بات شح السيولة والعملات التالفة والمهترئة من الأزمات الكبيرة التي تضيف للسكان في قطاع غزة المزيد من الهموم، في ظل الظروف المادية والمعيشية الصعبة، بسبب فرض إسرائيل حصاراً خانقاً على القطاع منذ بداية الحرب، بما في ذلك منع إدخال السيولة إلى البنوك، وما تتعرض له البنوك من إغلاق إثر الدمار الكبير الذي لحق بها، نتيجة العمليات البرية للجيش الإسرائيلي في كافة مناطق قطاع غزة.
وأعلنت سلطة النقد الفلسطينية في الشهر الرابع من الحرب عن تعذر فتح البنوك في قطاع غزة، بسبب الدمار الكبير الذي لحق بعدد من أفرعها في مختلف محافظات قطاع غزة، بالإضافة إلى تدمير البنى التحتية بشكل كامل من كهرباء ومياه وخطوط اتصالات، والتوجه للعمل بالنظام الإلكتروني، الذي زاد من معاناة السكان نتيجة حالة الابتزاز التي يقوم بها التجار وأصحاب محلات الصرافة.
ويعاني القطاع من شح حاد في النقد، بسبب تحويله إلى الخارج، مقابل ادخال العديد من السلع والبضائع، بالإضافة إلى توجه عدد كبير من السكان إلى دفع مبالغ هائلة من أجل الخروج من غزة، في المقابل لا يدخل إلى القطاع أي نوع من النقد ويتم التداول بما هو متوفر لدى التجار وأصحاب المصارف، يضاف إلى ذلك انتشار شعار لا توجد سيولة على كافة محال الصرافة، والعمل بالسوق السوداء من أجل كسب ربح مضاعف.
ومنذ أشهر تنشط المؤسسات الدولية في تقديم مساعدات مالية إلى السكان في القطاع، من بينها الإغاثة الكاثوليكية ومنظمة اليونيسف ومؤسسة إنقاذ الطفل بالإضافة إلى مؤسسة كاريتاس القدس، حيث تدفع هذه المؤسسات إلكترونياً إلى المواطنين، وترسل رسائل إلى هواتفهم تتضمن كودا رقميا للمبلغ، وبالتالي يتم صرفه من خلال السوق السوداء من التجار وغيرهم ممن تتوفر لديهم سيولة نقدية ويعملون في هذا المجال، حيث يحصلون على عمولة كبيرة إلى جانب إجبار المواطنين على الحصول على نقود مهترئة يصعب تصريفها في ظل غياب النقود الجديدة من الأسواق.
كيفية صرف المساعدات
بشكل عام بات حديث المواطنين في قطاع غزة حول كيفية صرف تلك المساعدات، وكم هي نسبة العمولة في ظل وجود حاجة إلى صرف المساعدات المالية مقابل شح السيولة، إلى جانب محاولة التجار ابتزاز حاجة المواطنين وفرض عمولة تصل إلى 27 في المئة على إجمالي المبلغ، إلى جانب العملات المهترئة التي يرفض الباعة استلامها مقابل بيعهم بضائع وسلع للمواطنين، حيث تتكدس تلك العملات والتي كان يتم استبدالها قبل الحرب بشكل دوري بأوراق جديدة ضمن التنسيق الفلسطيني الإسرائيلي بهذا المجال.
في مدينة خانيونس ودير البلح جنوب قطاع غزة، ينشط التجار في صرف المساعدات المالية من خلال تحويلها إلكترونيا إلى التطبيقات البنكية الخاصة بهم وصرفها بعمولة مرتفعة، حيث تعج المدينتان بالمواطنين الذين يتجولون بحثاً عن أشخاص يصرفون بعملات أقل، في المقابل ينتظر البعض مزيداً من الوقت بحثاً عن صرف بعمولة مناسبة، وهذا هو حال المواطن معتز نبيل الذي يحاول منذ أكثر من أسبوع صرف كود رقمي يحتوي على مساعدة مالية قيمتها 250 دولارا أمريكيا، بعمولة أقل، كون المبلغ متدني مقابل الغلاء المعيشي الذي تشهده الأسواق والحياة بشكل عام.
ويقول لـ«القدس العربي»: «حصلت على مساعدة مالية من مؤسسة إغاثة دولية، ولكن أواجه معاناة في صرفها بسبب استغلال التجار المواطنين، وفرض عمولة على المساعدات تتراوح ما بين 15 إلى 27 في المئة، وبجميع الأحوال تعتبر العمولة غير شرعية وبالأوقات الطبيعية تكون أدنى بكثير، لكن حالة الفوضى التي يمر بها قطاع غزة بسبب الحرب وغياب الرقابة، دفعت التجار للتلاعب بأرزاق المواطنين».
ويضيف: «بسبب ما تمر به أسرتي من ظروف معيشية صعبة، أجبرت على صرف المبلغ مقابل عمولة 20 في المئة، حيث خسرت بذلك ما يقارب من 50 دولارا من المبلغ الأصلي، وهذا الفرق بكل تأكيد مرتفع جداً وأنا بحاجة ماسة له، لكن تلاعب التجار دفعني وغيري من المواطنين للقبول بذلك، من أجل الحصول على النقود وتأمين المستلزمات الأساسية».
ويشتكي نبيل من حصوله على عملات ورقية مهترئة، بعد أن أجبره التاجر وإلا يرفض صرف المساعدة، حيث يواجه صعوبة في شراء البضائع من الأسواق، كما أن بعض الباعة يساومونه بخسارة جزء من النقود مقابل صرف تلك العملات، بحجة أن تسويقها ليس سهلا.
حركة التعاملات المالية
وبالرغم من الحاجة الماسة لكثير من المواطنين لقبول الصرف بعمولة كبيرة مقابل صرف مساعداتهم المالية، إلا أن البعض لا يستسلم لاستغلال التجار، ولكن يجبر هؤلاء إلى إنشاء محفظة مالية إلكترونية أو تحويل المبلغ لتطبيق بنكي خاص بمقربين منهم، وهي طرق أحدثتها سلطة النقد قبل سنوات قليلة من أجل تسهيل حركة التعاملات المالية للمواطنين، حيث تحفظ تلك التطبيقات بقاء المساعدات وعدم استرداد المؤسسات لها بعد مدة زمنية محددة.
المواطن محمد حسن لجأ إلى إنشاء محفظة بي بال الإلكترونية لإيداع المساعدة المالية التي حصل عليها حفاظاً عليها من قيام المؤسسة الداعمة من سحبها بعد شهر من صرفها، حيث ينتظر إلى حين أن يجد من يصرف له تلك المساعدة بعمولة أقل من التي في السوق حالياً، والتي تعتبر بالنسبة له مرتفعة جداً ولا يمكنه القبول بها.
يقول لـ«القدس العربي»: «الحرب فرضت على سكان غزة واقعا غير مسبوق، هناك صعوبة كبيرة في الحصول على السيولة منذ بداية الحرب بسبب منع إدخالها من قبل الجانب الإسرائيلي، وبالتالي الحرب أصبحت فرصة للتجار كي يبتزوا المواطنين للحصول على الربح الباهظ، خاصة في مجال صرف العملات والرواتب الخاصة بالموظفين، وزاد من إصرار التجار والصرافين على المضي قدماً تدفق المواطنين إليهم للحصول على النقود والقبول بالعمولة الباهظة، إلى جانب إجبار الكل على القبول باستلام عملات تالفة يصعب صرفها بسهولة في الأسواق».
في سياق ذلك يقول الخبير المصرفي حسني حجازي: «يعاني قطاع غزة منذ سنوات الحصار من صعوبة في صرف العديد من الحوالات والمساعدات المالية، التي تأتي من بلدان أوروبية وعربية بالإضافة إلى الضفة الغربية، بسبب إجراءات التضييق التي تفرضها إسرائيل على تعامل الشركات في الخارج مع المصارف في غزة وبرامج الصرافة المختلفة المعمول بها».
وأوضح لـ«القدس العربي»: أن فرض إسرائيل حصارا خانقا منذ بداية الحرب على قطاع غزة، ومنع تحويل السيولة إلى البنوك العاملة في القطاع، زاد من أزمة السيولة واعتماد البنوك والتجار على العملات التي يتم التداول بها داخل القطاع، والكثير منها باتت تالفة وبحاجة إلى استبدال، لكن توقف التنسيق الفلسطيني الإسرائيلي بهذا المجال، عمق من الأزمة التي انعكست سلباً على المواطنين».
ولفت إلى أن نسبة الربح الكبيرة التي يجنيها التجار مقابل صرف الرواتب والمساعدات المالية، دفعت بالكثير من المواطنين ممن تتوفر لديهم سيولة، بالعمل في هذه المهنة المدرة للمال، وأصبح الكثير يضاربون في نسب العمولة التي يتقاضونها مقابل صرف الرواتب، وأصبح الأمر في حالة من الفوضى العارمة في ظل غياب الرقابة من الجهات الحكومية المختصة.