تحركات التهدئة: الوسطاء يسعون لنهاية الحرب ونتنياهو يريد حلا مؤقتا لإبقاء احتلال غزة

أشرف الهور
حجم الخط
1

غزة ـ «القدس العربي»: بما لا يدع مجالا للشك، تثبت حكومية اليمين المتطرف في إسرائيل، أنها لا تريد إنهاء الحرب المستمرة والتي دخلت شهرها الحادي عشر على التوالي، وأنها تريد فقط «تهدئة مؤقتة» تعود بعدها لتمارس أعمال القتل والتدمير، وسط دعوات متطرفة لعودة الاستيطان إلى القطاع رغم الجهود التي تبذل حاليا من الوسطاء، وحديث الإدارة الأمريكية عن قرب إتمام الصفقة.

وكان الدليل الواضح على ذلك، جملة الوقائع على الأرض، والتي بدأت بتصعيد المجازر الدامية، وتهديدات جديدة بترحيل سكان من شمال وجنوب قطاع غزة عن مناطق سكنهم، بناء على تهديدات جيش الاحتلال، والتي ترافقت مع هجمات دامية تلت الحدث الأكبر الذي وقع الأسبوع قبل الماضي، حين اغتالت إسرائيل رئيس المكتب السياسي لحماس اسماعيل هنية، وما جرى الكشف عنه قبل أيام عن «ضمانات» طلبها بنيامين نتنياهو من الإدارة الأمريكية، لكي يوافق على خطة تهدئة تكون مؤقتة.
وكان الأسبوع الماضي حافلا بالتطورات الميدانية الدامية، وقد اختار جيش الاحتلال المجازر ضد المدنيين خاصة النازحين منهم في مراكز الإيواء المعروفة أو في مناطق الخيام، ليكون عنوانا للتصعيد المستمر، حيث سقط مئات الضحايا في تلك الاستهدافات، إضافة إلى انذاره مجددا سكان من عدة أحياء في مدينة خانيونس التي تعاني من ازدحام كبير بسبب أعداد النازحين المقيمين فيما تسمى بـ «المنطقة الإنسانية» في مواصي المدينة والتي تقع في الجهة الغربية، حيث يتكدس هناك النازحون بدون أن يحصلوا على أدنى الخدمات سواء الصحية أو الغذائية، وكذلك إنذاره ثلاث مناطق شمال قطاع غزة بالإخلاء إلى مدينة غزة المنكوبة.
وقد دللت بذلك دولة الاحتلال، خاصة بعد اغتيالها رئيس المكتب السياسي لحماس اسماعيل هنية، أن جملة انهاء الحرب، غير واردة في قاموسها العسكري في هذا الوقت وفي القادم أيضا، وأنها تمضي في خطتها الرامية لاستمرار الحرب وتدمير ما تبقى من قطاع غزة لإحلال مشروعها الاحتلالي والاستيطاني والهادف بالأساس إلى تهجير السكان، وتدمير حلم الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة.
ولذلك أكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن اغتيال اسماعيل هنية، يهدف إلى إطالة أمد الصراع في غزة، وقال إن اغتياله سيؤدي إلى تعقيد المحادثات الرامية لحل الأزمة، وقد طالب إسرائيل بـ«التخلي عن أطماعها، ووقف أعمالها العدوانية» واحترام القانون الدولي، وبوقف فوري ومستدام لإطلاق النار، وانسحاب جيش الاحتلال من قطاع غزة.
وكان لافتا إفشال بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الاحتلال، مهمة وفده الأمني الذي زار العاصمة المصرية القاهرة، بعد اغتيال هنية، للتباحث في وقف إطلاق النار، فقد عاد الوفد بعد ساعات من الاجتماعات، من دون أن يحقق أي تقدم، خاصة وأن تقارير عبرية كشفت أن الوفد حمل شروطا إضافية لإبرام «تهدئة مؤقتة» فقط.
ولم يحزر اللقاء الذي شارك فيه مسؤولو جهازي «الموساد» و «الشاباك» وممثل عن الجيش، مع مسؤولين كبار في المخابرات المصرية أي نتائج، وقد عادة الوفد مجددا إلى تل أبيب بسبب استمراره في حمل ذات الأفكار التي يطرحها نتنياهو والتي تعيق التوصل إلى وقف لإطلاق النار. وتطرقت تقارير إسرائيلية كثيرة لفشل تلك المحادثات، وقالت إن السبب في ذلك هو رفض نتنياهو انسحاب قوات الجيش من «محور فيلادلفيا» وإبقاء قوات الجيش هناك، وإبقاءها في «محور نتساريم» الذي يفصل بين شمال وجنوب القطاع، وعدم موافقته على خطة لإنهاء الحرب بالكامل.
كما كشفت أيضا عن شرط جديد لنتنياهو، أضيف في الجولة الأخيرة من التفاوض، تمثل في إبعاد قرابة 150 أسيرا فلسطينيا من المتهمين بقتل إسرائيليين إلى الخارج، وهو ما من شأنه أن يقابل أيضا برفض من حماس كما الشروط السابقة.
وكان أخطر ما كشف، هو ما دار في اجتماع نتنياهو العاصف مع قادة الأمن الإسرائيليين، حين أبلغهم أنه ينتظر رسالة التزام من الأمريكيين بشأن إمكانية مواصلة الحرب بين المرحلتين الأولى والثانية من صفقة الأسرى، إذا لم تسر الاتصالات على ما يرام، وقد كشفت صحيفة «يديعوت أحرنوت» العبرية أن نتنياهو أبلغ الحاضرين بأن ما يطالب به يتعلق بإعطاء إسرائيل ضمانة بأنها ليست ملزمة بوقف إطلاق نار إلى الأبد تحت أي ظرف من الظروف.
وترافق ذلك مع تصريحات لنتنياهو أدلى بها الأسبوع الماضي، قال فيها «إن زيادة الضغط العسكري على حماس هو وحده الذي سيؤدي إلى تحقيق جميع أهداف الحرب، بما في ذلك عودة جميع المختطفين إلى ديارهم، سواء الأحياء أو الأموات».
وأضاف وهو يشير إلى خطته باستمرار احتلال غزة «عندما زرت رفح، أصبحت أقوى في إدراك أن التمسك بمحور فيلادلفيا ضروري للاستمرار. الضغط العسكري وحده هو الذي سيحقق أهداف الحرب ويؤمن مستقبلنا ويعيد جميع الرهائن لدينا، وسنستمر في ذلك، ونضغط على الدواسة حتى يأتي النصر، إن إنجازاتنا العظيمة في الحرب ترجع في جزء كبير منها إلى قدرتنا على الصمود أمام الضغوط».
ودلل نتنياهو بذلك أن هدفه من التفاوض هو ذر الرماد في العيون، واستخدام أسلوب المماطلة والتسويف، لتجاوز ردة الفعل الدولية على المجازر التي تقترف في قطاع غزة، والرافضة لتصعيد الاستيطان في الضفة.
وفي دليل إضافي على نوايا الاحتلال بإطالة أمد الحرب، كشفت صحيفة «إسرائيل اليوم» عن موافقة الإدارة الأمريكية على إرسال قنابل من نوع «MK-83» إلى الجيش الإسرائيلي، وذلك بعد تعليق ارسال هذه القنابل، مشيرةً إلى أن واشنطن ستوافق في وقت لاحق على نقل قنابل «MK-84» أيضاً، ووزن هذه القنابل تزن نصف طن، ويستخدمها سلاح الجو الإسرائيلي، وذلك بناء على طلب قدمه نتنياهو إلى الرئيس الأمريكي جو بايدن في اللقاء الأخير.

رفض اليمين المتطرف

كذلك كانت تصريحات شريك نتنياهو في الائتلاف الحكومي، الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش، تكشف خبايا إسرائيل القادمة، والتي ترتكز على عدم الرغبة في إنهاء الحرب، وفرض الخطة الإسرائيلية الكاملة الرامية لتقسيم القطاع إلى كنتونات، تسميها دولة الاحتلال «جزر إنسانية» كما أيد تجويع سكان القطاع، حيث رأى هذا الوزير المتطرف أن موت مليوني فلسطيني في قطاع غزة جوعا «قد يكون عادلا وأخلاقيا» لإعادة الأسرى الإسرائيليين، وقد رأى أيضا أنه سيكون من المستحيل تدمير حماس عسكريا ومدنيا من دون السيطرة على المساعدات الإنسانية، وقد كان بذلك يبرر مخطط حكومته لتجويع السكان، حيث دعا إلى تولي الجيش الإسرائيلي مسؤولية توزيع المساعدات الإنسانية الدولية في غزة خلال الحرب، وهو أحد بنود خطة «الجزر الإنسانية» الهادفة إلى شطب أي وجود فلسطيني في قطاع غزة.
وهذا الوزير المتطرف أكد من جديد معارضته لإبرام أي اتفاق لوقف إطلاق النار وتبادل أسرى مع الفصائل الفلسطينية في غزة، كما جدد مطالبته ببدء استيطان إسرائيلي في غزة، وقال: «لم أسع إلى تعريف الاستيطان في غزة كجزء من أهداف الحرب. لكن مسموح لي أن أقول طموحي: حيث لا يوجد استيطان، لا يوجد أمن».
وقد استبقت هذه التصريحات، تحركات الوسطاء الأخيرة، التي قامت بها كل من أمريكا ومصر وقطر، بهدف التوصل إلى إنهاء الحرب، والتي تكللت ببيان ثلاثي، حدد يوم 15 من الشهر الجاري لعقد مفاوضات غير مباشرة بهدف وقف إطلاق النار في غزة، حيث دعا قادة مصر وقطر والولايات المتحدة، يوم الخميس، إسرائيل وحركة حماس إلى استئناف محادثات وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، وجاء في بيان قادة الدول الثلاث «سعينا مع فرقنا جاهدين لأشهر للتوصل إلى إطار اتفاق (بين حماس وإسرائيل) مطروح حالياً على الطاولة ولا يتبقى سوى وضع تفاصيل التنفيذ».
ووفقا للبيان المشترك، فقد أكد القادة الثلاثة أن الوقت حان «كي يتم بصورة فورية وضع حدا للمعاناة المستمرة منذ أمد بعيد لشعب غزة وكذا للرهائن وعائلاتهم، وحان الوقت للتوصل إلى وقف لإطلاق النار وإبرام اتفاق بشأن الإفراج عن الرهائن والمعتقلين».
وجاء ذلك بعد تصريحات أدلى بها مسؤولون أمريكيون عن قرب انجاز صفقة تبادل وتهدئة في غزة، بعد الاتصالات التي أجرها الرئيس الأمريكي جو بايدن خلال الأسبوع الماضي، مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وأمير قطر تميم بن حمد، حيث أكد وقتها البيت الأبيض أن إبرام اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة أولوية للرئيس بايدن وانه يريد أن تنتهي هذه الحرب، ويشار إلى أن بايدن يعتقد أن الاتفاق سيخفض التصعيد في المنطقة، ولذلك فإنه يركز على تحقيق هذا الهدف.
وقد جاء ذلك متزامنا مع تصريحات مماثلة لوزير الخارجية أنتوني بلينكن، الذي تحدث أيضا عن قرب الصفقة هو ومنسق الاتصالات الإستراتيجية في مجلس الأمن القومي جون كيربي.
وبعد إعلان مكتب نتنياهو عن قراره بإرسال وفد مفاوض للمشاركة في الجولة المقبلة، أصدر الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش، بيانا، رد في أيضا على بيان دول الوسطاء، قال فيه «لم يحن الوقت بعد لصفقة استسلام من شأنها أن توقف الحرب» وأضاف «لم يحن الوقت حقاً لفخ خطير يملي فيه الوسطاء علينا صيغة ويفرضون علينا اتفاق استسلام لوقف الحرب الأكثر عدالة التي نخوضها» وقد طالب نتنياهو إلى عدم «الوقوع في هذا الفخ».
وذلك فإن مجمل هذه التحركات، قد لا تأتي بأي نتائج، بسبب مواقف نتنياهو المتشددة، ومواقف شركاءه في الائتلاف الحكومي، حيث يهددونه بإسقاط الحكومة، في حال ذهب إلى صفقة تهدئة، وقد أكدت ذلك هيئة البث العام الإسرائيلية، بكشفها أن عائلات الأسرى المحتجزين في قطاع غزة التي التقت بمسؤولين مطلعين على المفاوضات في الأسبوع الماضي، أُبلغت بعدم وجود تقدم حالي في المحادثات، وأن المسؤولين في فريق التفاوض متشائمون بشأن احتمالية تحقيق «اختراق قريب» في المفاوضات التي تدار عبر الوسطاء.
وحسب المصادر، فإن المحادثات متعثرة ليس فقط بسبب التوتر في الشمال والمخاوف من رد إيراني، ولكن أيضًا لعدم وجود توافق بشأن «محور فيلادلفيا و «ممر نتساريم» في إشارة إلى المطالب التي أضافها رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، بشأن إيجاد آلية لمنع انتقال المقاومين من جنوبي القطاع إلى شماله خلال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق المقترح، والإبقاء على قوات الاحتلال في محور فيلادلفيا ومعبر رفح.
وقد رد أيضا مكتب نتنياهو، على تصريحات المسؤول الأمريكي كيربي بالقول إن حكومة تل أبيب «لم تتلق أي رد من حماس» حول صفقة وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى.
كما كشفت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» أن فريق التفاوض الإسرائيلي، يعاني من نقص المصداقية في المحادثات غير المباشرة مع حماس للتوصل إلى تهدئة، وأن المفاوضين قدموا في عدد من النقاط والبنود خلال المحادثات تطمينات للوسطاء القطريين والمصريين والأمريكيين بشأن عناصر الاتفاق، التي كانت إسرائيل مستعدة لقبولها، لكن الإسرائيليين تراجعوا بعد ذلك عن تلك الالتزامات بعد التشاور مع نتنياهو.
وأوضحت أن الفريق الإسرائيلي أبلغ الوسطاء منذ أسابيع أن التوصل إلى اتفاق سيكون مؤكدا تقريبا إذا وافقت حماس على التراجع عن مطلبها بالتزام إسرائيلي مسبق بوقف إطلاق النار الدائم عند بدء صفقة إطلاق سراح الرهائن على مراحل، فيما نجح الوسطاء في إقناع حماس بالتراجع عن هذا المطلب الشهر الماضي، ولم يتبق سوى قضايا هامشية للحل، وأشار فريق التفاوض الإسرائيلي إلى أنه سيكون من الممكن المضي قدما في التوصل إلى اتفاق، لكن نتنياهو أصدر سلسلة من المطالب الجديدة، ما أدى إلى تقويض التنازلات التي وافق عليها المفاوضون بالفعل.
وبهدف إطالة الحرب، والترويج لمزاعمها الخاصة بوجود بنى تحتية للفصائل المسلحة أسفل الحدود الفاصلة مع مصر، وهو تبرير تهدف منه دولة الاحتلال إطالة أمد الحرب، والبقاء كما تريد في منطقة «محور فيلادلفيا» الفاصل بين مصر وقطاع غزة، زعم جيش الاحتلال خلال الأيام الماضية، وتحديدا بعد فشل جولة المحادثات في القاهرة، أنه اكتشف أسفل تلك الحدود أنفاقا كبيرة، تسمح بمرور العربات، وزعم أن وحداته الهندسية تعمل هناك من أجل تدمير الأنفاق.
وبدا أن هذا الكشف المزعوم أغضب كثيرا الوسيط المصري، حيث نفى مصدر رفيع صحة ما تتداوله وسائل إعلام إسرائيلية حول وجود أنفاق عاملة بين مصر وقطاع غزة، وفي تصريحات نقلها موقع قناة «القاهرة الإخبارية» أكد أن ما يتردد هو «هروب إسرائيل من إخفاقها في القطاع» مؤكدًا أيضا أن فشل إسرائيل في تحقيق إنجاز بغزة «يدفعها لبث ادعاءات حول وجود أنفاق لتبرير استمرار عدوانها على القطاع».
وشدد المصدر على أن إسرائيل لم تقدم أدلة على وجود أنفاق عاملة على حدود القطاع، مؤكدًا أنها «تستغل الأنفاق المغلقة بغزة لبث ادعاءات مغلوطة لتحقيق أهداف سياسية» وأكد على موقف مصر الثابت والقائم على عدم فتح معبر رفح طالما بقيت السيطرة الإسرائيلية على الجانب الفلسطيني منه، مُحملة الجانب الإسرائيلي مسؤولية النتائج المترتبة على هذا الإغلاق، وتفاقم الأوضاع الإنسانية بقطاع غزة.
وبات من غير المؤكد أن تنجح أي جهود تهدئة في الفترة المقبلة، بعد الكشف مرة تلو الأخرى أن دولة الاحتلال تريد هدنا مؤقتة تخصص لتبادل الأسرى، لتعود بعدها إلى مواصلة الحرب والقتال لتمرير مخططها ضد قطاع غزة.
وفي هذا السياق، حذرت الرئاسة الفلسطينية من خطط إسرائيل المقبلة، وقال الناطق الرسمي باسم الرئاسة نبيل أبو ردينة، إن استمرار حرب الإبادة والتدمير والتجويع في قطاع غزة مترافقاً مع عمليات القتل واقتحام المدن والمخيمات في الضفة الغربية، إضافة إلى حملات التعذيب والتنكيل التي يتعرض لها الأسرى، تمثل «تجاوزا لكل الخطوط الحمراء، وتتحمل مسؤوليته الإدارة الأمريكية التي تدعم هذا الاحتلال وجرائمه» محذرا من الانزلاق لحرب إقليمية شاملة جراء التصعيد الإسرائيلي، كما حذر من أن خططا تهدف إلى استمرار احتلال غزة، وقال إن الشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير الفلسطينية «لن يعطوا أية شرعية لأي خطط أو سياسات لا تحقق تطلعات الشعب الفلسطيني».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية