وكل ما سبق، بعد أن تحولت لعبة الفقراء في الماضي إلى صناعة عالمية ممولة بمليارات الدولارات، وبالتبعية تحول النجم أو الأسطورة إلى «علامة تجارية» لا تتوقف عن جني الملايين يوميا سواء داخل الملعب أو من الحملات الإعلانية الخارجية، والحديث عن كيليان مبابي، الذي حاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إشراكه مع الأولمبي الفرنسي في أولمبياد باريس 2024، بضغوط من أعلى مستوى على الرئيس فلورنتينو بيريز، لكنها باءت بالفشل، لتسلح ريال مدريد بلوائح الفيفا، التي تعطي الحق للأندية بعدم الموافقة على إرسال اللاعبين إلى الأولمبياد، إذا كانت تتعارض مع أجندة مباريات واستعدادات الفريق الأول، وأيضا ردا على موقف الرئيس الفرنسي السابق، عندما تدخل في صيف 2022، لمنع الهداف التاريخي لباريس سان جيرمان من الانتقال إلى الريال الملكي بعد انتهاء عقده في «حديقة الأمراء»، وبوجه عام، بدأت الأندية الأوروبية الكبرى تتبنى فكرة الخوف من تعرض اللاعبين الكبار للإصابة في الأولمبياد، التي عادة ما تنتهي مع ضربة بداية الموسم الجديد في بلدان الدوريات الأوروبية الكبرى. وعلى سيرة الإصابات، لا يُخفى على أحد، أن معدل إصابات لاعبي كرة القدم، تضاعف أكثر من أي وقت مضى في السنوات الماضية، وبالأحرى بعد هذا الكم الهائل من البطولات الحديثة والكثافة المخيفة للمباريات على مستوى الأندية والمنتخبات، بما مجموعه مباراتين على أقل تقدير في الأسبوع الواحد منذ بداية الموسم في أغسطس/آب وحتى نهايته منتصف يوليو/تموز في سنوات البطولات المجمعة الكبرى، والأهم على الإطلاق، اهتمام الكثير من البلدان والشعوب بغيرها من الألعاب الفردية، التي يُنظر إليها على أنها ألعاب معبرة عن فكرة الأولمبياد، أبرزها ألعاب القوى في الولايات المتحدة وشرق أوروبا، والجمباز والغطس وتنس الطاولة في شرق آسيا وهكذا، وبالطبع مشاهير ونجوم كرة القدم على دراية كاملة، أن لعبتهم الأولى الأكثر شعبية على وجه الأرض، لا تحظى بنفس اهتمام ومتابعة باقي الألعاب الفردية الأخرى في الأولمبياد. والآن جاء دورك عزيزي القارئ لتشاركنا الرأي حول أسباب تراجع اهتمام كبار نجوم كرة القدم بدورة الألعاب الأولمبية.