بيروت – “القدس العربي” : “مستشفى الشفاء: جرائم مدفونة” وثائقي من انتاج منصة الجزيرة 360. شهادات مروعة لناجين تروي أفعال “الجيش الأكثر أخلاقية في المنطقة”. جيش جاء باحثاً عن أنفاق حماس تحت الشفاء. عاث فيه تخريباً وتدميراً وحرقاً لأربعة عشر يوماً من شهر اذار/ مارس. دليله الوحيد حصّله بالتهديد والترغيب. ابتزّوا أباً بإبنه المعتقل. سجّل مرغماً ما أملوه عليه. وفشلوا في استدراج الممرضات إلى تلك الفعلة.
“مستشفى الشفاء: جرائم مدفونة” صوِّر في مكان الجريمة، ومع شهود من العاملين فيه وجيرانه. كاميرا واحدة سجّلت جريمة غير مسبوقة في التاريخ، في وثائقي أخرجه عبادة البغدادي. فيلم يشكّل واحدة من الوثائق والشهادات ويؤمل رفعه إلى المحاكم الدولية.
جريمة بدأت لدى اعلان المستشفى منطقة عسكرية محاصرة عبر مكبرات الصوت. وراحت الأوامر تصدر تباعاً. تجميع كافة المرضى في صالات الإستقبال، حتى من يحتاجون للعناية والتنفّس الإصطناعي. اخلاء هذا القسم ثم ذاك. تهشيم وتكسير كل ما يمرون عليه. منع العاملين من الإطلالة على الخارج بتهديد من القنّاص. جمع الرجال في مكان واحد. اجبارهم على خلع ملابسهم حتى الداخلية. تكبيلهم. عصب عيونهم.
شهادات من داخل مجمع الشفاء الكبير وباحاته الواسعة أدلى به ممرضون، وأهل مرضى، وجيران. ممارسات جنود تؤكد أنهم لم يتدرّبوا على القتال، فهم عاجزون عنه، بل على استدراج شهوة الدماء. وكلما حققوها باتوا بنشدون المزيد.. وإلى ما لا نهاية كما هو حاصل الآن في غزّة.
شهادات مروعة عن التعامل مع الجثامين. استشهد عشرات م المرضى والممرضين خلال الحصار. سمح العدو بدفنها وحدد المكان في باحة الشفاء. نُفّذت المهمة وسط ضغط ومراقبة. ومع انكفاء من أنجزوها إلى داخل المستشفى بدأ اطلاق الرصاص على المقبرة المستجدة. وسارعت دبابة لتدوس المكان في أكثر من إتجاه. واستكملت جرّافة الإنتقام من الجثامين فبعثرتهم اشلاء، وتركت الكلاب والقطط تنهشهم. يقول معتقل بأنه أجبر مع آخرين على الركوع حيث كانت الجثامين “دمهم ورائحتهم في المكان. إشي كتير حساس”. قالها بقلب منقبض.
الممرضة التي ظهرت في الوثائقي روت تفاصيل الرعب الذي بثّه حوالى 50 جندياً وعشر مجندات في المكان، وعدم اعفاء المرضى المتعبين من التحقيق. لكنها توقفت بألم عند اجبار المعتقلين على نزع سراويلهم الداخلية بجوار المعتقلات. ووصفته ب “الإعدام النفسي للرجال”.
في وثائقي “مستشفى الشفاء: جرائم مدفونة” كان للجثامين التي داستها الدبابات حضور بالصورة وليس بالوصف فقط. جثامين بالملابس تحولت لما يشبه الألواح الرقيقة. لم يعد للوجوه ملامح، ولم يتمكن أحد من التعرّف إلى حبيب أو قريب. يقول شاهد من العاملين في المستشفى حين أخبروه بوجود جثة أبيه: “ما بيشبهو.. ابوي كان ناصح ومنظروا حلو.. مش أبوي.. مش كامل كمان”.
تحولت ساحة المجمّع الطبي إلى ما يشبه المظاهرة بعد انسحاب الجناة. كلٍ جاء يبحث عن مفقود أو لمعاينة جريمة العصر، التي جرت على الهواء مباشرة.. والعالم يتفرّج مجاناً.. وبصمت.
هكذا يحتلّ هذا الوثائقي وظيفته كشهادة من لحم ودم ومشاعر لتوضع بتصرف الحقوقيين والمحكام الدولية، وبتصرّف كتّاب التاريخ وموثقي جرائم الكيان الصهيوني.
المشاهد التي وصلتنا من داخل الشفاء تختزن الكثير من الحكايات التي ما تزال مبعثرة ومنتشرة مع اصحابها المشردين في القطاع. حكايات تخلص إلى مزيد من الأفلام التسجيلية التي تروي آخر ابتكارات الإجرام الصهيوني. خاصة وأن الوثائقي حمل تعبير “جرائم مدفونة”، ووجوب تظيهرها رسالة.
ففي العدوان على غزّة لم يعد العمل الصحفي الذي يتابعه زملاء ابطال استشهد من بينهم أكثر من 165 صحفي وصحفية ومصور، مهنة اخبارية اعلامية وحسب. بل بات شاهداً وشهيداً على جرائم متمادية يرغب الغزاة بطمس معالمها.
وثائقي “مستشفى الشفاء: جرائم مدفونة”عرض في مسرح المدينة بتنظيم مشترك بين الجزيرة 360 ومبادرة حسن الجوار في الجامعة الأمركية في بيروت. حيث كان ترحيب مميز بسفير اسبانيا في لبنان كونها من الدول الأوروبية القليلة التي أدانت وتدين جرائم الصهاينة. قدمت للوثائقي سارة خازم من “منصة الجزيرة 360” الجديدة، وهي من نوع OTT وهي خدمة تتيح المشاهدة عند الطلب عبر شبكة الإنترنيت. ووصفتها بأنها تتيح المشاهدة بلا قيود، وتحرر من التضييق الحاصل على يوتيوب، وستنطلق قريباً. وأكدت بأن هذه المنصة ستحمل الرسالة التي ضحى من أجلها “الزملاء الشهداء في قناة الجزيرة”. ولفتت إلى تعرّض المزيد من “الزملاء للتهديد”.
وبعد عرض الوثائقي استمع الحضور الحاشد في المسرح إلى كلمة مسجّلة لمدير مستشفى الشفاء الدكتور محمد أبو سلمية الذي اعتقل في نوفمبر/تشرين الثاني من العام 2023، وأفرج عنه في الأول من يونيو حزيران 2024. والذي وصف مستشفى الشفاء بأنه شاهد “على جبن الإنسانية لأنها لم تتدخل لوقف المجزرة”.
وكان حوار تولت إدارته سارة خازم مع الدكتور غسان أبو ستة الذي استخلص من عبث الصهاينة بالمستشفى على مدار 14 يوماً التالي: كان ضرورياً أن يَهزم الصهيوني مستشفى الشفاء، ليعلن انتصاره على القطاع الصحي. وتحويل الشفاء من حيز للشفاء إلى حيز للموت.