نقد «ثقافوي»: هل توجد عقلية عربية؟

ينبني جانب من الثقافة السياسية العربية المعاصرة، على المستوى الجماهيري، على الانتقاص من «عقلية عربية» تتسم بجمود أو جهل أو عاطفية. والمقولات الشائعة حول ذلك كثيرة، لا داعي لتكرارها، إلا أنها تفترض نتيجة واحدة، وهي أن «العرب» سيستمرون في الانحدار والهزيمة، إذا لم يغيرّوا عقليتهم. وبعيداً عن تلك المقولات، توجد عدة محاولات، اختصاصية وشبه اختصاصية، لنقد «عقل عربي» ما، تستند غالباً إلى البحث في «التراث» القريب أو البعيد، الذي يساهم اليوم في صياغة ثقافتنا السياسية ومنظوراتنا الاجتماعية. من أشهر تلك المحاولات، في النصف الثاني من القرن العشرين، موجة ما عُرف بـ«النقد الذاتي بعد الهزيمة»؛ ثم عمل المفكر المغربي محمد عابر الجابري على نمذجة بنية «العقل العربي» انطلاقاً من تحليل آليات منهج القياس، في جمع وقوعدة اللغة العربية، وتأسيس الفقه الإسلامي؛ وبعده الإسهامات الكثيرة في «نقد الخطاب الديني» المستمرة حتى اليوم.
كثيرون حالياً يتهمون تلك الإسهامات بـ»الثقافوية» ويعتبرون تكرار هذه المفردة نقيصة أو شتيمة، رغم أن معناها غير واضح على الإطلاق، فإذا كانت «الثقافوية» هذه مقابلاً لـ«Culturalism» فهي تيار مهم في الفلسفة والأنثروبولوجيا، تعود جذوره إلى عصر التنوير، ويعدّ أحياناً مقابلاً لـ»النزعة الطبيعية» Naturalism (أو «الطبيعوية» إذا استخدمنا الوزن نفسه لمفردة «ثقافوية») وقد تطوّر الـCulturalism في علوم إنسانية كثيرة في ما بعد، ومنها السيمولوجيا والإثنوغرافيا وعلم الاجتماع والدراسات الثقافية، وكل هذا لا علاقة له بمحاولات نمذجة «عقل» أو نقد التراث. أما إذا كان المقصود نظرة اختزالية، تختصر كل حياة المجتمعات وفعلها في بعض العوامل الثقافية، فلا يوجد مفكّر مهم انبنى طرحه على مثل اختزال كهذا، أو يوافق عليه، وإنما قد يكون التركيز على الدين أو الأيديولوجيا أو الثقافة السياسية عائداً للتخصّص والاهتمامات، أو الأسئلة والنقاشات المتداولة في حقبة ما، وبالتأكيد ليس على الجميع أن يكونوا متخصصين بالاقتصاد السياسي، أو مكررين ومعتنقين لبعض الطروحات، التي تنتمي غالباً لأنماط معيّنة من الماركسية، أو ما يسمى «اليسار الجديد» كي لا يُتهموا بـ«الثقافوية». مع العلم أن اعتبار «الثقافة» عاملاً هامشياً، أو لا يجوز بحثه بشكل منفصل، أمر غريب وغير مقبول حتى بالمعايير الماركسية الكلاسيكية.
ربما يكون المقصود هو «المثالية» Idealism، وتصوّرا مبسّطا عنها، بأنها مقولات تجعل الوعي محدداً للوجود، وبالتالي فإذا غيّر الناس أفكارهم سيتغيّر واقعهم. إلا أن الفلسفات المثالية أكثر تركيباً بكثير من أن تُفهم بهذه البساطة، أو يعتبر التأثّر بها نقيصة. ومجدداً، باستثناء بعض الطروحات الشعبية الدارجة، فنادراً ما نجد من يدّعي أنه من الكافي تغيير الأفكار لتغيير الواقع، إلا في قراءات تتعمّد سوء الفهم. ربما كان على «النقّاد» من هذا النوع أن يضبطوا مفرداتهم ومفاهيمهم، قبل أن يبدأوا بقراءة وتحليل المشتغلين على «العقلية العربية». لكن بعيداً عنهم، هل يمكن الحديث حقاً عن «عقلية عربية»؟ وهل يمكن الاستفادة من هذه المقولة في الجدالات السياسية، المحتدمة وسط اضطرابات المنطقة؟

مشكلة الترجمة

إذا افترضنا أن «العقلية العربية» هي بنية فكرية أو رمزية ما، مصدرها الدين أو اللغة أو «التراث» أو حتى المنظومة الأبوية، فهذا يعني أنها إطار مشترك بين مجموعة بشرية، قادر على إنتاج المعنى، ورسم التصورات الأساسية عن الذات والواقع. لكن يبقى أن نعرف: ما الأنساق الأساسية لهذه البنية؟ كيف تشتغل؟ وما الإطار الزماني والمكاني الذي يمكن أن نحددها ضمنه؟
تتطلّب الإجابة عن هذه الأسئلة نمطاً من الترجمة، أي جعل المقولات النظرية العامة عن العقل أو التراث أو الدين، قادرة على التعبير عن ميادين متعيّنة، يمكن رصدها ودراستها، في أنظمة أو مؤسسات أو قوى أو ممارسات أو نصوص (قانونية، أدبية، فلسفية، الخ) وإلا سيبقى كل الحديث عن «عقلية» أمراً مجرّداً وناقصاً، ويمكن إسقاطه على أي حالة، ما يفقده المعنى، ويحوّله إلى ما يشبه الثرثرة. في مثال أطروحة «العقل العربي» للجابري، كان من المثير للاهتمام أن نرى ميادين تطبيقية، تنتج معرفة ذات معنى، وتثبت استمرار ذلك «العقل» في مؤسساتنا وممارساتنا ونصوصنا المعاصرة. يصعب رصد نوع كهذا من الأبحاث في الأكاديميات العربية، ما قد يجعل مقولة «العقل العربي» مجرّد طريقة نافعة لفهم جانب من النصوص التراثية الإسلامية، لكن لا معنى للقول إنها تساعد على فهم أفكارنا وتصوراتنا، و»عقلنا» في الحاضر.
الأمر نفسه ينطبق على أي مقولة حول «الإسلام». إذ كيف يمكن ترجمة أي تعريف أو تحديد مفترض لجوهر هذا الدين في حياتنا المعاصرة؟ علينا أن ندرس حضوره في الدولة وقوانينها ومؤسساتها وثقافتها الجماهيرية؛ وكذلك ممارساته الفعلية وسط مجموعات بشرية متعيّنة؛ وتأثير مفاهيم، توصف بـ»الإسلامية» في النصوص والخطابات الدارجة؛ وكذلك فعل وبرامج وتاريخ الحركات التي تسمي نفسها «إسلامية». وكل هذا قد يغيّر مفهومنا عن «الإسلام» ويجعلنا نفهمه ضمن سياقات اجتماعية وسياسية أكثر تعييناً، وغالباً سيجعل الحديث عن جوهره غير المنقطع أمراً متعذّراً.
بهذا المعنى فإن مشكلة الأطروحات عن «عقلية عربية» أياً كان تحديدها، قد لا تكون في «ثقافويتها» أو «مثاليتها» بل في عدم قابليتها للترجمة، لتصبح مبادئ نافعة تحليلياً أو تفسيرياً، مستندة إلى مفاهيم واضحة. كذلك لا يمكن اعتبارها مقولات نقدية، أي طريقة للجدل مع أفكار وممارسات قائمة، ومعارضتها ببدائل محتملة، لأنها لا تؤسس لفهم داخلي واضح لما تريد أن تنتقده. لن يمكننا أن ننتقد ممارسات وأفكار وبنى، من خلال الاكتفاء بتسميتها «الإسلام» أو «التراث» أو «العقل» ثم المطالبة بتغييرها، عبر معارضتها بممارسات وأفكار أخرى، نفترض أنها أفضل قيميّاً، أو أكثر نفعاً من الناحية العمليّة. ولذلك فربما يجب تجاوز كل الخطابات السائدة عن «العقلية العربية» نظراً لضعف إمكانياتها، على المستويين التحليلي والنقدي.

مشكلة السياسة

تصبح مقولة «العقلية العربية» مربكة جداً لدى استخدامها في المجال السياسي، وهي غالباً ما تستخدم في ذلك المجال، وتُفسّر كثيراً من قرارات الأنظمة والحركات السياسية العربية بمشكلة في «عقليتها» ما يفترض ضمنياً وجود عقلية سياسية سليمة، يجب أن تتبعها كل الأنظمة والحركات، لتحقيق نتائج أفضل.
يتجاوز هذه التصور مفاهيم مهمة في دراسة المجال السياسي، وعلى رأسها الصراع على السيادة، وفرضها؛ والدوافع والتصورات الأيديولوجية؛ والتناقض في المصالح؛ وكيفية دمج عوامل مختلفة، ومنها الأخلاق والدين، في منظورات الفاعلين السياسيين؛ ودور المؤسسات الوسيطة، والبيروقراطية، في تأطير التقليد السياسي لبلد معين. وبالتالي يصعب الحديث عن «رشادة سياسية» إلا في مجتمعات ذات أنظمة مستقرّة ومتوازنة، فيما تصبح «العقليات» أكثر تطرفاً بالضرورة، في حالات التوتر الاجتماعي الشديد، وتصير السياسة مجالاً تصارعياً وشعبوياً.
هذا يعني أن نقد «عقلية» قوة سياسية غالباً ما يكون نقداً لطرف اجتماعي متغلّب، أو يسعى للتغلّب، ويصعب أن يكون حكماً عاماً على مجتمع بأكمله، يحوي بالتأكيد أطرافاً أخرى، خاضعة أو متضررة من ذلك التغلّب.

مشكلة التعددية

يًعدّ تحقيق الهيمنة الأيديولوجية أحد الغايات الأساسية لأي قوة سياسية متغلّبة، بمعنى فرض رواية متكاملة عن المجتمع والتاريخ، تصبح نوعاً من «الحس السليم» لدى المتن الاجتماعي، وتجعل النظام السياسي القائم مبرراً، بل حتى «طبيعياً» أي أقرب لواحدة من حقائق الحياة والطبيعة والتاريخ، التي لا يمكن إنكارها. وغالباً ما تخفي تلك الهيمنة، أو تبرر، عمليات معقّدة من الإقصاء أو القمع والاستغلال، لفئات كثيرة، على أسس قومية أو طبقية أو عرقية أو دينية أو جندرية. ربما يجب على نقّاد «العقلية العربية» وكذلك منكري نقدهم، إدراك أن كثيراً من صراعاتهم تدور حول الهيمنة الأيديولوجية تلك، وأن فئات كثيرة، تعاني من القمع والإقصاء، قد تجدّف بهيمنة الفئات المتغلّبة، التي لم تحقق غلبتها إلا بقمع التعددية في مجتمعاتها. وما قد يبدو لبعض رافضي «الثقافوية» تفكيراً «مثالياً» ربما يكون جانباً من صراع اجتماعي وسياسي مرير، لأجل تخفيف الهيمنة الأحادية، وقد يؤدي لخلق مجال للتعددية.
ربما يكون رافضو «الثقافوية» أشد إيماناً بـ»العقلية العربية» من خصومهم، إذ يعتقدون بوجد «عقل» واحد فعلاً، يحسن عدم استفزازه، أو «التعالي عليه» والتركيز على الشروط مادية أو تاريخية، علّه يتغيّر في المستقبل، مع تغير تلك الشروط، فلا يستطيعون رؤية عمق الصراعات والانقسامات الاجتماعية في الجدالات التي يرونها «خاطئة» أو «مفتعلة» ومسيئة للشعب، أو العرب والمسلمين، أو أية هوية أحادية أخرى.
في حالات الحروب والاضطرابات الاجتماعية الكبرى، قد يصبح السؤال: كيف صرنا شعوباً وأمماً ودولاً وهويات أصلاً؟ وما التناقضات التي انبت عليها مفاهيمنا عن الذات؟ اعتبار أن كل تلك المفاهيم «طبيعية» وأن أحاديتها راسخة، والتساؤل عنها «ثقافوية» هو الإنكار الأكثر ابتذالاً للمجتمع والسياسة والتاريخ والاقتصاد، وأي مجال آخر يُفترض أنه «غير ثقافوي».

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية