«ماريا» لبابلو لاراين: فيلم باهت لا يوفّي ماريا كالاس كوكب الغناء الأوبرالي حقها

نسربن سيد أحمد
حجم الخط
0

البندقية ـ « القدس العربي»: النيات حسنة والمضمون أشياء من الممكن مناقشتها، لكن هناك بعض التخبّط في النصّ الذي يعاني من تشتت في الرؤية ويتّجه في مسارات متعددة. أما الانفعال الذي من المفترض أن يصل إلى المُشاهد، فيبقى محدوداً قياساً بالاحتمالات التي يوفّرها الزواج بين الموسيقى والسينما. رغم أن الفيلم يحتوي على لحظات تحلّق عالياً في فضاء الفنّ السابع، فهي في الأخير لحظات عابرة، وإسناد دور كالاس إلى الأمريكية أنجلينا جولي فيه إشكاليات.
جولي خضعت لتحضيرات مكثّفة استمرت سبعة أشهر لتقمّص الشخصية، قبل أن تبدأ التصوير تحت إدارة لاراين، لكن رغم جهودها الواضحة للتسلل إلى داخل الشخصية، كان أداؤها يفتقر أحياناً إلى التوازن والاستمرارية. هناك لحظات نرى فيها جولي، أكثر ممّا نرى كالاس، ما يضعّف الانغماس في الشخصية.
وعلى عكس ما فعله أندرو دومينيك في فيلمه «شقراء» عن مارلين مونرو، الذي قوبل بانتقادات لاذعة بسبب تعمّقه في الجوانب المظلمة للشخصية، يتجنّب لاراين دفع «جولي نحو التطرف. يبقى الفيلم على مسافة آمنة، ممّا يجعله عملاً خالياً من المخاطرة والإثارة.
اسم ماريا كالاس، أو لا كالاس كما كانت تحب أن يُشار إليها، والغناء الأوبرالي صنوان لا يفترقان، فكالاس بلا منازع هي كوكب الغناء الأوبرالي ونجمته الأولى. وفي فيلمه «ماريا»، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية (28 أغسطس/آب إلى 7 سبتمبر/أيلول) يقارب المخرج التشيلي بابلو لاراين حياة «لا ديفا» أو نجمة النجمات، ماريا كالاس، في فيلم هو الثالث في سلسلة من الأفلام عن نساء عشن في الأضواء، وشغلن الرأي العام، هن جاكي كينيدي والأميرة ديانا. لكن تناول لاراين لكالاس وحياتها، جاء مفتقرا إلى العمق والتعمق والتأمل. مجرد سرد لبعض أحداث حياة كالاس، لا يختلف كثيرا عن قراءة مدخل ويكيبيديا عن حياتها. لا يقدم الفيلم رؤية ولا سبرا لأعماق كالاس. ويكفينا القول إن المشهد الافتتاحي للفيلم، نلمح فيه من بعيد جثمانا مسجى على أرض منزل عتيق أنيق، ويتضح لنا لاحقا أنه جثمان كالاس، التي انهارت فاقدة للوعي في منزلها الباريسي، وتوفيت على الفور. نرى كالاس جثمانا في بداية الفيلم، ولا ينجح سرد لاراين في أن يبث فيها الروح. توفيت كالاس عام 1977 إثر سكتة قلبية في باريس، وهي في مستهل الخمسينيات من العمر. تدور التكهنات عما إذا كانت وفاتها ناجمة عن الإفراط في تناول المهدئات، أو جراء نية مبيتة لإنهاء حياتها.
يركز الفيلم على الأيام الأخيرة في حياة كالاس، قبيل وفاتها بفترة وجيزة، ويركز على هواجسها وآلامها، خاصة بعد أن خذلها صوتها، ولم تعد قادرة على الغناء على خشبة المسرح وفي أشهر دور الأوبرا في العالم.

تقوم بدور كالاس النجمة الأمريكية أنجلينا جولي، ولكن أداء جولي جاء مفتقرا إلى الروح، أو حتى إلى الشبه الجسدي. ظهرت جولي بشعر أسود حالك في الفيلم، كما كان شعر ماريا، ولكن بخلاف ذلك لا تنجح جولي في تقديم جوهر شخصية كالاس. أما ما نجده منفرا بصورة كبيرة هو اللقطات المقربة لوجه جولي وهي تشدو بأغنية من أغنيات الأوبرا التي غنتها كالاس. يبدو لنا أداء جولي مجرد محاكاة لحركات كالاس، أو لارتجافات وجهها مع الغناء، لكن دون أي إحساس حقيقي. تبدو لنا جولي أحيانا مثل هؤلاء الذين يقدمون عروضا يقلدون فيها المشاهير ويقلدون حركاتهم. يجتمع أداء جولي مع تناول لاراين السطحي لشخصية كالاس ليقدمان لنا تجربة لا تصل إلى أعماق المشاهد، ولا تمس شغاف قلبه. لا نبالغ إن قلنا إنه فيلم ننساه فور الخروج من قاعة السينما.
يصور الفيلم كالاس بعد أن خذلها صوتها، وبعد ان انحسرت عنها الأضواء، وتعيش وحيدة مع طاهيتها وسائقها ومدبر شؤونها (بيير فرانشيسكو فافينو في أداء متميز). تعيش كالاس مع أشباح ماضيها، خاصة مع شبح حب عمرها، قطب المال وصاحب الأسطول الملاحي الضخم، أوناسيس. شخصية كالاس في الفيلم تحمل الكثير من الشبه من شخصية نورما ديزموند (غلوريا سوانسون) في الفيلم الشهير «سانسيت بوليفار» (1950). فكما هو الحال مع ديزموند، نجمة هوليوود التي انحسرت عنها الأضواء، والتي تنسج وهما كبيرا حول عودتها الوشيكة للتمثيل في دور كبير، تحلم كالاس بالعودة إلى الشهرة والأضواء وإلى التصفيق الحار من الجماهير. كالاس التي يصورها الفيلم شخصية معذبة مهشمة متألمة، تحاول إسكات أصوات أشباحها بالمسكنات والمهدئات، رغم نصائح الطبيب، ورغم محاولة مساعديها التخلص من تلك العقاقير. نكاد في الفيلم لا نرى كالاس في سنوات أوج نجاحها وشهرتها وثرائها. يركز لاراين على تصويرها امرأة هشة محطمة، لا تستطيع تقبل انحسار الأضواء عنها أو أفول نجمها أو ذهاب صوتها. ربما أخطأ لاراين في اختيار جولي للعب دور كالاس، لكن ما ينقذ الفيلم ويضفي عليه بعض الروح والإنسانية هو بيير فرانشيسكو فافينو، الذي يلعب دور خادم كالاس وسائقها. نشعر بأن فافينو هو قلب الفيلم النابض، فهو من يعنى حقا بكالاس ومن يشعر بالقلق إزاء اعتمادها على العقاقير، وهو من يتحمل نزقها ونوبات غضبها بطيب خاطر وتعاطف.
ولا يسعنا إلا أن نقارن فيلم لاراين عن كالاس بوثائقي المخرج آصف كباديا «آمي» عن حياة المغنية الشهيرة آيمي واينهاوس. في حين أن كباديا استخدم تسجيلات أرشيفية ومقاطع فيديو لتقديم سردية مؤثرة وإنسانية للغاية لحياة واينهاوس وآلامها النفسية، لا ينجح فيلم لارايين في فيلمه الروائي في تقديم رؤية واضحة عن كالاس. ربما تكون الحسنة الوحيدة في الفيلم، وما يحسب له حقا هو أنه يحتفي بصوت كالاس في أوجها، ويقدم العديد من تسجيلاتها الشهيرة ضمن أحداثه. نستمع إلى صوت كالاس وهي تصدح وتشدو في الفيلم بعدد من أشهر أغنيات الأوبرا التي غنتها، فلا يسعنا إلا أن ننبهر بذلك الصوت البديع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية