بيروت ـ «القدس العربي»: ليس «الجارور» أو الـ«درج» بالفصحى باختراع جديد، بل عتيق يعود لاكتشاف البشر حاجتهم له. أما حاجة المؤسسات الرسمية في العالم النامي من «الجارور» فلا حصر لها. إذ تُعرف تلك المؤسسات بـ«جواريرها» أو مقابر مشاريعها. والغريب في الأمر أن أكثرية تلك المشاريع مموّل من مؤسسات دولية، أو مصارف دولية، والتي تغض الطرف عن متابعة تطبيق هذا المشروع أو ذاك. وتغض الطرف أو تشارك في حفلات الفساد غير المخفية.
سلّمت جمعية «مسار» المهتمة بتنشيط تمكين الشباب، فكرة عمل مسرحي يبحث في «وثيقة السياسات الشبابية الوطنية اللبنانية» التي اُقرّت سنة 2012، ودُفنت، إلى الفنان عصام بو خالد. كاتب ومخرج ماهر في التقاط اللحظة الكوميدية المؤلمة والتي تمسك بخناق البشر لشلّهم، وخاصة الشباب منهم.
خلُص عصام بو خالد في عمله المسرحي الجديد إلى عنوان مُصيب من «جارور لجارور». وانطلق في تقصّي أحوال الشباب من خلالهم. يتفقون على صعوبة حياة «الشابات والشباب» رغم كونهم «نساء ورجال المستقبل».
مجموعة من الشباب والشابات على خشبة المسرح. أفكار وآراء تتطاير من هنا وهناك. بحث عن أمل. قراءة مريرة للواقع. قد يكون عمر الانفصال عن الأهل للشباب والشابات عالمياً بين 15 و24 عاماً.. والتوصية التهكمية المرفوعة للمعنيين في لبنان تدعو لتعديلها لتتراوح بين 15 و40 سنة.
شباب في انتظار الفرج. هو حال المجموعة المتنقّلة معاً على المسرح، تتحدّث وتبوح وتئن وتسأل. لا أحد منهم يغيب، ولا آخر يدخل. معهم لعب عصام بوخالد على المثل الشعبي الإيجابي «غمّض عين فتّح عين بتفرّج». إنه الأمل المحلوب حتى آخر قطرة. طويل كان السجال حول رمشة العين. وهو لازم شابة وشاباً تزوجا قبل سنتين، وكل منهما مايزال مع ذويه «آكل شارب نايم».
بلغت السخرية المرّة من هذا المثل الشعبي حدودها المطلقة. 1800 رمشة لكل انسان في الساعة. فكيف حال سلسلة بشرية من الشباب والشابات تمارس لعبة الأمل بـ»فتح عين وغمّض عين بتفرج»؟ تبعاً لتهيؤات عصام بو خالد فإنها «تنتج طاقة بديلة».
جنّد عصام بوخالد معطيات متعددة ومتنوعة خدمة لهدفه بتظهير مآزم الشباب في مجتمعاتهم. استفاد من شكليات تصرف عليها ال NGOS جهداً ومالاً، ويبقى الحال على حاله.
بدأها بتشديد العنصر النسائي الحاضر على الخشبة للنطق بـ»الشابات والشباب» و»النساء والرجال». وواصلها مع مفردات «معاق، معوّق، معوّقين، وصولاً إلى الجملة المفيدة «من ذوي الإحتياجات الخاصة».
ليُسأل الشاب الملازم لكرسيه المتحرك: «ما ارتحت؟ ما اختفت الدرجة اللي قدّامك؟». إنها المصطلحات، يضيع الوقت في ابتكارها وتجديدها، ويبقى أصحاب المشكلة حيث هم، مع مآسيهم.
السؤال الإشكالي الفلسفي الذي حملته مسرحية «من جارور لجارو» استدعاه استحضار النشيد الجامع للشباب العربي «نحن الشباب لنا الغد». لمن إذاً هو «اليوم»؟ وهل الجواب أنّ الشباب محكومون بالانتظار؟ انتظار الغد قد يطول على أمل انقشاع الرؤيا لدى الأنظمة البيروقراطية المتحجّرة.
عصام بوخالد الكاتب والمخرج الذي أجاد بنقل الشارع إلى المسرح، وجعل من مجموعة الممثلين الثمانية الذين اختارهم ناطقين بلسان الغالبية العظمى من الشباب، قدّم في «من جارور لجارور» عُصارة الضياع والحيرة والألم لدى الشباب. لكنه لم يُقفل الباب نهائياً على قطيعة بين الشباب ووطنهم. نتيجة القرعة بين الهجرة أو البقاء أتت متساوية، رغم صرخة أحداهن «المهم ما بدّي إنزّل».
تألّف فريق مسرحية «من جارور لجارور» من الممثلات والممثلين: يارا زخور، وجويل منصور، وطوني فرح، ووسام بتديني، وعلي بليبل، وتالا محمود، ومنير يحفوف، وميشال فغالي. سينوغرافيا روي داغر. اضاءة سرمد لويس. أزياء بشارة عطالله. عُرضت وما تزال تُعرض على مسارح متفرقة في لبنان، ومجاناً.