القناع الأحدث لآلة الفوضى العالمية: أكثرُ من مجرد «ماسك»!

حجم الخط
6

بكل الصلف والغطرسة وسوء الخلق، يثير الصبي الثري، إيلون ماسك، كثيراً من المشاكل هذه الأيّام. إذ بدلاً من أن يقضي وقته في إدارة شركة تيسلا للسيارات الكهربائيّة أو إنفاق مزيد من المليارات على مشاريعه عديمة الفائدة لغزو الفضاء، ها هو يقتحم شاشات التلفزيون عبر العالم، كما وسائل التواصل الاجتماعي، مشعلاً صراعات مفتوحة – لا تخلو من الشتائم الرخيصة أحياناً – يطلقها عبر صفحة على تطبيق إكس (تويتر سابقاً)، الذي كان اشتراه قبل عامين بـ44 مليار دولار قبل أن تتراجع قيمته السوقيّة في عهده إلى نصف ذلك المبلغ.
صراعات ماسك لا تتعلق مباشرة بمصالح أعماله، بقدر ما هي مفتوحة على وسع المدى. فمن انتقاد رئيس الوزراء البريطاني الجديد كير ستارمر، ودعم تشنجات اليمينيين المتطرفين في المملكة المتحدة ضد المهاجرين، إلى اشتباك مع بروكسيل – مقر الاتحاد الأوروبي – حول قوانين النشر، مروراً بحرب معلنة على النظام الفنزويلي بعد التجديد لنيكولاس مادورو في رئاسة الجمهورية البوليفارية لست سنوات تالية. هذا بالطبع دون أن ننسى المعارك المفتوحة له مع المعلنين في الولايات المتحدة – الذين يريد أن يجبرهم على استخدام منصة إكس للترويج لبضائعهم – وأيضاً إحيائه حساب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على المنصة، بعد إيقافه لسنوات واستضافته في مقابلة شخصية حصرية عليها – فيما اعتبر دعماً مباشراً لحملة الرجل البرتقالي للعودة إلى البيت الأبيض في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني المقبل في مواجهة كاملا هاريس مرشحة الحزب الديمقراطي.

وسائل التواصل: زيت على النّار!

قد يظن البعض هذا العبث الماسكيّ مجرّد قرقعة فارغة، في وقت فراغ يتوفر لدى ثري آخر فاسداً، تصادف أنّه يمتلك واحدة من أهم مواقع التواصل الاجتماعي. لكن الحقيقة التي لا يراها الكثيرون أن هذا الرّجل ليس سوى آخر الأقنعة التي ارتدتها آلة فوضى ضخمة أمسكت بخنّاق البشريّة وتدفع بها إلى هاوية الكراهيّة والخراب. إن الدّور الذي تلعبه منصات إكس وفيسبوك وإنستغرام وواتساب ويوتيوب، في نشر المعلومات المضللة، والاتهامات الكاذبة، والحقد الطائفي والعرقي وإثارة النعرات – غالباً ضد الأقليات الأضعف – يكاد يصل، كما يقول ماكس فيشر في كتابه (آلة الفوضى)، إلى مستوى الشّراكة التامة في إبادات جماعية.
لقد استغلت هذه المنصات قدرتها الهائلة على الوصول إلى مليارات البشر عبر العالم لتجني الأرباح من خلال اللعب على أوتار المشاعر الإنسانية عبر تصميم اللوغاريتمات بصيغ تعزز التحزّب والانحياز، إذ أن الانقسامات في المجتمعات توسع من نطاق المتابعة والمشاركة، والتي من شأنها في المحصلة أن تزيد من مداخيل الإعلانات.
وبالطبع، فإن اللوغاريتمات مهما كانت ذكيّة وفاعلة فهي ليست اليد التي تُطلق النار وتقتل جسدياً، لكن هناك من الوقائع الموثقة ما يكفي للتدليل على دور شبكات التواصل في إثارة القلاقل التي ذهب ضحيتها أناس كثيرون، ما يشير إلى وجود بيئات محلية منقسمة أصلاً وعلى استعداد لابتلاع المعلومات المضللة، ما يمكّن هذه اللوغاريتمات من لعب دور صبّاب الزيت على النّار.

في بريطانيا: «إكس» لا ترعوي عن نشر السموم

في أعقاب حادثة مقتل ثلاث فتيات صغيرات في بلدة ساوثبورت الشمالية الغربية في إنكلترا، نشر مؤثرون يمينيو التوجهات على موقع إكس وشاركوا ادعاءات كاذبة، بأن المتهم بارتكاب الجريمة كان طالب لجوء مسلم وصل إلى بريطانيا على متن قارب – بينما كان في الواقع مسيحياً من أصول أفريقية ولد ونشأ في ويلز -. ثمّ عبر تطبيق «تيك توك» انطلقت دعوات – في بث حيّ ومباشر – للتجمع احتجاجاً، لتندلع أعمال شغب في خمسين نقطة على طول البلاد وعرضها، يقودها متطرفون هائجون أقدموا على إضرام النار في السيارات، والاعتداء على المسلمين، ونهب المتاجر، وإلقاء الزجاجات، كما هاجموا المساجد والفنادق التي تأوي طالبي اللجوء قبل أن تتصدى لهم قوات الأمن وتعتقل مئات منهم، وترسلهم إلى القضاء.
تحليل ما جرى أظهر أن دردشات جماعية يمينية متطرفة انتشرت عبر موقعي «تليغرام» و«واتس أب» لتشجيع المحتجين على استهداف المهاجرين – وبالذات المسلمين منهم – ومطاردة الجهات القانونية والأهلية التي تتولى مساعدتهم وسرعان ما تم تضخيم هذه الدعوات من قبل شخصيات يمينية متطرفة على موقع إكس – مثل أندرو تيت وتومي روبنسون – ليلتحق بركبهم الثري الفاسد ماسك، الذي زعم أن «الحرب الأهلية في بريطانيا أمر لا مفر منها»، وكرر سخريته من رئيس الوزراء من خلال اتهامه بمحاباة المسلمين والتعامل بلطف مع مظاهراتهم – المؤيدة لفلسطين – مقابل القمع الذي تعرضت له احتجاجات المتطرفين البيض اليمينيين، ليستمر تدفق سيول الادعاءات الكاذبة وخطابات التأجيج، حتى بعد أن نشر المسؤولون معلومات رسمية حول هوية المشتبه به.
لا شك أن التأسيس لمثل هذه الأجواء العنصرية في بريطانيا كان سابقاً على حصول الولد المدلل ماسك على لعبة تويتر – التي غير اسمها إلى إكس – وعملت حكومات متعاقبة على تغذية رصيد الجهل والتعصب والحقد على الآخر المختلف عند قطاعات عريضة من المجتمع البريطاني، لكن إكس وأخواتها منحت محترفي العنصرية البيضاء أدوات لتهييج هذه الكتل المغيبة ودفعها كما القطعان للتخريب وإثارة الفوضى والهلع.
ولم تستجب إكس لمطالبات من الحكومة البريطانية لإزالة منشورات اعتبرت تهديداً للأمن القومي أغلبها مزوّر ومضلل، ولعله ليس من قبيل الصدفة أن ماسك كان وراء استعادة تومي روبنسون كبير المشاغبين، ومؤسس الرابطة الإنكليزية المتطرفة إلى منصة إكس بعدما أوقف حسابه منذ سنوات لمخالفته تعليمات المنصة بشأن نشر مواد تحض على (الكراهيّة).

من أوروبا إلى أمريكا اللاتينية: إكس تثير زوابع الكراهية

اتهم الاتحاد الأوروبيّ الفرنسي تييري بريتون، أحد مفوضيه في بروكسيل بالخروج عن التعليمات، وذلك عندما أرسل خطاباً إلى إيلون ماسك هدده فيه بعقوبات إذ تبين أن المحتوى المنشور على منصة إكس يعرض مواطني الاتحاد الأوروبي لخطر «أضرار جسيمة». على أن مضمون الرسالة لم يأت من فراغ، وعكس مخاوف متزايدة في أوروبا بشأن انتشار المعلومات المضللة على منصة إكس واستعمالها من قبل المتطرفين في تأجيج المشاعر اليمينية المتطرفة داخل الاتحاد الأوروبي والعداء للأجانب. وكان رد الصبي الثري عبر إكس سوقياً، وبألفاظ نابية. ومن فنزويلا، اتهم نيكولاس مادورو، الرئيس الفائز لتوه بولاية رئاسية ثالثة، ماسك بتوظيف منصته للتحريض على الكراهية والأحقاد وأعمال العنف في مخالفة لقواعد المنصة ذاتها، وقال إن خصومه في المعارضة اليمينية اعتمدوا عليها لشن حملات تهديد لعائلات أتباعه وحلفائه السياسيين والعسكريين وضباط الشرطة، وتوليد مناخ من القلق العام في البلاد، ناهيك عن استخدام ماسك منصة إكس لكيل الشتائم للرئيس مادورو، الذي فاز في انتخابات رئاسية بعكس رغبة الولايات المتحدة بالخلاص منه. وقد أصدر مادورو تعليمات إلى شركات الاتصالات في البلاد لمنع الوصول إلى إكس عشرة أيّام.

واجهة شعبوية لهيمنة صبيان

ومع ذلك، فإن هذه الأدوار المشبوهة التي يقوم بها ماسك عبر منصته ليست في الواقع سوى أحدث واجهة شعبوية لهيمنة صبيان أثرياء فاسدين جمعوا الجهل إلى الغطرسة، وأصبحوا يعتقدون بأنهم آلهة من دون الله سيعيدون تشكيل التجربة البشرية برمتها.
لقد كتب مارك زوكربرغ، في 2017، مقالاً قال فيه بوضوح إن صناعة التكنولوجيا سوف تكون مسؤولة عن الخطوة التالية التي تتخذها البشرية؛ وإن منصة «فيسبوك» ستوفر البنية الأساسية الاجتماعية لمرحلة جديدة من العلاقات البشرية.
وهذا الآخر، ماسك، يريد إشعال الكوكب بنيران التّطرفات. وما لم يتداركنا العقلاء، فسيمضي هؤلاء الصبية في مسيرتهم المغمسة بأسوأ ما في الجنس البشري من أحقاد.

 إعلامية وكاتبة لبنانية – لندن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية