هيمنة الإشهار في ترويج المطبوع وفاعلية القراءة

في كتاب سعيد بنكراد «الإشهار والتمثلات الثقافية» تعريف مبسط للإشهار بأنه الضابط الزمني الذي يلعب عليه المنتج باستنفار الطاقة الانفعالية للصورة التي تستدعي الخصائص النفسية والأخلاقية والوجدانية، ونمط العيش أو تدخل ضمن فلسفة الانتظار.. انتظارات البسطاء والأغنياء والنخب والطبقات المتوسطة، أي أن الإشهاري كما يذكر حمداوي يقوم عبر سجل معين فيه سمات وصيغ أسلوبية عديدة ومتنوعة كالتشبيه والاستعارة والأيقونة والمجاز والكناية والحذف والإضمار، ويمارس فن التأثير بمعطياتها جميعا كي تساهم بخلق نوع من الاستجابة بغض النظر عن قيمة ما يطرح، وفي هذا الصدد يذكر عبدالله الغذامي نموذجين الأول: هو تلك الشهرة الواسعة للوجبة الرديئة الأمريكية (ماكدونالدز) التي يتهافت عليها الناس في كل مكان، والنموذج الآخر هو نوع من التمور أطلق عليه في مصر باسم (نانسي عجرم).. فمهمة الإشهاري تتجاوز الحقيقة بخلق فضاءات أكثر ملاءمة في مخاطبة المستهلك ليتحكم من خلالها ليس فقط بالذائقة وإنما يتجاوز ذلك في الإغواء والأغراء إلى التصور الذي ينبني أساسا على الخيال أكثر من الواقع، لأن الحقيقة كما يقول جاكسيلا، داخل كل مستهلك يرقد شاعر، على الإشهاري أن يوقظه، فطريقة الإيقاظ هنا تختلف بطبيعة الحال من فئة إلى فئة ثانية ومن مستوى طبقي إلى مستوى طبقي آخر وهكذا نجد المجتمع الاستهلاكي مقسما إلى أنواع مختلفة في درجات الوعي وخاضع لمعارف متعددة.

وفي ضوء هذا التباين تجسد أبعاد الرؤيا، وفق المصالح مع هذه المكونات وشد انتباههم بغض النظر عن كسب الود ودغدغة المشاعر، إذ يفعّل جانب الحلم بمهارة فائقة بحيث تتيح للمستهلك أن يجد فيها مفتاحا لتصوراته ورغباته .. يقول بارت إننا مخدوعون ويخدعوننا باستمرار ونعرف ذلك، وعلينا أن نعرف كيف نخدع؟ ويصف بورديو عالم الاجتماع الفرنسي البعد الإشهاري، بأنه لعبة الهيمنة المؤدلجة، وإن أخذت طريقا آخر في الشكل لكن في المضمون الاستحواذي لا تختلف شيئا عن تزيف الواقع كما يصف بيرنار كاتولا في كتابه «الإشهار والمجتمع» ترجمة سعيد بنكراد، ليس في الإشهار حكم قيمي ثابت لأن قيمته لا تنبع من ظروف المجتمع، بل وجدتها الميديا ليكون مبهرا، هذه اللعبة المخادعة واحدة من أخطر المواجهات التي تعرضت لها ثقافتنا العربية بعد سلسلة تاريخية مقيته من الهيمنات الزاكمة في المجتمع حين دخل الناشر العربي ميدان الإشهار بفلسفته وتقنياته، ليمارس الدور ذاته في التسويق والترويج، ليتحول الكتاب من ضرورة ملحة في إنتاج الوعي الفكري والثقافي والمعرفي والفلسفي إلى سلعة استهلاكية خاضعة للشروط والمواصفات ذاتها التي تتطلبها أي مادة معروضة للبيع، هذه العشوائية تحصل طبعا بغض النظر عن المعايير الفنية والجمالية والأسلوبية والبلاغية والأدبية.. لأن الجانب الأهم الذي يستند إليه الإشهاري/ الناشر هو الترويج المرتبط بالمكسب المادي الربحي الذي يشير له فيصل دراج بالمسكوكات، ولذا لا تشكل هذه المعايير هدفا محضا في عملية الاستقطاب وتوجيه الذائقة القرائية، بل يراها من زاوية أخرى مفادها، أن المعايير لم تكن ذات قيمة في فضاء السوق، وهو في ذلك يجسد المعنى الحرفي لطبيعة المثل الشعبي المصري ذائع الصيت (الجمهور عايز كده) وهي عودة حقيقية للنسقية والأخذ بها على أنها الوظيفة التضمينية لرسالتها في محاكاة الواقع، فإذن ما يترتب على هذه الوظيفة شيئان، يتمثل في الأول ما يصطلح عليه بـ(الظاهر) الذي تغلب عليه دعوة التعريف بالكتاب وإضفاء صبغة بلاغية تنتقى فيها الجمل بشكل إيحائي مكثف ومركز ومختزل لتهيئة المناخ العام وشحن الأجواء للاحتفاء والإطراء والإغراء لتساهم مشتركا في طبيعة هذه العوالم وخلق كرنفال أخاذ تجري فيه عملية ترصين وتوطين دور الإقناع وهي بالمناسبة إجراءات سليمة في طبيعة مجراها، واعتقد يتمناها كل كاتب لخوض مثل هذه التجربة مع مطبوعه.

لكن يختفي العفريت في التفاصيل على حد قول الناشر والمترجم الأردني إلياس فركوح، أما الشيء الثاني فهو (الباطن) الذي نعني به ما تضمره الأنساق من أفعال متماهية غائبة، لكنها حاضرة بتأثيرها، ومن خلالها يتم تضليل القارئ (المستهلك) واستغفاله واستدراجه نحو عملية الاستثمار الجديد من حيث يدري أو لا يدري، وفي كلتا الحالتين أصبح ضمن الظاهرة المعدة سلفا بعناية ليكون بالتالي جزءاً من آلية طاقة الإشهار وتأثيرها. تقول الباحثة القطرية نورة آل سعيد في كتابها «أصوات الصمت» كنا نحن من يبحث عن الكتاب الذي نريده، تحولنا الآن إلى التهافت على نوع الكتاب الذي يريدونه هم، وهكذا نحصل على «هاري بوتر» بعد طوابير طويلة، ولا نعرف من هو عبده خال، وهي الحقيقة ذاتها التي أشار إليها الروائي إبراهيم كوني، بأني لم أكن معروفا بموطن آبائي وأجدادي في ليبيا والعالم العربي إلا من وقت قريب، أي بعد أن سوقني الإعلام الغربي بأني المهاجر (الملون) الذي يكتب عن الصحراء من قلب أوروبا.

فالناشر في ظل أيديولوجية الإشهار لا يميز بين القيمة الفعلية للكتاب كشرط جوهري للتداول، وأي مطبوع آخر يضاهيه في الشكل ويختلف عنه في المضمون، بالإضافة إلى ذلك أنه يعتمد في تحقيق وتمرير هذا الأسلوب على نخبة من الأسماء، يستضيفهم في ندوات خاصة كتعبير عن مدى مصداقية ما يتاح للزبائن من عناوين مختلفة للكتب، قد لا تحتاج منهم الوقت الطويل للاختيار، وتسخير طاقة الذهن في تحديد الأنسب، وإنما تتقدم الحقيقة المتمثلة بالمقولات المتسربة على الحقيقة الموضوعية، وهذا ما أقلق الناقدة شيرين أبو النجا في مداخلتها، ضمن ملتقى القاهرة الدولي الخامس للإبداع الروائي، وتساؤلها عن معنى أن تحقق روايتان مثل «نيسان com» لأحلام مستغانمي و»عمارة يعقوبيان» لعلاء الأسواني أعلى مبيعات في عالمنا العربي، وبرأيها أن العملين وأعمال أخرى متشابهة تجعل القارئ سلبيا، ويعود ذلك لما يسمى بالقراءة الباهتة، تلك القراءة السهلة والمريحة والممتعة كما إنها سطحية تعتمد على عنصر التشويق والتسلية التي لم تعد مثل هذه المواصفات أن تندرج ضمن مقومات الفن الإبداعي، لكن بالمقابل نجد إن هذا النوع من الكتابة أكثر اتساعا وامتدادا ورواجا، يقول الكاتب المغربي محمد الداهي، في ندوة عقدت حول رواية «المرايا المتقابلة في حيوات متجاورة» لمحمد برادة بأنها من الروايات التي تحتاج إلى ذهنية مركزة، وهي بذلك تسبح ضد تيار الإعلام ولهذا تتحرك ببطء.. الإعلام / الإشهاري / الناشر تستطيع أدواتهم أن تصنع نجومية، لكن من العسير عليهم أن يخلقوا وعيا بمستوى الإبداع .

كاتب من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية