حرارة آب تحرق الغزيين في المنازل وخيام النزوح.. وإطفاء الظمأ بالماء البارد يكلف مالا وجهدا

أشرف الهور
حجم الخط
0

غزة – “القدس العربي”:

أمثلة كثيرة يطلقها الفلسطينيون كغيرهم من العرب على هذا الشهر أغسطس\ آب، بسبب ارتفاع درجة حرارته، ومنها “آب اللهاب”، غير أن ظروف الحرب الحالية جعلت من حياتهم في هذا الشهر جحيما، إذ يشبه المواطنون سكنهم داخل منازلهم أو خيام النزوح، بالسكن داخل الأفران، بسبب انقطاع التيار الكهربائي منذ بداية الحرب، وافتقار كل وسائل التهوية، وبات حلم الكثير منهم هو الحصول على شربة ماء باردة، رغم ما تكلفه من جهد ومال.

معاناة سكن الخيام

فتح أسقف المنازل سواء الأسمنتية او تلك التي يعلوها سقف من “الزينكو”، أو في خيام النزوح، يشعر ولو بدرجات متفاوتة السكان بارتفاع درجات الحرارة، فلا مراوح ولا مكيفات تبرد حرارة الجو.

ولم يجد إبراهيم أبو السعيد، النازح من مدينة غزة، والذي يقطن في “معسكر خيام” مع عدد كبير من النازحين وسط مخيم النصيرات، لا هو ولا أفراد أسرته من النساء، إمكانية لتخفيف ملابسهم، على خلاف العادة، فهذا الرجل في حديثه مع “القدس العربي”، شرح مأساة النزوح في الصيف، وقال إنها لم تكن أفضل من أجواء الشتاء والبرد، ودخول المياه وقتها إلى الخيام.

ويقول “طول اليوم نبحث عن ظل الخيمة، ونتنقل من مكان لمكان ونحن في الخارج، بعد أن نرفع جوانب الخيام للتهوية على من بداخلها”، ويضيف “حتى أن تصنع لنفسك مروحة من قطع الكرتون أو من صوان بلاستيكية للتهوية، فهو أمر صعب أيضا”، ويقول هذا الرجل إن هذا الأمر يحتاج منه أن يواصل تحريك ذراعه على مدار الساعة، وهو ما لا يقدر عليه، ويتابع “العرق يبدأ بالتصبب بعد وقف الحركة مباشرة”.

ولا يطيق هذا الرجل كغيره من النازحين المكوث داخل الخيمة نهارا، ويشتكي أيضا من حرها ليلا، حين يضطر لدخولها للنوم.

وفي النهار يصبح من هو بداخل الخيمة، كمن يتواجد داخل “حمام ساونا”، أو من يعمل داخل فرن، فالعرق في الخيام يتصبب بشكل كبير، وهو ما يشعر فيه أيضا وبدرجة أخف من يبحث عن ظل الخيمة، كما يعاني من ذلك السكان داخل المنازل، لعدم توفر الكهرباء التي كان السكان يعتمدون عليها في تشغيل أجهزة التهوية والتبريد.

ويشرح ذلك عبد الرحمن أبو يوسف، الذي قال لـ “القدس العربي”، إن أسرته تتجمع في غرفة واحدة في المنزل، لها نافذتان، إحداهما تطل على الجهة الغربية وأخرى على الجهة الشمالية، لكن هذا الرجل قال إن “تكتيم الجو”، وهو مصطلح يطلقه سكان غزة على توقف تيارات الهواء، يحول الحياة إلى كابوس آخر فوق كابوس الحرب.

شرب الماء البارد

لكن أكثر ما كان يراود السكان سواء النازحين المقيمين داخل الخيام، أو أولئك الذين يعيشون في منازلهم، هو شرب الماء البارد، وبات الحصول على شربة الماء الباردة أمرا يحتاج إلى جهد ومال، كما هو الأمر حين يجلب السكان الماء الصالح للشرب إلى سكنهم، ففي مرحلة جلب الماء، يحتاج السكان للاصطفاف بطوابير طويلة أمام محطة التحلية، أو بجوار شاحنات تحمل خزانات كبيرة محملة بالماء المخصص للشرب.

ويقول معاذ وهو شاب يعمل حاليا في توليد الطاقة من الخلايا الشمسية، إن ثلاجة الماء التي يقوم بتشغيلها لتبريد زجاجات المياه للسكان، لا تلبي كل الطلبات، وإنه يكتفي بأخذ سعة الأدراج المخصصة لحمل الزجاجات، ويعتذر بعد ذلك عن استقبال أي جديد منها.

ويحصل هذا الشاب على ثمن شيكل واحد (الدولار يساوي نحو 3.75 شيكل)، مقابل كل زجاجة، توضع في الثلاجة لمدة تصل في بعض الأحيان إلى ثلاث أو أربع ساعات متتالية.

ولذلك يكون الحصول على شربة الماء البارد وهي فعليا حلم لجميع السكان الذين يعانون حرارة الصيف، أمرا ليس سهلا، إذ يحتاج الأمر إلى الوصول مبكرا إلى المكان المخصص للتبريد، لحجز مكان ودفع الثمن مقابل كل زجاجة.

ويقول محمد صالح، وهو شاب يحمل يوميا عند الظهر إلى مكان قريب من سكنه زجاجتين سعة الواحدة منهما لتر ونصف، ويعود في ساعات المساء لأخذها للمنزل، إن عائلته تقبل على شرب هذه الكمية مباشرة، فبقائها لدقائق معدودة في هذا الجو بلا ثلاجة يجعلها تشابه المياه العادية التي يقول عنها إن شرب الكثير منها لا يطفئ عطش الصيف، ويشير إلى أن شرب كمية هذه الماء الباردة يكون في غضون خمس دقائق في أحسن الأحوال، حين تتجمع أسرته لتناول كوب بعد الآخر، ويشير إلى أنه في بعض الأيام يصل دون أن يقدر على حجز مكان لزجاجته.

مشاريع لجلب المال

ويتزاحم الكثير من السكان والنازحين، للوصول مبكرا إلى أماكن توليد الطاقة لحجز مكان لزجاجات مياههم، من أجل الحصول على شربة ماء باردة تطفئ لهيب آب، إذ يقول المواطنون إنهم لا يشعرون بارتواء الماء، في هذه الأجواء إلا حين يكون باردا، خاصة من هم يعانون من ارتفاع ضغط الدم، والذين تسوء حالتهم أكثر في فصل الصيف.

ومن أجل الحصول على ماء بارد، لمن لا يملك مالا لتثليجه، أو لا يوجد على مقربة منه مكان للتبريد، عاد السكان لاتباع طرق تقليدية قديمة، حتى إن بعضهم قان بتوثيقها على مواقع التواصل الاجتماعي.

ويقوم الكثير من السكان بحفر حفرة في الأرض، تكون تحت الظل وبعيدة عن أشعة الشمس، ومن ثم يجري وضع زجاجة الماء بها، ووضع الرمل مجددا عليها، وعلى أعلى الحفرة بعد ردمها يجري وضع علامة لمعرفة المكان.

ويعود السكان بعد مرور عدة ساعات لحفر المكان، وإخراج زجاجة الماء من جديد، وبعد تنظيفها من التراب يجري شربها.

ويقول أحد الشبان الذين طبقوا هذه الفكرة، إن حرارة الماء بهذه الطريقة البدائية تنخفض قليلا، لكنها لا تكون كالماء البارد الذي اعتاد على شربه قبل الحرب في فصل الصيف.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية