يحيى السنوار والطريق إلى حرب السنوات الخمس

وسام سعادة
حجم الخط
0

تواجه «حماس» حرباً استئصالية عليها، إسرائيلية وأمريكية و«عربية» مدمجة مع حرب على السكان، ذات منحى إباديّ في قطاع غزة، وإضطهاديّ محموم في مناطق من الضفة الغربية. حتى الآن لم تفلح المساعي الهادفة إلى وقف الحربين، الاستئصالية والإبادية، ولا حتى إلى تمييز الواحدة عن الأخرى.
تتكامل الحرب على حماس مع سعي دؤوب لتصفية قياداتها في الداخل والخارج، مع سعي مماثل لإظهار أن الإجماع الغربيّ في هذا المجال لن يتزحزح، وهو المظلة لحرب إسرائيل. هو الإجماع الذي تركّب بعد 7 أكتوبر بأن «حماس» هي ثالث ثلاثة من بعد «القاعدة» و«داعش» ولن يُسمح لها لا بالعودة إلى حكم القطاع ولا حتى بالمشاركة في حكمه. اليمين الحاكم في إسرائيل يسعى في الوقت نفسه لتشكيل إجماع غربي «ضمنيّ» بالتسليم بأنّ دولة فلسطينية باتت فكرة تجاوزها الدهر، وأن لا نقاش بعد اليوم عن حل سياسي للمسألة الفلسطينية، وإنما عن بلديات لبلدات فلسطينية فقط لا غير. توطيد إجماع كهذا ليس بالأمر السهل. لكن الأمر جار على قدم وساق. بعض المتعلقين بحل الدولتين، الفلسطينية في جوار إسرائيل، يلقي باللائمة هنا على أنصار شعار «من النهر إلى البحر»، ذي المنزع التفكيكي لدولة إسرائيل. لكن، ما الذي تنتظره من جيل اكتشف مطولاً رفض إسرائيل بأية حيلة، وبأي حكومة، لفكرة الدولة الفلسطينية. يبقى أن لا شعار الدولة الواحدة ولا شعار الدولتين في قيد المتناول ضمن المعطيات القائمة، ولأمد غير منظور. لماذا تتواصل الحرب إذاً؟ حرب وجودية؟ لمن؟ لحماس أو للفلسطينيين ككل؟ لليمين الإسرائيلي أو للإسرائيليين ككل أو لليهود بشكل عام أيضاً؟

النهج الاستئصالي ضد الحركة سيستمر

هناك من يتسرّع منذ اليوم الأول لبدء الحرب الإسرائيلية ردّاً على هجمات 7 أكتوبر لانتزاع الاعتراف منك بأن «حماس انتهت» وهناك من يحاول أن يطمئن نفسه ومن حوله بأن «حماس عصية» على كل استئصال وإبادة.
لكن الحرب تستعد لإتمام عامها الأول وقد تحتاج إلى عام آخر كامل. النهج الاستئصالي ضد الحركة سيستمرّ، أيّاً كان الحاكم في إسرائيل أو في أمريكا. و«حماس» حيال هذا في حرب وجود، وجوابها على اغتيال رئيس مكتبها السياسي ورئيس الحكومة السابق في السلطة الفلسطينية اسماعيل هنية بتولية يحيى السنوار، يعني بأنّها قرّرت خوض حرب الوجود هذه لأطول مرحلة ممكنة. يبقى أن العلاقة بين الحرب الاستئصالية على حماس وبين الحرب ذات المنحى الإبادي لسكان القطاع ليست سهلة.
فحماس تخوض حرب غوار في بقعة جغرافية ذات كثافة ديموغرافية عالية، بنتيجة أن غزة منذ حرب 1948 هي محتشد لاجئين وأبناء لاجئين.
ولا مجال لمعظم سكان القطاع في ظل هذه الحرب المسعورة لمغادرته. لا إلى داخل أراضي 48 ولا إلى مصر. والحملات العسكرية التدميرية الإسرائيلية تحملهم إلى الانتقال من منطقة إلى أخرى ضمن هذا المنحسر الترابي، من دون أن تكون أي منطقة خارج دائرة الاستهداف.
يحاول منذ عشرة أشهر الإسرائيليون الجمع بين فكرتين دعائيتين في هذا الصدد، يفترض أن بينهما تناقض. الأولى بأن حماس تتخذ من السكان رهائن لديها. والثانية بأن السكان يتحملون قسطاً كبيراً من المسؤولية بما أنهم قاعدة آمنة لحماس.
أما التناقض من الجانب الفلسطيني فهو بين لزوميات مواجهة حرب الاستئصال على حماس، وبين لزوميات مواجهة حرب الإبادة ضد سكان قطاع غزة.
لئن كان المستقوون بجرائم إسرائيل يسعون جهدهم ليل نهار للقول أنه لإيقاف الإبادة ضد السكان لا مناص من إبادة حماس، ولئن كان المدمنون على خطابية الممانعة لا ينفكون يرددون بأن مصير السكان وحماس واحد، فواقع الحال أكثر تعقيداً. لن تقبل إسرائيل بالاكتفاء باستئصال «حماس» ثم السماح لسكان القطاع بتعويض الفجوة الديموغرافية بعد عدة سنين. هذه حرب ديموغرافية حتى النخاع، وليس فيها من الجانب الفلسطيني، يفترض، مطلقات مسبقة.
الأولوية لوقف عملية الإبادة لسكان القطاع. إنما لا يمكن التحديد بشكل مسبق لكيفية وصل هذه الأولوية مع مترتبات حرب الوجود التي تخوضها «حماس».
وكانت «حماس» من سعى إلى فرض منطق حرب الوجود هذه، عندما جرى شن هجمات 7 أكتوبر؟ هذه الهجمات قدمت نفسها على أنها مبادرة إلى الهجوم الواسع، إلى «التحرير» وليس فقط كسر الحصار عن قطاع غزة.
بعدها بأيام قليلة تم الانتقال من خطاب «الهجوم» إلى الدفاعية التي بات أعلى سقف لها وقف الحرب، وتحديد معيار الفوز والخسارة بأنه مرتبط بتمكن إسرائيل من القضاء على حركة حماس في القطاع أو لا.
وفقاً لهكذا سردية ستكون إسرائيل إذاك تزعزعت أركانها مرتين، الأولى وقت هجمات 7 أكتوبر، والثانية يوم تصحو على اليوم التالي لحرب الإبادة وتكتشف بأنها لم تتمكن من القضاء على حركة «حماس». نقد هذه السردية ضروري من ألفها إلى يائها. لكنها السردية التي تحكم «حماس» اليوم أكثر من أي وقت مضى، وبالتالي هي سردية قتالية تسوّغ الاستعداد الحمساوي لحرب قد تدوم خمس سنوات.
المفارقة هنا أن «حماس» باتت الطرف الذي يراهن على استطالة الحرب في الزمن أكثر فأكثر.
والرهان الضمني هنا أن الإطالة ستعني أيضاً التمدد في المكان، باتجاه الضفة بعد أكثر، وباتجاه اليمن، وبمزيد من التوتر والاشتباك في البحر الأحمر، وبالأخص باتجاه لبنان، سوف يؤدي إلى إرهاق هيكلي لإسرائيل.
إسرائيل في المقابل غير مستعجلة من أمرها ان احتسبت الأمر ببضعة أشهر إلى الأمام. لكنها لا تريد الوقوع في فرضية «حرب السنوات الخمس» في المناطق الفلسطينية وخارجها معاً. التفاوت التكنولوجي لصالحها لن يتبدل لا بعد خمس ولا بعد عشرين سنة، لكن فعاليته ستتراجع مع الوقت. فعالية القبة الحديدية في العام الأول للحرب عالية، لكن استنزافها وتطوير تقنيات للضغط عليها واختراقها وارد أكثر كلما صارت الحرب طويلة أكثر.

الاغتيالات مسألة مركزية لدى إسرائيل

ردة الفعل الإسرائيلية الأولى من بعد اغتيال هنية وتولي السنوار هي محاولة الإسراع لاستهداف الأخير، قتله أو اعتقاله. حيث يعتقد الإسرائيليون أن السنوار لم يزل في خان يونس، مسقط رأسه، منذ بدء الحرب. الاغتيالات مسألة مركزية لدى إسرائيل، ليس اليوم فقط، بل منذ عقود طويلة. لقد أدركت بسرعة مغزى ترؤس السنوار للحركة بعد مقتل هنيه: إعلان «حماس» دخولها في حرب السنوات الخمس. وبشكل أكثر راهنية: ارتقاب الرد الحمساوي على اغتيال هنيه. هذا في وقت يتم التركيز فيه على الردود الإيرانية والحزب اللهية والحوثية على إسرائيل. «ميني 7 أكتوبر» جديدة، رداً على اغتيال هنيه، قد تشعر المجتمع الإسرائيلي بأن الحرب باتت أكثر «وجودية» لكنها ستشعره أيضاً بأن إدارة الجيش والحكومة للحرب والمظلة الأمريكية لهما غير قادرة على إشعاره بأن الخطر الوجودي الفعلي لن يطاوله. هل بمستطاع حماس اليوم التخطيط لميني 7 أكتوبر جديد قد يسابق الذكرى السنوية الأولى لتلك الهجمات، وأين، وكيف؟ أم أنه لم يعد للحركة مثل هذه القدرة، وبات أعلى أفق لعملياتها هو رصد وحدات الجيش الإسرائيلي داخل مناطق القطاع وضربها؟ الميل التحليلي لهذه العجالة أن حماس ما زالت قادرة على الضرب في «الداخل الإسرائيلي» وأنها بصدد ذلك، وأن التخلص من السنوار بات مسألة عاجلة جداً في إسرائيل لأجل ذلك. لكن يفترض هذا المسار التحليلي أن يكون تركيز إسرائيل على غزة بعد أكثر من الوقت السابق ومن ثم على الضفة وليس على جبهة لبنان. في حين أن المشهد يوحي بغير ذلك، وبأن «رد» حزب الله على اغتيال مسؤول عسكري له في الضاحية الجنوبية من الممكن أن يدفع باتجاه حرب أوسع معه قد تدوم لبضعة أسابيع.
الوضع الاقتصادي والانقسامي الطائفي ووجود كتلة كبيرة من اللاجئين السوريين: كل ذلك يثقل على خيارات حزب الله في لبنان. الوضع الإنساني المأسوي يثقل على خيارات حماس في غزة. في الوقت نفسه لم يعد هناك في الوقت الحالي جبهة رئيسة وأخرى ثانوية. الحرب على جبهتين متوازيتين، بنفس الدرجة من الخطورة. وفي لبنان كما في غزة، جهوزية التشكيلين الإسلاميين، الشيعي والسني لحرب طويلة الأمد تتناقض بشكل عميق مع عدم جهوزية المجتمعات، لكنها تفرض بالمحصلة واقعاً قتالياً ينهي أي فكرة إسرائيلية وأمريكية و«عربية ليكودية» حول اليوم التالي للحرب. هذه حرب لا يوم يتلوها. لا أحد يضمن لنفسه أنه سيعيش لتقييم حصيلتها النهائية. الحرب ما لم تتوقف الآن ستدخل أكثر فأكثر في الزمن الطويل للحروب، شأنها في هذا شأن الحرب الروسية الأوكرانية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية