الاغتصاب الجماعي في زمن الحرب: جريمة حرب لا تمحى آثارها مع مرور الزمن

أعلنت الأمم المتحدة الاثنين الماضي أن 214 فتاة من مجموع 234 تم إنقاذهن من جماعة بوكو حرام، وبعد فحص الأطباء تبين أن جميع هؤلاء الفتيات حوامل. وكانت الجماعة قد اختطفت 276 فتاة بين سن 12 و17 من منطقة شمال شرق نيجيريا في أبريل 2014، وأعلنت أنها ستستعمل الفتيات للترفيه عن عناصرها، وتبيع الفائض كسبايا حرب.
هذه الجريمة الجماعية تسلط الأضواء على سلاح الاغتصاب الحاد والموجع، الذي تستخدمه الجماعات الإرهابية والمليشيات والقوات المسلحة خلال الصراعات، أو الحروب الأهلية، أو أثناء احتلال أرض الخصوم بهدف تدميرالعدو جسميا ومعنويا وإذلاله وإجباره على الهرب والإذعان المهين، وصولا إلى الاستسلام النهائي. ويدخل تحت مصطلح الاغتصاب، أيام الصراعات المسلحة، العديد من التفرعات مثل الاستعباد الجنسي والإجبار على ممارسة البغاء والحمل القسري، وتعمد نقل الأمراض المعدية عن طريق الجنس، وتجنيد النساء للمتعة، كما فعلت اليابان في النساء الكوريات أثناء الحرب العالمية الثانية، وكما تفعل بوكو حرام وتنظيم الدولة هذه الأيام. وفي تقرير للأمين العام لمجلس الأمن حول الموضوع قال إن العنف الجنسي أصبح «ظاهرة متكررة» في الصراعات المسلحة. وقال إن هذا السلاح المدمر قد استخدم في 21 صراعا مسلحا، من بينها البوسنة والصومال ورواندا وكمبوديا وكولومبيا وغينيا وليبيريا وسيراليون وميانمار وليبيا وسوريا والصومال والسودان وأفغانستان.

الاغتصاب سلاح قديم جديد

دخل مصطلح الاغتصاب في زمن الصراعات المسلحة بشكل واسع أيام الحرب العالمية الثانية، حيث مارسته القوات الألمانية واليابانية ضد الشعوب المقهورة. لكن ممارسة الاغتصاب والسبي معروفة على مدى التاريخ. فقد كانت الغزوات والحروب في ما مضى لا تنضبط لأي قاعدة أخلاقية أو قانونية. وقد عرف العرب قبل الإسلام نهب النساء في القبيلة المهزومة وأخذهن سبايا يوزعن على المنتصرين. جاء الإسلام لينظم قواعد الاشتباك، فمنع إلحاق الأذى في غير المحاربين من نساء وأطفال وشيوخ، ومنع هدم الأديرة والكنائس والمعابد والتماثيل والأبراج والآثار الحضارية. إلا أن ممارسة أخذ السبايا عادت من جديد أثناء الفتوحات الإسلامية، فانتشرت ظاهرة الإماء والغانيات والسبايا والجواري، خاصة أيام الدولة العباسية وحروب الأندلس.
في العصر الحديث لم تكن ظاهرة الاغتصاب تصنف جريمة حرب، فمحكمة «نورنبيرغ» لم توجه تهمة الاغتصاب للمعتقلين، رغم وجود شهود عيان أثبتوا ارتكاب الاغتصاب الجماعي من قبل النازيين. ومحاكمات طوكيو لم تدن الضباط الذي ارتكبوا مجزرة «نانجينغ» بالصين (1937) التي سميت «اغتصاب نانجينغ» حيث مورس الاغتصاب والقتل بطريقة مروعة لمدة ستة أسابيع متواصلة، خلف الغزاة وراءهم نحو ربع مليون قتيل.
ذكر الاغتصاب والاستعباد الجنسي في اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. كما أن المحكمة الجنائية الخاصة لمحاكمة مجرمي الحرب في البوسنة ومثيلتها في رواندا، اعتبرتا أن جريمة الاغتصاب تقع أيضا ضمن جريمة الإبادة الجماعية. في عام 1998 أقر في روما النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي دخل حيز التنفيذ عام 2002، والذي نص على أن جريمة الاغتصاب وأشكال العنف الجنسي الأخرى زمن الصراعات المسلحة، تشكل جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية وجريمة إبادة جماعية. وبهذا الإقرار سدت كافة المنافذ التي كانت تعتبر الاغتصاب حالة فردية يحاكم عليها من يرتكبها فقط.

ممارسة الاغتصاب: من البوسنة إلى الجزائر

جميع الحروب الأهلية التي انطلق عقالها بدون رادع بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 استخدمت الاغتصاب الجماعي بشكل أو بآخر. ففي رواندا اغتصب ما لا يقل عن 250000 امرأة في حرب الإبادة عام 1994 وفي سيراليون نحو 60000 امرأة وليبيريا نحو 40000 امرأة وفي الكونغو نحو 200000 امرأة. لقد استخدم الصرب هذا السلاح الفتاك وفي ذهنهم عملية انتقام تاريخية لممارسات العثمانيين الذين كانوا يأخذون الصغار عنوة لتربيتهم وضمهم للجيش الانكشاري. من جهة أخرى كان الصرب يسعون إلى كسر كرامة المسلمين وتفريغ البلاد منهم لعلمهم أن مسألة الشرف حساسة جدا لديهم، حيث اضطر مئات الألوف إلى هجرة مدنهم وقراهم مع انتشار أخبار الاغتصاب. لقد مارس الصرب اغتصاب المسلمات على طريقة الانتقام التاريخي حيث كانوا يحشرون النساء في فيلل كبيرة موزعة بين الأحياء يتناوب العساكر على اغتصابهن مرارا كي يحملن عنوة ويلدن ثم يؤخذ الأولاد منهن، كما كان يفعل العثمانيون في السابق بدون اغتصاب.
كما نلاحظ أن الاغتصاب الجماعي في البوسنة استند إلى مبررات تاريخية وأيديولوجية ودينية. لكن هذه المبررات تتهاوى مع حالات الاغتصاب الجماعي الذي مارستة العناصر المتطرفة في الجزائر أثناء العشرية السوداء، كما يطلق عليها الجزائريون بين عامي 1991 و2000. لقد انتشر الاغتصاب الجماعي والقتل والتمثيل بالضحايا، خاصة في الأرياف. فكيف برر هؤلاء حالات الاغتصاب، في الوقت الذي تنتمي فيه المغتصبات للعقيدة نفسها والمذهب نفسه والوطن نفسه واللغة نفسها والعادات والتقاليد نفسهما. كيف لمن يثور على الظلم والفساد واغتصاب نتائج الانتخابات يبرر لنفسه اغتصاب الضلع الأكثر هشاشة في المجتمع؟ فبعد أن عجز المتطرفون عن كسر شوكة الجيش والنظام، رأوا أن أسهل طريقة هي تخوين المجتمع برمته، واعتباره كافرا لأنه يقبل بحكم من يرون أنه كافر. فالمجتمع الكافر، في رأيهم، حلال فيه قتل الرجال واغتصاب النساء أو ذبحهن وحرق القرى ووسائل النقل وقتل الكتاب والصحافيين والمغنين، وكل امرأة كانت تسير في الشارع وحدها بدون حجاب. لقد تحولت عقدة الدونية والانهزام الداخلي إلى ممارسة أبشع أنواع البطش والقهر والإذلال للضحايا كنوع من التعويض عن التراجع في الميدان بانتظار الهزيمة النهائية. في هذه الحالة لا بأس أن يتم الانتصار المؤقت على المرأة كونها الحلقة الأضعف في منظومة المجتمع الرافض للتكفيريين.
بعد اندحار تلك الجماعات تعاملت السلطات الجزائرية مع جميع النساء المغتصبات اللواتي اعترفن بالجريمة وعددهن نحو عشرة آلاف امرأة، بطريقة حضارية، حيث اعتبرن من ضحايا الإرهاب مثلهن مثل الجنود ورجال الأمن، الذين قضوا في المواجهات وتم صرف تعويضات مالية لهن ورتبت لهن امتيازات ومنح ولم تشترط السلطات إبراز شهادة طبيب تثبت الاغتصاب بسبب حساسية الموضوع.

ومن الجنجويد إلى «داعش»

عن الجنجويد وشرههم في عمليات الاغتصاب الجماعي في دارفور، حدث ولا حرج. لقد أنشا نظام عمر البشير هذه الجماعات المنفلتة من كل قانون لخدمة أهدافه بالتصدي لجيش تحرير السودان في دارفور منذ عام 2003. ويقدر عدد من أبادتهم هذه الميليشيات الدموية بأكثر من 200000. لقد أوصلت ممارسات الجنجويد في دارفور نظام البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية، حيث وجهت له ولـ51 آخرين تهما بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وجريمة الإبادة البشرية، من بينها عمليات الاغتصاب الجماعي التي مارستها هذه الميليشيات الدموية. يقول تقرير أعدته «منظمة اللاجئون الدولية»، إن اغتصاب نساء دارفور ليس حوادث متفرقة، بل عمليات منظمة مرتبطة عضويا بعملية تدمير المجتمعات المحلية». والغريب أن السلطات السودانية أعملت قانون الشهود الأربعة لإثبات الاغتصاب. فإذا قامت امرأة بتقديم شكوى ضد مغتصبيها فعليها أن تحضر شهودا أربعة، وإلا يتم جلدها علنا بتهمة القذف، وإذا كانت متزوجة فيعتبر ذلك اعترافا بممارسة الجنس خارج إطار الزواج وجزاؤها القتل بالرجم.
أما في الصراع السوري فقد استخدم سلاح الاغتصاب من قبل جميع الأطراف المتصارعة. فقد تم توثيق آلاف الحالات التي تعرضت فيها النساء للاغتصاب من رجال أمن النظام والميليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية. وقد أعلنت زينب حواء بانغورا، الممثلة الخاصة للأمين العام لمسألة العنف الجنسي، أن الاغتصاب في سوريا أصبح قوة تدفع السوريين إلى النـزوح خوفا من الاغتصاب. وقالت في مؤتمر صحافي «إن االجرائم القائمة على الجنس تمارس من جانبي الصراع، لكن اللوم الأكبر يقع على عاتق الحكومة السورية التي لم تتمكن من توفير الأمن اللازم لمواطنيها». لكن الصورة الأبشع لاستخدام الاغتصاب وسيلة قهر وتحطيم للآخرين جاءت على يد «تنظيم الدولة الإسلامية» الذي سيطر على مساحات واسعة من سوريا والعراق. وقد أصدرت لجنة التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، التي يرأسها البرازيلي باولو بنيرو تقريرا في نوفمبر 2014 بعنوان «الحياة تحت داعش» يثير القشعريرة في البدن عند متابعة أقوال أكثر من 300 شهادة لضحايا التنظيم، تمكنوا من الفرار من المنطقة. لقد اتبع التنظيم سياسة التطهير العرقي حقيقة، خاصة ضد الأقليات العرقية والدينية كالشيعة والعلويين والأكراد والإيزيديين والمسيحيين والآشوريين. لقد استخدم سلاح الاغتصاب والسبي بطريقة بشعة لإبادة أقليات بشكل كامل. فقد تقاسم الجنود النساء الإيزيديات وباعوا بعضهن بالمزاد. «لقد أجبروا فتيات صغيرات في سن 13 سنة على الزواج من مقاتلي التنظيم. وقام التنظيم بانتهاك نساء وفتيات الإيزيديين حيث نقل بعضهن من العراق إلى سوريا للبيع في أسواق محافظة الرقة كسبايا حرب»، يقول التقرير.
هذا هو حال الأمة في بدايات القرن الواحد والعشرين، فبدل البناء والتنمية وتحديث المناهج تدخل مكونات الشعب الواحد في حروب أهلية تستخدم كل ما في جعبتها من وسائل التدمير والفتك في الخصم الذي هو أصلا ابن أو أخ أو جار ولا ذنب لهؤلاء الأبرياء إلا أنهم هتفوا بطريقة سلمية يوما ضد الطغاة «الشعب يريد إسقاط النظام».

٭ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

د. عبد الحميد صيام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية