في التاسع عشر من آب/اغسطس 2023 صدر قرار بالعفو الرئاسي عن الناشط السياسي أحمد دومة أحد أبرز رموز ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011 التي أطاحت بالرئيس الأسبق محمد حسني مبارك.
في ذكرى مرور عام على خروجه من السجن بعد قضائه فترة تخطت الـ 10 أعوام داخل السجون، يتحدث دومة في حواره لـ«القدس العربي» عن فترة سجنه وموقفه من الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.
دومة قال إن انهزام الثورة جاء مع لحظة إعلان تنحي مبارك وتولي المجلس العسكري المسؤولية، وإن كل التحركات التي تلت هذه اللحظة، كانت من سبيل إنكار الهزيمة أو محاولة الإنعاش. وعن موقفه من الحوار الوطني، قال دومة إنه أرسل 8 ورقات من داخل السجن أكد فيها رفضه المشاركة في الحوار الوطني (على هذه الصورة الحاصلة) رغم أنه كان أحد الأسماء المتوقع الإفراج عنها بناء على مخرجاته معتبرا أن الأمر لا يعدو مساومة على رهائن، رافضا أيضا المشاركة في أي انتخابات بالتنسيق مع السلطة. وإلى نص الحوار
○ تعرضت للسجن أكثر من مرة، متى شعرت أن المرة الأخيرة مختلفة وسيطول بقاؤك داخل السجن؟
• قبل أن تبدأ، وقبلها بوقت ليس بقليل ربما بأسابيع، كان الجميع يعلم سواء في السلطة أو الثورة، أن هناك حملة اعتقالات مرتقبة تهدف تصفية واسعة للمعارضة ولقوى الثورة بجانب الإسلاميين، وكنت قد خرجت من السجن بعد رحيل الرئيس الأسبق محمد مرسي حيث كنت محبوسا بتهمة إهانة رئيس الجمهورية، ومن أخرجني توقع أن أكون جزءا من السلطة الجديدة باعتباري كنت إسما لامعا في معارضتي لجماعة الإخوان، واعتبر أن الأزمة دائمًا مصدرها خلل التصورات عن علاقتنا بالسلطة وعلاقتها بنا، وتوقّعاتها منّا لمجرّد الإفراج عنا مثلا، وهذا حدث مع كثيرين، ووقتها فوجئت السلطة أن هذا لن يحدث، ومن فكر في ذلك كان يجهل من أنا، ولم يقرأ حتى التقارير الأمنية التي كتبت بحقي، وبدى الأمر بعد الخروج من المعتقل، أن العلاقة معي ليست كما تصورتها السلطة أو أحد أجهزتها، لكنها أيضا لم تكن السلطة لديها قرار كيف ستديرها أو تحسمها، حتى جاءت مواقف بعينها حسمت الأمر، مثل إقرار قانون التظاهر ومناقشة مواد المحاكمات العسكرية في الدستور وعمليات الاعتقال التي طالت الكثيرين، والإصرار على خطاب ثورة يناير والموقف الحاسم من ترشح الفريق عبدالفتاح السيسي من الانتخابات، ووقتها كنت أحرض الناس على النزول إلى الشارع لمواجهة مثل هذه الأمور، وهنا تلقيت رسالة من كبار المسؤولين الأمنيين يطالبوني بالسفر أنا وزوجتي، وعلى مدار 10 أيام تقريبا تلقيت العديد من الرسائل، مفادها أن علي السفر لأن هناك حملة واسعة وستطول فترة الاعتقال ولن تكون مثل المرات السابقة، حتى في الليلة التي ألقي القبض علي فيها، تلقيت مكالمة طالبتني بعدم العودة إلى المنزل والتوجه إلى المطار وأنهم سيحضرون زوجتي إلى المطار، لكني رفضت، وطلبت أن لا يقتحم المنزل وأنه حال وفاة أبي أو أمي سأخرج لتلقي العزاء، لكن بعد إلقاء القبض علينا، تخلينا بسذاجة في البداية، أن الأمر سيستغرق أشهرا حتى تسيطر السلطة ويستتب لها الأمر، وما شجع هذا الاعتقاد أن السلطة كانت توهم الناس أن هناك نقاشا حول قضية المعتقلين، وأن ربما تشهد البلد انفراجة ويتم إطلاق سراح المعتقلين، ما ثبت زيفه سريعا، وأدركنا أن الأمر محسوم، وإن هناك أشخاصا بعينهم لن يتم الإفراج عنهم مثلي ومثل علاء عبدالفتاح، وتلقينا رسائل من السلطة داخل السجن إننا سنبقى في السجن ما بقوا في السلطة، وقد صدر ضدي أول حكم بعد 3 شهور، وكان ذلك حسما لأي حوار حول خروجنا من السجن، ثم صدر ضدي حكم بالسجن المؤبد.
○ كيف تمت معاملتك داخل السجن؟
• قضيت 7 سنوات ونصف في الحبس الانفرادي، من اللحظة الأولى لدخولي المعتقل في 3 كانون الأول/ديسمبر 2013 وأنا في زنزانة انفرادي، وتعرضت خلال سنوات الاعتقال العشر للعديد من جرائم التعذيب والاعتداء والمنع والتنكيل ومنع الرعاية الطبية قسرا، كما الحرمان من الحقوق الأساسية كالدراسة أو الرسائل والتريض وغيرها من الحقوق لفترات طويلة.
في البداية كانت الزنزانة في عنبر مع أصدقائي مثل علاء عبدالفتاح وأحمد ماهر ومحمد عادل، ثم بعد أن قررنا الإضراب في حملة «جبنا آخرنا» عام 2014 الذي استمر فترة طويلة وأصبت خلاله بنزيف وتم نقلي إلى مستشفى القصر العيني وعدت إلى سجن طرة تحقيق في زنزانة انفرادي لكن هذه المرة في عنبر جنائي بالكامل كنوع من أنواع التكدير والعقوبات الداخلية ومنها أن يتم احتجازك في مكان غير تصنيفك، وأقمنا دعاوى قضائية ضد الحبس الانفرادي ولم نحصل على حكم حتى الآن، وما زلت حتى أحاول علاج الآثار النفسية والصحية للحبس الانفرادي، وهناك الآلاف من المعتقلين السياسيين الذين يخضعون للحبس الانفرادي منذ سنوات وهذه جريمة بموجب القانون المصري، وبعضهم محرمون من الزيارة والتريض أو تلقي الرسائل أو الكتب أوالمذياع لمعرفة الأخبار، وهذه جريمة يجب أن تتوقف.
○ هل توقعت صدور عفو رئاسي بحقك؟
• يجب ألا ننسى صدور القرار بعد عشر سنين من الاعتقال، وما جرى خلالها من انتهاكات، وأن هذه كانت جريمة بحقّنا وتصحيحها واجب.
ونعم توقعت القرار لكن ليس لأسباب استثنائية، لأن قبل صدور القرار بعامين، كانت هناك نقاشات مباشرة بين مجموعة من الأساتذة والرفاق مع السلطة كان على رأسهم حمدين صباحي وخالد يوسف وحسام مؤنس وغيرهم من السياسيين والحقوقيين وكان هناك جهد مختلف يبذل هذه المرة وبدا أن الدولة لديها قرار لإجراء حوار وطني واستراتيجية لحقوق الإنسان، التي أراها جريا في المكان بالمناسبة، وكان هناك ناس دورهم مهم في هذه اللحظة، وهؤلاء قرروا أن يحصلوا على عدد من الإفراجات عن معتقلين، ولحسن الحظ وبسبب الجهود التي بذلت، واستجابة جهة ما كان قرار العفو، وكانت لدينا مقدمات كثيرة عنه، وحسب فهمي هو جاء في وقت متأخر عما كان يجب أن يصدر، فبعد أن منح الأصدقاء كلمة بأنني سأخرج مر عام كامل قبل صدور القرار.
○ بعد دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي للحوار الوطني، انقسمت المعارضة بين مؤيد ورافض لخوض الحوار، ما موقفك منه؟
• ربما يكون هذا مفاجئا، أنا أرسلت 8 ورقات وأنا في السجن للأصدقاء الذين عرفت أنهم مشاركون سواء بالعضوية في مجلس أمناء الحوار أو هم مشاركون في جلساته بموقفي من الحوار الوطني، وأنا أعرف أنني أحد مخرجاته المتوقعة، وقلت بوضوح إن الحوار يستوجب أن يكون بين ندين متكافئين وما أفهمه أن هذا الحوار بين السلطة والمعارضة، والسلطة لم تحضر من البداية وأرسلت مندوبين عنها، وهذا شيء مخجل، وهذا يشرح كيف تنظر السلطة للمعارضة، إضافة لأن جدية الادعاء كانت تستوجب وقف الانتهاكات اليومية بحق الناس سواء باعتقالهم أو منعهم وإخفاءهم قسريّا وتعذيبهم ومصادرة الكتب وحظر المواقع الإلكترونية ومنع الأحزاب من ممارسة نشاطها، إلى آخر القائمة التي لا تنتهي، وفي اللحظة التي أعلنت فيها السلطة الحوار الوطني وتدشين الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، كانت هذه الفترة هي الأفظع على المعتقلين وأسرهم في العشر سنوات الماضية، كما أنه بمقارنة عدد قرارات إخلاء السبيل التي كانت تصدر من المحاكم والنيابات قبل وبعد إعلان الحوار الوطني، سنجد أن هذه الفترة شهدت انحسارا في خروج المعتقلين، بعد أن بات الأمر كله في يد جهة بعينها وتتم المساومة بالاسم، في إطار خطة للحصول على ثمن من المعارضة لكل شخص يتم الإفراج عنه.
ما يجري ليس حوارا وإنما مساومة على رهائن، ورغم رفضي، إلا أنني أقدر وأتفهم الدور الذي يلعبه زملاء وأساتذة ورفاق وسياسيون وحقوقيون من خلال المشاركة رغم أننا نعرف أنها أكذوبة ومساومة تحت رغبة في الإفراج عن بعض المعتقلين.
وربما كان أكرم لنا أن لا نشارك ونعلن موقفا جماعيا أن على السلطة أن توقف الاعتقال والاختفاء القسري وقبلها التوقف عن التفريط في البلد ومقدّراتها وقرارها ثم نتحدث، وأثناء انعقاد جلسات الحوار الوطني يتم القبض على صحافيين وسياسيين، واعتقادي أن السلطة ليست جادة ولن تفرط في ملف المعتقلين لأنه ملف سيتم مساومة المعارضة به والتحايل على الخارج بذلك؛ ليست مصادفة أن تتم الصحوة في ملف الحبس الاحتياطي بالتزامن مع المراجعة الدورية لملف مصر الحقوقي، مثلاً، وكأن الأزمة تكمن في نصوص القانون وليست في ممارسات السلطة.
○ هل الأزمة في مصر أزمة سلطة فقط أم أن ضعف المعارضة جزء من الأزمة؟
• الأزمة ليست أزمة سلطة فقط، وإن كان السبب الرئيسي في الأزمة ومصدر وجودها هو السلطة بدون نقاش، ومستحيل أن نساوي أو نقارب دور السلطة في الأزمة بدور المعارضة خاصة في العشر سنوات الماضية، المعارضة ليست مؤثرة على الإطلاق، خاصة في هذه المرحلة، ولأسباب أهمها القمع وإغلاق النوافذ، والسؤال هل لنا دور في الأزمة، يقينا نعم، بقدر الوعي بحجم الخلل والقصور لدينا يجب أن يكون الوعي بحجمنا وتأثيرنا، خاصة في هذه اللحظة التي يكاد يكون منعدما، وإذا كان علينا أن نبحث تطوير أدواتنا، فيجب الإشارة إلى ان السلطة أغلقت المجال العام تماما، فإذا جلسنا غدا لمناقشة الأزمة السياسية في مصر ودورنا وكيفية تطويره سيتم القبض علينا، ولنا في ذلك ما تعرض له الرفاق الذين حاولوا تدشين جبهة لخوض الانتخابات وتم القبض عليهم فيما عرف بـ«خلية الأمل» وإذا أقام حزب ندوة يتم اختطاف المتحدث فيها كما حدث مع المهندس يحيى حسين عبد الهادي، ومن يقرر خوض الانتخابات يسجن كأحمد الطنطاوي، كل فعل أو ممارسة أو قول فيه شبهة سياسية يتم الإجهاز عليه، فالسلطة تدرك أن البلد على وشك الانفجار، فتزيد من الإغلاق والقمع، ما سيعجل بالانفجار، وفي النهاية لا أجرؤ أن أقول إن هناك معارضة أو تيار ثورة في مصر في هذه اللحظة، هناك أداءات منفردة تجامل السلطة أكثر ما تنحاز لقضاياها الحقيقية.
وأرى أن الخلل الرئيسي في أن المعارضة لا تعرف ماذا تريد، هل تريد تغييرا أم إصلاحا، لان الإجابة على هذا السؤال هو ما سيحدد علاقتها بالسلطة، إما أن تواجهها بأنها سبب الأزمة أو تدخل حوارا معاها وتشارك في الانتخابات.
○ هل أنت مع خوض الانتخابات البرلمانية المقبلة؟
• السؤال لماذا تخوض الانتخابات، إذا كنت ستخوضها لتعلن موقفك وخطابك، سأوافق بشرط وحيد أن لا يكون باتفاق مع السلطة، تخوض معركة بغرض النجاح، وإذا استطعت أن تمرر أعضاء بقوة الناس وأصواتهم وأن تعلن مواقف ورفضك للسياسات وتردد خطابك وتستغل هذه المساحة في معركة سياسية جادة وحقيقية تحترم الناس التي ستعطيك أصواتها إذ لا يصح في رأيي أن نكون جزءًا من مشهد مسرحي لغسل وجه السلطة وتنظيف ساحتها، طوال الوقت كنا نعيب على الإخوان انهم كانوا لا يشاركون في مظاهرات إلا باتفاق على الهتافات مع الأجهزة الأمنية، وإذا حاولنا ترديد هتافات ضد السلطة كانوا يعتدون علينا، فهل يحق لنا الآن أن نكرر نفس الخطأ في الانتخابات، هل يصح أن ندخل البرلمان باتفاق؟ هذا في رأيي خديعة للناس ولجمهورك الضيق من شباب الثورة، وفي النهاية أداء الأدوار المرسومة من السلطة مسبقا لا يصح مطلقا حتى لو كانت أدوارا خيرة وحتى لو كانت ستفتح مساحة في هذا البلد أو حتى ستكون نتيجتها الإفراج عن بعض المعتقلين، لأنّه سيبدو كنقطة جيدة في محيط من البشاعة، لا تناقضها إنما تشارك في ترسيخها.
○ دفعت الضريبة الأكبر بين رموز ثورة 25 يناير، كيف تقيم نتائج الثورة بعد مرور 13 سنة من اندلاعها؟
• لدي خلاف مع توصيف الضريبة الأكبر وهذا ليس تهوينا في سنوات السجن. فأنا خرجت من السجن قبل عام ولم أعالج حتى الآن مما أصبت به نفسيا أو عضويا ولا أظن أني أو من تعرض للسجن سنعالج هذه الآثار في المستقبل القريب، كل ما أفعله هو محاولة وقف الانزلاق أكثر من ذلك، وأعرف جيدا الخسارات التي تعرضت لها وقيمتها ليس فقط ما تمثل فيما فقدت من أهل وأصدقاء خلال تواجدي في السجن أو خسارتي لزوجتي، لكن فقدان أشياء منك بمعنى التشظي، لكن كل هذه المأساة لا تساوي شيئا أمام هزيمة الثورة، وهزيمتنا في حلم العمر، فأنا لا أعرف خسارة في حياتي بجانب الإبادة التي نشهدها في غزة أكبر من خسارتي في يناير، وعلى قدر الحلم يكون المكسب أو الخسارة وكلنا أصبنا باللعنة ولا أعتقد أن أحدا نجا من هذا الجيل سواء بالسجن أو حتى الجنون أو انعزال الحياة، ومن كان متمسكا بالأمل جاءت الإبادة في غزة لتقضي عليه، وهذا يحيلنا بالطبع لسؤال هل هزمت الثورة؟ بالطبع هزمت، وأتذكر حوارا دار بيني وبين الرفيق خالد السيد على منصة القوى الثورية في ميدان التحرير لحظة إعلان تنحي مبارك، هو يقول إن الثورة هزمت وإن المجلس العسكري مسك بكل شيء وأنا أقول له اترك الناس تفرح حتى نتمكن بعد ذلك من تحذريهم من ما هو قادم، وبالتالي نحن أدركنا هزيمة الثورة لحظة تنحي مبارك ونقل السلطة للمجلس العسكري، وكل ما جرى بعد ذلك من محاولات في الشارع من مظاهرات وتحريض كان إما إنكارا للهزمية أو محاولة لإنعاش الثورة، وأنا أرى أنه تصرف إنساني جدا بغض النظر عن الرأي القائل بأنه مثل استنزافا لجهود كان يمكن ادخارها للحظة يمكن أن تأتي بتأثير.
والرد الواقعي على السؤال الثورة هزمت، لكل الثورات كما أعرفها أو أؤمن بها على الأقل في هذه اللحظة من حياتي، إن الثورات لا تقوم لتنتصر أصلا، إنما الإنسان يفعل ذلك لأن هذا دوره بغض النظر عن المآلات والجهوزيّة والعدد والقدرة والإمكان، أن يقاوم الظلم ويحرض على الثورة والتغيير وتحقيق العدل، والهزيمة الوحيدة أن يستسلم الإنسان ويسلم أدواته أو ينضم لمعسكر السلطة وفي النهاية يمكن القول إننا هزمنا ولم تهزم الثورة، فالثورة لن تهزم طالما هناك من يؤمن بأفكارها ويسعى لتحقيقها ويبشّر بها ويحرّض عليها.
○ أنت تعيد قراءة ما حدث في 30 يونيو 2013 فما النتائج التي توصلت إليها؟
• انطلاقي من موقفي ليس مرتبطا بـ30 يونيو 2013 لكن ما جرى بعد ذلك وتحديدا أتحدث عن مذبحة رابعة، وهذا سببه شخصي جدا لأن موقفي من المذبحة كان فاضحا على أهون تقدير، ومصطدما بكل ما اعتقدت فيه في حياتي، بأني أؤمن سياسيا وإنسانيا بالانحياز لكل مظلوم والوقوف معه ضد كل ظالم، لكن في هذه اللحظة وبسبب سجني في عهد الإخوان والخلافات معهم والاعتداءات التي تعرضت لها حركت موقفا مختلفا تماما عن كل ما أعتقد به، وهذا بالنسبة لي شيء مخيف، كيف يمكن للإنسان في مثل هذا الاختبار أن يناقض نفسه، وأنا ظللت لمدة سنوات في السجن أفكر.
لكن طوال الوقت أضع حدا فاصلا بين 30 يونيو و3 يوليو، كنت وما زلت أرى 30 يونيو حراكا شعبيا رافضا للإخوان سلوكا ووجودا وكان سيحدث وأسبابه الموضوعية موجودة بدون نقاش، تم تضخيمها من قبل السلطة لكن القوام الرئيسي كان شعبيا، أما 3 يوليو فاتعامل معها باعتبارها انقلابا على الثورة، لأن الناس عندما وقعت على استمارة تمرد وخرجت في 30 يونيو كانت تطالب بانتخابات رئاسية مبكرة، وكان الاتفاق الأول كما أعرف ويعرف كل من شارك في الاجتماعات وأنا لم اكن منهم لأنني كنت في السجن، أن كل من سيشارك في هذا الفعل لن يسمح له بخوض انتخابات أو تقلد أي منصب لمدة 10 سنوات، وهو ما انقلب عليه الجميع، وبالتالي ما حدث في 30 يوليو هو انقلاب على 30 يونيو وإرادة الناس، وأرفض كل تحميل من شارك في 30 يونيو نتائج 3 يوليو، وإلا نقبل بمن يقول إن 25 يناير أتت بالإخوان، والحقيقة أن الإخوان باعوا يناير من أجل السلطة، وبالتالي أنفي عن كل من خرج رفضا للإخوان كل جريمة حدثت بعد 3 يوليو، لكن هذا يحيلني لسؤال هل كان تيار ثورة يناير مـؤثرا في مسار 30 يونيو وقادرا على إدارته؟ الإجابة قطعيا لا، كنا على الهامش ولم يكن صوتنا حتى مسموعا لقواعدنا، لأن التيار كان منقسما على بعضه، والمؤسف في الأمر أنني أرى أنه لو تكررت ثورة يناير وما بعد يناير بنفس الأداءات سنصل لنفس النتيجة.
○ أزمة ديوان كيرلي ومنعه من النشر، هل تراه في سياق التضييق عليك بعد خروجك من السجن؟
• هناك توجه أمني بالتضييق على كلّ من خرج من المعتقل، كجزء من التضييق العام، إما دفعا للصدام لإعادتهم ثانية، أو لغلق الباب أمام بقية المعتقلين، أو حتى استمرارا لمحاولات التركيع الذي تنتهجه الأجهزة بحق جيل يناير.
وتخيل أن مجموعة من الأصدقاء ممن اعتادوا تنظيم عيد ميلادي أثناء وجودي في السجن حاولوا حجز مكان للاحتفال بعيد ميلادي فالأمن ألغى الحجز، كتبت أني لم أكن أتصور في أسوأ كوابيسي على الإطلاق في أن يكون ذلك شكل الحرية، الخروج من السجن في حد ذاته شيء مهم وعظيم بلا أدنى شك، لكني أنظر للحدود الدنيا للأشياء وربما تكون هذه مشكلتي في الحياة ومشكلتي مع هذه السلطة، وكان لدي تصور للحرية بعد خروجي من السجن، وأول خطوات هذا التصور هو السفر للتعافي وهي رحلة قدرتها بعامين للعلاج وتحضير الماجستير، وأحبط هذا التصور، لم يسمح لي باستخراج أوراقي، ولم أتمكن من استكمال دراستي العليا أو العمل بسبب غياب الأوراق، وتم منع نشر ديوان كيرلي ولدى عدد من الكتب كتبتها داخل السجن لا أستطيع نشرها، وقيل لي نصا اعتبر نفسم ستخرج لسجن أوسع، وكنت أخبرت الوسطاء الذين تحاوروا مع السلطة لخروجي من السجن 3 أشياء، هي لو ستمنعني من السفر أو تطالبني بعدم الحديث عن المعتقلين أو تتصيد لي الأخطاء لا تدعني أخرج من السجن، لان في هذه الحالات الثلاث سأعود إلى السجن في ظروف أسوأ، وأنا لا أرغب في خوض معارك أخوضها مضطرا، ونصيحتي للسلطة نحن لا نشكل خطرا عليها، لكن في المقابل عليها أن تقر بوجود مجموعة مزعجة لا يمكنها الصمت أو التخلي عن المقاومة في مواجهة كلّ ضربة أو قمع.