لم أستطِع التحقّق من قائل هذه العبارة، ولكنها عبارة مثيرة. فكيف يكون الكذب عذباً إلا إذا كان على لسان الأطفال؟ ولكن بعض مؤرخي الأدب قد أخذوا بهذه العبارة لطرافتها أو ربما لأن بعضهم يعتقدون بها، ويسوقون الأمثلة لذلك من تراثنا الشعري، بينما تجرّد آخرون لتجنّب هذه العبارة إذ حسبوها من باب العبث. ولكن بعض الأمثلة من تراثنا الشعري العربي قد تدعم هذه المقولة، في القليل عند بعض المتأدبين. ولنأخذ مثالا من الشعر الجاهلي، إذ يقول شاعر شاب يتفاخر أمام شقيقته:
أفاطمُ لو شَهِدتِ ببطنِ خَبْتٍ وقد لاقى الهِزَبرُ أخاك بِشرا
إذاً لرأيتِ لَيثاً أمَّ ليثاً هِزَبراً أغلَباً لاقى هِزَبرا
فأطلقتُ المُهَنَّد من يميني فقَدَّ له من الأضلاع عَشرا
ويستمر التفاخر ونحن نُصغي. وقد نبتسم أحيانا لهذه الغَرارة ولا نسأل منطقيا: كيف لضربة خنجر أو سيف واحدة أن تقطع عشرة أضلاعِ وليس ضلعا واحدا من جسم الأسد الضخم وهو الهِزَبر؟ ولكن الصورة تبقى طريفة وعذبة، ليس بالمعنى المادي للعذوبة. وقد لا نغامر بالقول إن هذا كذب، لأننا مشغولون بالطرافة واللذة في هذه الصورة العجيبة.
ومن صور المبالغة في الشعر التي تشبه الكذب، ولكنها مبالغة عذبة، قول كبير شعراء العذرية:
أكادُ إذا صلّيتُ يَمّمتُ نحوَها بوجهي وإن كان المُصَلّى ورائيا
وقد نقول هذه مبالغة وكلام مجنون، لأننا نعرف أنه مجنون بني عامر. ولكن الصورة مليئة بالعذوبة والشعور القوي بالتعاطف مع هذا العاشق المتيّم بمعشوقته التي لا ينساها، حتى في صلاته وتوجُّهِهِ إلى الله الذي يطلب منه:
فيا رَبِّ خَلِّ الحبَّ بيني وبينها يكون كفافاً لا عليّ ولا ليا.
وعلى مستوى أدنى من البلاغة والجمال قول شاعر مُتَيَّم في أغنيةٍ شاعت قبل سنوات، ثم تضاءلت فاختفت:
تعلَّق قلبي في فتىً عربيةً
فقبّلتها تسعاً وتسعين قُبلةً / وقَبلَّتُها أخرى، وكنتُ على عَجَل.
هذه مبالغة ليس فيها لذة. بل أحسب أنها تثير العزوفَ عن الشِّعر والحُب والقُبَل.
ومن أمثلة المبالغات التي قد لا تثير الشعور باللذة ولكنها مع ذلك صورة البلاغة في الوصف على ما فيه من إثارة مشاعر تختلف باختلاف توجّهات القارئ. من ذلك قول الطِرِمّاح (شاعر أموي من أصحاب عليّ والحسين) في هجاء بني تميم:
تميمٌ بطُرْق اللومِ أهدى من القطا /
وإن سَلكَت سُبْلَ المكارم ضَلّتِ
ولو أن بَرغوثاً على ظهر نملةٍ /
يَكِرُّ على صَفّي تَميمٍ لَوَلّتِ
ومن أمثلة عذوبة الوصف مع طرافته قول المتنبي في مديح كافور الإخشيدي.
وما طَرَبي لما رأيتُكَ بِدعةً / لقد كنتُ أرجو أن أراكَ فأطرَبُ
هذا ذَم بما يشبه المديح، كما يقول البلاغيون. ولكنه أكثر من ذلك بكثير لأنه سخرية ما بعدها سخرية. أحسب أنها لم تفُت على السامعين، لأنه ليس في مظهر كافور الإخشيدي ما يبعث على الطرب إلاّ كونه صورةً من القُبح تستدعي الضحك والسخرية. ولكنها عبقرية المتنبي.
ومن الصور البارعة التي تقوم على ما يشبه الكذب، ولكنها صورة عذبة لذيذة، وصف امرئ القيس حصانه في سرعته وتقلّب اتجاهاته، وهي صورة تكاد تكون سينمائية في إخراجها:
مِكَرٍّ، مَفَرٍّ، مُقبِلٍ مُدبرٍ معاً /
كجُلمودِ صَخرٍ حَطَّهُ السيلُ من علِ.
وثمة صورة أخرى مشابهة من الكذب، اللذيذ، في وصف. أبي نواس:
ودارِ ندامى عطّلوها وأدلَجوا /
بها أثرٌ منهم جديدٌ ودارِسُ
مَساحِبُ من جَرِّ الزِّقاق على الثرى/
وأغصانُ رَيحانٍ جَنِيٍّ ويابسُ
حَبَستُ بها صحبي، وجَدّدتُ عهدَهم/
وإني على أمثال تلكَ لحابسُ
تُدارُ علينا الراحُ في عَسجَديّةٍ/
حَبَتها بأنواع التصاوير فارِسُ
فللخمرِر مازُرَّت عليه جيوبُهم/
وللماء ما دارت عليه القلانسُ.
هذه صورة تكاد تكون مسرحية لما فيها من حركة وصُوَر من جرّ زِقاق الخمرة، وهي أكياس من جلود الغنم، يحفظ فيها اللبن والسمن والخمرة كذلك. وقد تكون ثقيلة، لذلك تُسحَب على الثرى سحباً وتترك آثارها ليستمتع بمنظرها «الشَّربُ» أصحاب الشاعر الذين «حَبَسَهم» بها «يوماً ويوماً وثالثا ويوماً له يوم الترحُّل خامِسُ». هذه صور تبعث على اللذة.. حتى عند من لم يعرف الخمرة، بل سمع عنها ولو في شعر المتصوفة.
ثمة غلالة شفيفة من الكذب تشيع في هذه الأبيات، فهل يُعقل إقامة جماعة في دار ندامى لأربعة أيام لا يفعلون سوى شرب الخمرة من عسجدية، أي كؤوس ذهبية «حَبَتها بأنواع التصاوير فارس»؟ صحيح أن أبا نواس يتحدث عن مجتمع عباسي باذخ، ولكن أليس في هذه المبالغة، على غرابتها، شيء من اللذة عند قراءة هذه القصيدة؟ قد لا يجوز التعميم استنادا على هذه القصيدة، أو ما يقرب منها، فنقول: هذا مثال من أعذَب الشعر ومن أكذَبه.
ولا بأس من رجعة سريعة إلى الشعر الجاهلي. وقد تكون قصيدة المُنَخَّل اليَشكُري مثالاً طيباً من عذوبة الشعر التي تقوم على شيء من الكذب، إن لم تكن كلّها كذِباً:
ولقد دخلت على الفتاة الخِدرَ في اليوم المطير
الكاعبُ الحسناءُ ترفُل بالدِمَقسِ وبالحريرِ
ودفَعتُها، فتدافعت، مَشيَ القطاةِ إلى الغديرِ
ولثَمتُها، فتنفّست، كتنفّس الظبيِ الغريرِ
وأحبُّها، وتحبُّني، ويُحبّ ناقتها بعيري !
والسؤال العاجل: أين كان «أهلوها وإخوَتُها» و«العشاق المَعاميد» ليستطيع هذا العاشق التسَلّل إلى الخِدر في اليوم المطير؟ أم تُراه تخيّل الشاعر الذي ينظر إلى الشجرة العالية فيتخيّل أنه بلغها؟ ماذا يقول علم النفس عن هذه الحالة شبه المرَضية؟
ولكننا نبحث عن الصدق والكذب واللذة والعذوبة في الشعر. وقد لا يجادل الكثيرون في أننا نجد هذه الصفات جميعاً في هذه القصيدة من تلك الأيام بعيدة الغور في تاريخنا الشعري. وهذه أحد الأمثلة على أن الموهبة الشعرية أكبر من أن تحدّها ظروف المجتمع والحضارة.
وقد لا يغضب المؤمنون بأن أعذَب الشعر أكذَبُه من وجود الكثير من العذوبة في شعر فيه القليل من الكذب، والكثير من الصدق. وثمة الكثير من الأمثلة من الشعر الحديث يقلّ فيها الكذب ويكثر الصدق، أو أن الصفتين متداخلتان بحيث لا نعود نسأل: أين الصدق؟ وأين الكذب؟ طالما أن الشعر في بعض أمثلته الحديثة لا يكاد يفرِّق بين الصدق والكذب في ما يقدم من أوصاف. كيف نصنّف الصدق من الكذب في قول شاعر معاصر:
قتلَ الوردُ نفسه حسداً منكِ وألقى دماه في وجنتيكِ/ والفراشاتُ ملّتِ الزَهرَ لمّا حدثتها الأنسام عن شفتيك؟
هل ننشغل هنا بالبحث عن الصدق والكذب أم أننا مأخوذون بعذوبة هذه الأوصاف ولو أنها كاذبة؟ هل نتوقف لنسأل أكبر عاشق في دار المعلمين العالية في أواسط أربعينات القرن الماضي إن كان صادقا أم غير صادق في وصف شعوره عند فراق الكلية في آخر عام له فيها:
«تفقّدتُ قلبي للوداع فتَمتَمَت/ يداي على صدري وأين لك القلبُ؟… تكادُ شُجيرات الحديقة تشتكي/ وتندبُ لو أمسَت يطاوعها الندبُ.
هل وصف هذا الشعور صادق أم كاذب؟ أم أننا مأخوذون بعذوبة الصور غير سائلين عن صدقها أم عدم صدقها؟
ويبقى الذوق الفردي هو الحكَم في وجود اللذة والمتعة في ما سوف يتوقف في يوم من الأيام وفي أي مجتمع من المجتمعات. لذلك سيبقى الخلاف حول وجود اللذة والمتعة في بعض القصائد أو في غيرها طالما كان هناك شعر يُكتب وقارئ يقرأ.