لا أخفي أني حِرِتُ وأنا أنفذ من «باب الفلة» لحسنين بن عمو، إلى تونس الحفصية من يناير/كانون الثاني 1568 إلى أغسطس/آب 1574، بين عتباتها وسواكفها (الساكف هو أَعلى البابِ الذي يدورُ فيه صائِرُه): أهي رواية تاريخية كتلك التي أنشأها جرجي زيدان، وشدتنا يافعين ومراهقين؛ ثم برع فيها آخرون في العصر الحديث مثل أمين معلوف، خاصة في رائعته «ليون الافريقي»؟ أم هي رواية واقعية توثيقية شأنها شأن رواية السويدي ستياغ لارسون، الذي أمضى ردحا من حياته، وهو يبحث ويستقصي ويحقق في اغتيال أولاف بالمه، رئيس الوزراء السويدي عام 1986 وهي الجريمة التي هزت أوروبا والعالم الحر وبلدان العالم الثالث أو النامي، وكان الرجل من كبار مناصريه؛ ولم يحل لغزها حتى اليوم. وكانت محصلة بحث لارسون ثلاثية روائية هي «ميلينيوم» (عصر ذهبي) كان لها رواج ودوي في سوق الأدب في السويد وخارجه. ورواية حسنين بن عمو، هي أيضا جزء من من ثلاثية روائية مدارها على تونس الحفصية؛ أولها «باب العلوج» وثانيتها «رحمانة» وثالثتها «باب الفلة» 2005، وإن اعتمدت في هذه المقاربة طبعتها الثالثة، نقوش عربية 2021. من السائغ المقبول إذن أن يَحارَ قارئ مثلي في نعت مثل هذه الأعمال الأدبية أو تصنيفه، فهل هو أدب روائي حقا؟ هل هو رواية بوليسية؟ هل هو جنس سردي مخصوص؟
هذا «الكتاب القصصي» كما أحب أن أسميه، يمكن تشبيهه بـ«الصحن الطائر» أو الجسم الأدبي «المجهول» أو الرواية السرية. وينهض به أكثر من صوت كما أفصل لاحقا. صوت السارد وهو يلتقط الخيط من المؤرخين، ويواصل التحقيق طوال حوالي سبع سنوات، من حيث يتوقف المؤرخ ؛ ويمضي في بحثه عن الحقيقة، وملاحقة الشهود والضحايا من «خاصة» التونسيين ومن «عامتهم» وكشف خفايا السياسة ومكائد القصر، و»كيد» النساء وحيلهن، والنبش في الوثائق التاريخية. والحق أن مفهوم العوام قد لا يخلو من بعض لبس، ولعل الجاحظ هو الذي حده حدا سائغا مقبولا، في ‘«البيان والتبيين»؛ إذ ربطه بالخواص، على أساس من معيارين كما تقول الباحثة المصرية الراحلة إلفت الروبي، هما المعيار الثقافي والمعيار الاجتماعي. يقول الجاحظ: «وإذا سمعتموني أذكر العوام، فإني لست أعني الفلاحين والحشوة والصناع والباعة. ولست أعني أيضا الأكراد في الجبال وسكان الجزائر من البحار. ولست أعني من الأمم مثل الببر والطيلسان. وأما العوام من أهل ملتنا ودعوتنا ولغتنا وأدبنا وأخلاقنا، فالطبقة التي عقولها وأخلاقها فوق تلك الأمم؛ ولم يبلغوا منزلة الخاصة منا». إذن يعيدنا هذا النص الأدبي القصصي التاريخي «باب الفلة» إلى قضية الأدب الوثائقي، أو الكتابة التوثيقية التي تلوح أحيانا أقرب ما تكون إلى الريبورتاج. وهي رائجة في البلدان المتقدمة، وتطرح علينا سؤالا شائكا ونحن نأخذ بالحسبان الأسس الأيديولوجية المختلفة، أو الأوضاع السياسية التي ينشأ فيها مثل هذا الاتجاه التوثيقي: هل مرد ذلك العزوف عن الخيال الجامح، إلى التطور الصناعي والتكنولوجي الهائل؟ ونصوص حسنين بن عمو، تلوح «توثيقية» تنهض بها رموز أو شخصيات متحركة غير ثابتة (عزيز والأخوص وأحمد السلطان وشريفة وحبيقة ودرغوث باشا وشارلكان وخير الدين بربروس وفيليب الثاني والوصيف محروس والحاج مبروك والطيب الخضار ونفيسة والضيف الأندلسي وقدور والحاج بوبكر والقلج علي ومنصور الجزيري وريكاردو وماشالو ومحمد بن الحسن الحفصي والجنديان بيدرو وخوليو وفرج الجربي ودون خوان وأم الخير وابن الصفار ومصطفى باشا وسنان باشا…) بحيث يصعب أن نحدد بعضها الذي يحضر في ثنايا «الخطاب المنقول» استئناسا بمدلولها كما هو الشأن في الشخصية، التي هي تمثلٌ قبل كل شيء، وإنما في ظهورها المباشر الذي يَنشدُ إحداث أثر ما، يمكن أن نسميه «أثر الرمز» مثل «الأيقونة» أو «القونة» كما جاء في نص قديم لحنين بن إسحاق. وفي هذا تكمن مهارة حسنين بن عمو وهو يمسك بخيوط كل هذه الشخصيات حتى لا تنفرط حباتها.
ما يعنيني في السياق الذي أنا فيه، أن الكتابة التوثيقية مضللة؛ فهي عدول من جهة، وتعاقد، من جهة أخرى. ومرد ذلك إلى أسباب قد يكون أهمها تدارك لغة المؤرخ المنشّد إلى العلم والمفاهيم والوضوح. فلا غرابة أن يكون الخطاب في «باب الفلة» وهي أبواب وسواكف وعتبات، محكوما، في جانب لافت منه، بالوظيفة التنبيهية التي تستجلب مزايا الشفهي، أي ما يذكر بالمحكية التونسية (وقد توقعت أن يمازجها الكاتب بكلمات أو جمل من الإسبانية، أو الإيطالية في العصور الوسطى). ونحن وإن كنا لا ننازع في أن كثيرا أو قليلا من مُشْتمَلاتِ هذا النص وموضوعاته، مستمد إلى حد كبير من البيئة الاجتماعية التونسية، فإن تأثير البيئة في تقديرنا، قد يصلح لتفسير «التهجين» اللغوي المطلوب في مثل هذا النوع من القص، لا أكثر ولا أقل. نطل منذ العتبة الأولى على تونس يناير 1568 في ليلة ماطرة، وفي درب قريب من سوق الصباغين، حيث يجري حوار بين عبد العزيز ابن الثلاثين ولد فطيمة وشريفة امرأة في الأربعين: خليلته وزواجها وترملها. وهي في الآن نفسه عشيقة الحاج مبروك العجوز المتصابي المقرب من سلطان تونس. وكل هذا يرد في سياق المزاوجة في الحوار بين العامي والفصيح. وما إلى ذلك من تفاصيل وشوارد شتى، مثل حكاية السلطان مع المنجمين الذين ينذرونه بانتقال الحكم منه إلى رجل اسمه «علي» من غير العرب، أي نهاية دولة بني حفص. ويختار السلطان مملوكا يسميه «عليا». فمحاربة أولاد سعيد والشابيين في القيروان، فانحسار الدولة الحفصية، فالعودة إلى حومة باب الفلة وشريفة ودار الحاجة حبيقة الدقازة. فحكاية درغوث باشا وشارلكان، وخير الدين بربروس وفيليب الثاني ابن شارلكان، فحكاية السلطان والضيف الأندلسي من أجل استرجاع مملكة غرناطة. فحكاية الطيب الخضار والأندلسي ورسالته السرية إلى الباشا في الجزائر. فالانتقال إلى عام 1969 في شهر أكتوبر/تشرين الأول، في يوم ماطر مثل الفصل الأول.
وقدوم فارس يعلم السلطان بأن القلج علي يحشد عساكره على مشارف الكاف، فهزيمة السلطان وعودته إلى تونس، فالتضرع لسيدي محرز «سلطان المدينة» فالهروب عبر «باب غدر» من القصبة، ودخوله إلى حصن حلق الوادي. فالانتقال إلى شهر ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، وقد استسلم السلطان، وتبوأ الخضار سدة «الحكم» في القصر، وكلف بتسيير شؤونه، وقد شرع في تعليم الأتراك عادات الناس في تونس.. فتخلي القلج علي عن الخضار وقتله.. فتصوير دقيق لما حل بتونس من نهب العربان، فسفر أحمد السلطان إلى إسبانيا طلبا للمدد. وكان فيليب الثاني مشتغلا بالثورة الموريسكية. فسفر السلطان مع دون خوان شقيق الإمبراطور إلى صقلية، استعدادا للحملة على تونس. فوصل لسوق الشماعين حيث يقيم الأخوص عند ابنته.. فوقفة على أسباب عودة القلج إلى الجزائر.. فانتقال إلى صيف 1573: عزلة عزيز ثم ذهابه إلى المركاض، حيث دار معشوقته نفيسة، فحكاية منصور الجزيري، وأنه زير نساء وجاسوس للإسبان، فكساد تجارته.
فحكاية ريكاردو الذي أنقذه من الإفلاس، فاختطاف منصور وقتله ذبحا، فالانتقال إلى الخريف من السنة نفسها: العثمانيون والإسبان، وأحمد سلطان في السفينة الأميرية، في الطريق إلى حلق الوادي؛ وهو يمني النفس باستعادة عرشه. فمعرفته بشروط الإمبراطور: اقتسام تونس بينهما، ورفضه القاطع حتى لا يكرر خطأ والده الحسن مع شارلكان. فاستبدال محمد بن الحسن الحفصي شقيقه، به. فزحف خوان على تونس وهروب الأتراك. فخاتمة الرواية في الصفحتين الأخيرتين 413 و414 «المآل» حيث نقف على: هدم الترك قلعة حلق الوادي وقلعة الباستيون، ونهاية محمد بن الحسن الحفصي آخر ملوك الحفصيين، وقد سيق إلى القسطنطينية حيث سجن ومات، ونهاية الجنرال كابرلو سربلوني الذي أسر، ثم تمت فديته، ونهاية أحمد سلطان في إيطاليا، حيث مات بالطاعون، ثم نقل جثمانه إلى تونس، وبقي معروضا ثلاثة أيام في مقبرة الجلاز. أما باب الفلة الذي بناه الإسبان عام 1535 فقد بقي شاهدا حتى عام 1890 إذ هدمه الفرنسيون.
لقد استطاع الكاتب أن يخرج لنا من شوارد الأخبار ومتخلف الآثار في تونس الحفصية، شخصيات نابضة بالحياة. لكنها شخصيات تقوم في الأغلب الأعم على وقائع منتحلة ينسقها تنسيقا خاصا، وهو يوزع ظلا هنا وضوءا هناك، عسى أن يحفظ لها نوعا من الاتساق، ويظهر لنا بذلك سير التفاعل بين الشخصية وأثرها، أو كيف تأثرت ببيئتها وعصرها. وعلى أساس من هذه الإشارة، ندرك أن الأمر لا يتعلق بمجرد «واقعية» ينشدها الكاتب؛ وإنما بالثمين الذي مداره على ما هو نادر، أو أن الجمالية في النوع أو في الرمز الخفي وهو تونس الأمس.. تونس اليوم.
كاتب تونسي