لندن – «القدس العربي»: شهدت لندن إقامة المهرجان الدولي لأفلام «الحرية لفلسطين»، حيث لاقى إقبالا كبيرا من مختلف شرائح المجتمع في بريطانيا والمقيمين فيها.
عند مدخل «سينما جينيس» في العاصمة كانت تتجمهر حشود في حلقات دائرية في انتظار انطلاق العروض السينمائية، وهم يتبادلون أطراف الحديث، وقد اعتمر الكثير منهم الكوفية الفلسطينية، ويرحب بهم بحفاوة كبيرة مسؤول المهرجان الممثل معتز ملحيس، وهو الذي ولد وترعرع في جنين، وداخل بهو السينما المؤدي إلى صالة العرض. وقف متطوعون للترحيب أيضا بالوافدين، يستعرضون أمامهم بعض أنواع اللباس التقليدي الفلسطيني، الذي خاطته أيادي نساء فلسطينيات لاجئات في مخيم البقعة الفلسطيني في الأردن.
ويقوم أخرون بعرض كتب ومنشورات تتحدث عن تاريخ فلسطين وعذاباتها تحت الاحتلال الإسرائيلي.
يتواصل تقاطر الوافدين، ومن بينهم وفد يهودي من حركة «ناطوري كارتا» الدولية، التي ترفع شعارا رسميا يفصل ما بين الدين اليهودي والحركة الصهيونية، حيث يقول: «يهود متحدون ضد الصهيونية»، ثم يدخلون القاعة للمشاركة في نقاشات إلى جانب عدد من المتخصصين في مجالات فكرية وثقافية، تؤكد «على رفض الاحتلال وتدعو إلى وقف جرائم الإبادة الجماعية في قطاع غزة» كما يجمع عليه المشاركون.
يعم الصمت العميق داخل قاعة العرض مع بدء الفيلم الوثائقي «من أين تبدأ الصورة» للمخرج يوسف منسي من مصر، فيستعرض صورا شخصية بالأبيض والأسود، تحكي قصص نساء ورجال وأطفال منذ زمن النكبة، وكُتب على صورة لطفلة باكية تحمل صورة أبيها الشهيد: «خلال حرب فلسطين 1947 – 1949».
ثم يستعرض الفيلم حالة التفتيت التي اتبعها الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني وهو ما تختصره صورة لعائلة كُتب عليها: «لم يعد الفلسطينيون مجرد فلسطينيين، بل أصبحوا: فلسطينيين إسرائيليين، فلسطينيي الأونروا، فلسطينيي الضفة الغربية أو فلسطينيي غزة، بالإضافة على الشتات الفلسطيني الأوسع الذين تمكنوا من الحصول على الإقامة خارج فلسطين وخيمات اللاجئين».
وتستذكر الصور بعض الأحداث الأليمة فتعرض أمهات يندبن شابا مضرجا بدمه مع عبارة: «قامت عناصر من منظمتي «الأرغون» و»شتيرن» بشن هجوم على «دير ياسين» قرابة الثالثة فجرا، وفتحت الأعيرة النارية على القرويين، دون تمييز بين رجل أو طفل أو امرأة…».
المخرجة وفاء جميل: الحضور كبير

وتنوعت الأفلام وتفاوتت قصصها، بهدف الإحاطة بالمشهدية الفلسطينية من جوانب عدة، كما أراد لها المنظمون.
المخرجة الفلسطينية وعضو هيئة التحكيم القادمة من السويد وفاء جميل قالت لـ»القدس العربي» عن تقييمها للمهرجان: «إن المهرجان تحول إلى ظاهرة سينمائية رائعة، ففي حفل الافتتاح كانت القاعة التي تضم 500 كرسي مليئة بشكل شبه تام، والكثير من الأفلام كانت قوية حتى وجدت اللجنة صعوبة في اختيار الأفضل منها، خلال المنافسة على الجائزة الأولى، التي نالها في النهاية فيلم «برتقالة من يافا» عن فئة دراما الأفلام القصيرة.
وفاز في فئة الأفلام الوثائقية فيلم «قلوب صغيرة»، حيث كانت فكرته جميلة، فهو يحكي الواقع من وجهة نظر الأطفال ورؤيتهم للأحداث في غزة، حيث يطالبون بوقف الحرب والإبادة الجماعية، وأن يشعروا بالأمان وأن يعودوا لساحات اللعب وشراء ما يريدون كما باقي أطفال العالم، وهذا الفيلم خاض منافسة شديدة مع فيلم «الذاكرة المتبقية» وفيلم «الصورة»، الذي كانت مدته دقيقة واحدة استطاع خلالها إيصال رسالته البليغة بشأن ما يجري في قطاع غزة».
وعن خاصية الأفلام القصيرة ترى وفاء جميل أنها تناسب عصر السرعة في زماننا، وهي أسهل لتركيز الرسالة في فترة قصيرة، مع كلفة إنتاجية أقل بكثير، وتتيح الفرصة لظهور مزيد من الطاقات الشابة، وأنا كمديرة مهرجان (في السويد) أرى أن الأفلام القصيرة تساهم في إتاحة الفرصة لعدد أكبر من الأفلام الأخرى للمشاركة في المهرجان وإيصال رسالتها».
وتحدثت المخرجة والمنتجة عن تعاون قائم بين مهرجان الفيلم الفلسطيني في السويد وهذا المهرجان في بريطانيا، وتوضح أن مهرجان السويد يشارك فيه مخرجون ومنتجون من الدول الاسكندنافية زاروا فلسطين بأنفسهم وأنتجوا أفلاما عنها، إضافة إلى مخرجين ومنتجين فلسطينيين، سواء كانوا مغتربين أو يعيشون داخل فلسطين، وأن ذلك المهرجان يقام في خمس مدن سويدية من الشمال إلى الجنوب، وسيتم استئناف نشاطاتنا في 17 الشهر الحالي بعد وقفة للعطلة الصيفية.
الممثل معتز ملحيس: رسالة غزة وصلت

وفي حديثه لـ«القدس العربي» يوضح مسؤول المهرجان في لندن – الممثل الفلسطيني معتز ملحيس قائلا: إن أهم شيء قدمناه هو أننا حكينا القصة الفلسطينية من وجهة نظرنا كفلسطينيين عبر مختلف القصص وليس فقط من خلال الأخبار الكبرى، التي يشاهدها العالم عبر شاشات التلفزة، فلقد حاولت أن أنتقل بالناس عبر هذه الأفلام إلى حاراتنا وشوارعنا وبيوتنا وحتى على قصصنا الشخصية حتى يدركوا مدى بشاعة ما نعيشه من جرائم الاحتلال، وأنه آن الأوان لتتوقف تلك الجرائم».
وأضاف: «نحن نقول للناس تعالوا وشاهدوا ماذا يجري في فلسطين، لأن (نشرات) الأخبار قد تكون غير كافية، ينبغي الاطلاع على القصص الشخصية في حياة الفلسطينيين».
ويؤكد أن الإقبال كان كبيرا جدا ولم يقتصر على العرب، بل شمل أيضا أوروبيين وشرقيين وغربيين وهذا أمر رائع جدا، وكذلك كان مميزا حضور المتطوعين الذين بلغ عددهم 15 شخصا وعملوا معنا بكل محبة من أعماق قلوبهم، وهذا الاقبال الكبير غير المتوقع كان دافعا إضافيا لتمكيننا من إيصال قصة فلسطين عبر هذا المهرجان، وهذا أقل الواجب الذين يمكن أن نقدمه لأهلنا في فلسطين».
سألنا معتز عن أبرز الأفلام فأشار إلى فيلم الافتتاح، الذي حمل اسم: «عندما يبكي شجر الزيتون»، وهو عمل أنتجته الفتاة الفلسطينية أشيرة درويش، بعدما عاشت بنفسها ظروف الاعتقال، وهي من أهالي القدس. كذلك كان هناك فيلم «برتقالة من يافا» للمخرج الغزاوي محمد المغنّي، ومن المتوقع أن يصبح في المستقبل من أفضل المخرجين في الشرق الأوسط.
كذلك لاقى فيلم «زوو» وفيلم «اكونومي هوستيج» صدى كبيرا بين المشاهدين، إلى جانب أفلام أخرى تحدث كل منها عن زاوية من الحياة في فلسطين، وبلغت في مجموعها أكثر من عشرين فيلما»، موضحا أن جميع الأفلام هي عن فلسطين، وتم انتاجها من الداخل والخارج، فنحن نريد أن ننقل معاناة شعبنا، لأنه من الصعب على الإنسان أن يقف دون أن يفعل شيئا تجاه الأطفال والنساء والشباب الذين يتم قتلهم يوميا من جانب قوات الاحتلال التي تمارس القتل والاغتصاب والقمع وكل أنواع الأعمال القمعية، فمن بين كل عشرة أشخاص اليوم في غزة هناك شخص مقتول، وهذا رقم خيالي، ونحن الفلسطينيون نعلم أن عدد الشهداء والجرحى بلغ قرابة 180 ألف مواطن بأبشع الطرق في غزة».
وعن أمنيته للمستقبل يقول، بعدما اغرورقت عيناه بالدمع: «أتمنى أنه عندما يصبح لدي أولاد أن أخبرهم يوما أنني فعلت شيئا للمساهمة في وقف هذه الإبادة وهذا الإجرام، الذي يمارسه الاحتلال بحق الفلسطينيين».
المنتج محمد المجدلاوي: رسالة الأمل
عضو لجنة التحكيم في المهرجان المنتج محمد المجدلاوي رأى «أن ما يتميز به هذا المهرجان هو التنوع في الأفلام التي أنتجها فلسطينيون يعيشون في دول الشتات، وليس فقط من داخل فلسطين التاريخية، وخاصة الضفة وغزة، مشيرا الى أن الأفلام عرضت جوانب من الصراع الذي يعيشه الإنسان الفلسطيني في داخله وهو يعيش خارج فلسطين، وأيضا ما يواجهه من تحديات، وخاصة بالنسبة للأكاديميين من أصل فلسطيني واتهامهم بمعاداة السامية عند الحديث لطلابهم عن الاحتلال الإسرائيلي».
وأوضح المجدلاوي المقيم في السويد :»أن بعض الأفلام تناولت صعوبات الحياة اليومية للفلسطيني تحت الاحتلال، كما هو حال فيلم «برتقالة من يافا»، الذي يعرض تجربة شخصية لمواطن فلسطيني من غزة، لكنه يعيش في الضفة الغربية المحتلة ثم يسافر للدراسة في أوروبا، وهناك كثير من التعقيدات والمعاناة التي تظهر في الفيلم، ويبرع في الحديث عن الوطن وإظهار تفاصيل النضال الذي يقوم به الفلسطيني عند عبوره الحواجز(الإسرائيلية)، ورمزية البرتقال لـ»يافا»، حيث يأخذنا إلى فلسطين التي لم نرها نحن الفلسطينيون اللاجئون من قبل كما هو حالي».
وعن تجربته الشخصية في انتاج الأفلام يوضح: «أنا أعيش في السويد لكن عائلتي موجودة في غزة، واقوم حاليا بالعمل على انتاج فيلم بعنوان «غزة: لا تنسونا»، استعرض فيه حياتي وحياة عائلتي، حيث أعيش أنا بسلام وأمان ظاهري في السويد، لكنني أشعر بالعجز الباطني تجاه عائلتي في غزة، حيث فقدت أكثر من ستين فردا من أبناء عمومتي». ويختم أنه رغم ذلك فإننا «ننتج أفلاما عن الغناء التراثي والدبكة الشعبية الفلسطينية والأمل».