رغم خوفه من اليمين المتطرف.. صحافي: منذ 40 عاماً لم أشهد انحداراً أخلاقياً كالذي أراه اليوم 

حجم الخط
0

منذ أربعين سنة وأنا أغطي الساحة السياسية في إسرائيل إعلامياً، ولم يسبق لي أن خشيت مثلما أخاف الآن، لا عندما دخل كهانا إلى الكنيست، ولا عندما ألقوا قنبلة يدوية داخل المجلس التشريعي، ولا حتى عندما حاصروا الكنيست في اتفاقات التعويضات الألمانية. فكلها كانت حالات متطرفة جداً، خارجة عن القاعدة، شهدت على وجود قاعدة، وهي نواتها. ما شجع في حينه أن الساحة كلها اتحدت كي تلفظ هذا الانحراف من داخلها، كهذا، مثلاً قاطعه الجميع. ميكي ايتان، عضو الليكود أجرى حتى تشبيهاً بين قوانين كهانا وقوانين نيرنبرغ.

أما الآن فلم تعد هناك قواعد؛ فحيثما تلقي حجراً تكتشف مدى سحق المعايير الأخلاقية. بن غفير، وريث كهانا، أصبح وزيراً كبيراً يمثل هذه الحكومة، يحج جبل البيت (الحرم)، ويرفع رتبة ضابط ألقى قنبلة صوتية على متظاهرين، ويسحق الحكومة من الداخل، وأدخل معه سلسلة من النواب الهاذين إلى الكنيست. أنا لا أتحدث فقط عما هو مفهوم من تلقاء ذاته؛ فليمور سون هار ميلخ أو ألموغ كوهن لا مسرحية ساخرة في العالم قد تصفهم، وتسفي بوغل الذي بنبرة عميد يعرف كل شيء ها هو يقول بسكينة الأمور التي تقشعر لها الأبدان أكثر من أي شيء آخر في العالم. هذا هو الرجل الذي اشتكت عليه عائلة مخطوفين ذات مرة وهو يسد طريقها لأنها طلبت منه أن يقول ما الذي فعله من أجلها.

لكن ما الذي يدعوني لأنزل باللائمة على الحد الأقصى في الكنيست؟ فما يفعله يريف ليفين لمنظومة القانون أسوأ، وهو وزير العدل المفعم بالكراهية لجهاز القضاء، الذي يستخدم قوته لمنع تصويت ديمقراطي على تعيين رئيس للمحكمة العليا، لا لشيء سوى أنه يعرف بأن لا أغلبية في هذه اللجنة لانتخاب القضاة.

لفين يستهدف محكمة العدل العليا كهدف للرجم، وتستجيب له قطيع من الأبواق. شمعون ريكلين، وصف محكمة العدل العليا هذا الأسبوع بأنها بيت النخب وكارهي إسرائيل”. ليس أقل.

إن فقدان المعايير الأخلاقية يتسلل إلى قاعة المحكمة نفسها. استفزازيون يجرون إلى المحكمة العليا أهالي ثكلى حزانى بهدف تفجير المداولات هناك، ويصرخون على القضاة ويجعلون المداولات مهزلة. حصل حتى الآن أن اضطر القضاة للانسحاب إلى مكاتبهم، ولم يبعد اليوم الذي يرفع فيه أحد ما يده على القضاة. يد أو مسدس.

ولم نتحدث بعد عن وزير التعليم الذي أصبح هو نفسه نكتة؛ فتلك ميري ريغف المرأة التي لا يغطيها سوى جلد بلا لحم؛ وهذا رئيس الوزراء الذين يشبه مسلسل أسره في الجيش بالفظائع التي يجتازها المخطوفون في الأنفاق؛ وهذه زوجته سارة التي يعرف الرب بعامة كيف تزج إلى الجلسات مع المخطوفين وكيف تتجرأ على مناكفة الجيش هناك.

وإذا تحدثنا عن الجيش، فإن تحريض رئيس الوزراء ومبعوثيه ضد الضباط وفي زمن الحرب بات أمراً لا يصدق، لا يصدق ولكن يروى. فلهذا الغرض تأسست قنوات إعلام تطور التلفيق المعد لتبييض الأسود من السواد.

ذات مرة، كان الصراع الأيديولوجي بين يمين ويسار. تجادلوا فيما بينهم على الاحتلال ودولة فلسطينية والضم، أما اليوم فالجدال أساسي أكثر بكثير: فقد أصبح الجدال على المعايير الأخلاقية، وعلى القواعد، وعلى قصة إطار هذه الدولة الذي بدونه لا يمكن لأي ديمقراطية أن تؤدي مهامها.

ثم جملة بالإنجليزية تقول It is not done، التي تستهدف الإشارة إلى شذوذ فظ عن المعايير الأخلاقية. وعلمني الحريديم بـ “الإيدش” تعبير “سباست نيتش”، أي غير مناسب، أو لا علاقة له وغير معقول. أما بالعبرية فلا يوجد مرادف قوي لهذا. لا يوجد قعر إلا وقد وصلنا إليه. وليس صدفة ربما أن المعركة الأكبر للإصلاح القضائي حتى الآن كانت عن اختبار المعقولية، ومحاولة يائسة لنعيد إلى حياتنا التمييز بين الخير والشر، بين الصحيح وغير الصحيح.

أمنون ليفي

 يديعوت أحرونوت 29/8/2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية