سلوى جرادات: لا بدّ من ولادة «نفس» للبدء بآخر وعملي المقبل حفزه كبار السن في المخيمات

زهرة مرعي
حجم الخط
0

«نفس» جديد تطلقه من معين الشعر الصوفي النسوي المغيب وتبرز أهميته

بيروت ـ «القدس العربي»: بعد بحث مُعمّق عن أثر النساء العربيات في الشعر الصوفي، وقع اختيار الفنانة سلوى جرادات على سبع منهنّ. اقتفت أثرهن لأنها وجدت كـ«نسوية» أنّ سيدات الشعر الصوفي، كما النساء العربيات على مرّ العصور عُرضة للتغييب. في حين أنها تؤمن وبالبرهان، أنّ النساء العربيات كنّ وما زلن فاعلات في الشأن العام. من المؤكد أن اللحن والغناء الصوفي لن يولدا في بيئة اُحادية جافة، بل السعي ضروري لروح فنية تنصهر وتتجلّى بين مجموعة. لهذا كان لسلوى جرادات إقامة فنية لأيام في بيت الفنان – حمّانا مع مجموعة من الموسيقيين المبدعين. وكانت ولادة ألبوم «نَفَس» الذي يتضمّن سبع مقطوعات.

نوّعت المجموعة وسلوى جرادات في النظم اللحني للمقطوعات المختارة، فكان أداء هادئا، وآخر يغوص في سلطنة أكيدة، ومحببة في الأداء الصوفي. «نفس» ستقدمه للجمهور في 21 أيلول/سبتمبر في مترو المدينة.
مع سلوى جرادات هذا الحوار:

○ نعرف أنه يحق للفنان ما لا يحق لسواه ومع ذلك نسأل لماذا سلوى جرادات ابنة فلسطين تؤدي الصوفي والآن؟
• جاهزة لهذا السؤال وأتوقعه. المشروع كان جاهزاً للصدور منذ زمن حيث انتهت الإقامة الفنية في بيت الفنان – حمّانا في بدايات آب/اغسطس 2023. كنا فريقاً من الموسيقيين بعضهم أتى من ألمانيا وإيطاليا وآخرون من لبنان. انتهت الإقامة وسجلنا مباشرة، وكان السابع من أكتوبر قبل أن ننهي العمل. ومنذ تلك اللحظة فقدت كافة الأمور معناها أمام الجريمة المتمادية، والأمل. عشت مشاعر العودة إلى فلسطين كل فلسطين من دون حواجز الاحتلال، وشعرت بالذنب عندما سألت عن دوري في الحياة، وغيرها من الأسئلة الوجودية. استمرت الأسئلة على مدار خمسة أشهر غاب خلالها المشروع تماماً، بعدها رحت أبحث وأسأل الأصدقاء إن كان ثمة معنى للعودة إلى مشروع «نفس»؟ راودني العمل على مشروع جديد، فرحت أزور المخيمات وخاصة برج البراجنة ونهر البارد، وجالست كبار السن. تلك الزيارات المتكررة شكّلت بالنسبة لي علاجاً، وحفّزتني لإنجاز عمل مع كبار السن، كما وأحدثت عندي وعياً بضرورة وأهمية العمل مع المخيمات، وبناء مشروع حقيقي يُعبّر عن ناسها. صراحة بعد تفكير وجهد وجدت ضرورة أن يرى «نفس» النور. بالتأكيد أخجل من القول إن المثابرة على العمل جزء من المقاومة، فأمام ما يحصل في غزّة والآن الضفة الغربية علينا أن نصمت. في النهاية أنجزت مشروعي وسأحكي فيه عن نساء اُبعدن عن الضوء، وهو الهدف الأساسي لبحثي عن الشاعرات المتصوفات. من واجبي متابعة طريقي فالأشهر الطويلة التي لازمت خلالها المنزل لم تؤد إلى نتيجة.
○ إطلاق «نفس» هو الخطوة الأولى للخلاص من التريث إن لم نقل الإحباط؟
• بل هو إحباط حقيقي.
○ سببه السؤال عن دورك كفنانة أم كإنسانة فلسطينية؟
• سؤالان وسببان يتداخلان. الفن هو نحن وما نعيشه، وهو ذاتنا وطريقة حياتنا. بالتأكيد أسأل عن دوري كفنانة فلسطينية درست الموسيقى؟ وهذا ما دفعني لزيارة المخيمات، وصولاً إلى مشروع جديد سأباشره فور إطلاق «نفس». «نفس» يجب أن يغادر بالي، وأن يغادر المكان الذي احتله من تفكيري، وهذا وحده سيساعدني لتجيير طاقتي باتجاه عمل جديد.
○ هل يمكن القول بأن الخطوط العريضة للمشروع المقبل باتت واضحة لديك؟
• بحدود كبيرة باتت واضحة، فكرة أساسها البحث كما هي العادة في أعمالي. نعم الأشهر العشرة الماضية غلّفها الإحباط، إنما كنت خلالها في زيارات متكررة إلى المخيمات حيث أجتمعت بعدد كبير من كبار السن، وصورت كافة تلك اللقاءات والحوارات، وقبل شهرين من الآن باتت الأفكار واضحة، وبت أعرف وجهتي.
○ مع الإعلان عن ألبوم «نفس» وبعد تجويد القرآن لأهميته في الغناء العربي هل أنت مع مرحلة جديدة في مسارك الفني؟
• بالتأكيد هي محطة مختلفة، فالموسيقى التي سنقدمها عبارة عن خلطة جديدة تماماً، ولسنا مع موسيقى صوفية بحتة. ما وصلناه من موسيقى يمكن وصفه بروح استوحيناها من أشعار النساء المتصوفات، ليس لي مطلقاً بلوغ الحالة الصوفية الكاملة، فلست متصوفة، بل أنا معجبة بفكرة التصوف فقط. بالأساس حافزي لهذا العمل بدأ من قراءتي مقالا للكاتبة المصرية عزّة جلال، فحفّز فضولي، ورحت أبحث عن النساء الصوفيات وأشعارهنّ، حاولت تقمص الحالة، وان أستمد الوحي منها، إنما الموسيقى ليست صوفية صافية، بل هي نحن وما عشناه خلال 11 يوما من الإقامة في بيت الفنان ـ حمّانا. وسبقت تلك الإقامة متابعتنا جميعنا لحضرة صوفية في بعل شميه.
○ هل من صلة فعلية بين نسويات عصرنا والنساء اللواتي كتبن الشعر الصوفي في الماضي السحيق؟
• الجوامع المشتركة بين النساء تمتد عبر التاريخ، فنحن في بحث عن ذاتنا، في البحث عن التصوف يبرز إلى الواجهة جلال الدين الرومي وإبن عربي ورابعة العدوية، إنما الأسماء التي اكتشفتها، وهذا التواصل الذي حققته والذي احتاجه كإمرأة كي استمد قوّة، بيّن أننا أمام سيدات شاعرات، كانت لهنّ فصاحة وتعليم واسع. وكان سؤالي لماذا هنّ مغيبات عن البرامج المدرسية؟ درسنا عن نساء الصحابة، وما تعلمناه عن النساء مرتبط على الدوام بالرجال، ولهذا أهميته بالطبع، ومن المهم أن نقرأ عن النساء بحد ذاتهنّ. عندما قدّمت عوالم شارع عماد الدين كنت أبحث عن الصلة التي تجمعني بتلك النسوة، ففي كافة مشاريعي الموسيقية أسعى لأجد نفسي.
○ ما هو عامل الحسم في الاختيارات السبعة التي رسوت عليها من أشعار الصوفيات؟
• الاختيار كان أصعب مراحل المشروع. أشعار لا حصر لها، وقصائد طويلة للغاية، بعض الاختيارات وصل لسبع دقائق لعدم قدرتي على حذف المزيد من الشعر. قرار تحجيم القصائد مرّ بأكثر من مرحلة، وفي إقامة حمّانا حذفنا المزيد بالتعاون مع الموسيقيين.
○ في تقديم «نفس» قلت إن هذه الأشعار تشكل رسالة بمواجهة «حملة منظمة لتهميشنا وتجاهل أن النساء العرب كنّ وما زلنّ فاعلات في الشأن العام» لمن هذه الرسالة؟
• إنه إيماني الشخصي بالحياة. لست بحاجة لأجندات خارجية تُخبرني كيف أكون نسوية، ولست بحاجة لمؤسسات ومنظمات دولية تقول لي كيف أكون فاعلة، هذا ما كتبته قبل السابع من أكتوبر، وبعده سقطت كافة إدعات كل تلك المنظمات التي كانت تتآمر علينا، مستغلة الدعم المالي بهدف انتشالنا من جذورنا، وكلما غصت بحثاً في أصلي وتاريخي وجذوري أكتشف نفسي. لم يقتصر بحثي فقط على أشعار النساء الصوفيات، بل اطّلعت على حياتهن، فإحداهن أتت من إربد للدراسة في الشام، ومن ثمّ انتقلت إلى فلسطين لمتابعة دراسة التصوف، ولاحقاً انتقلت إلى مصر.
○ كانت حياتهنّ مشوّقة؟
• جداً. وتنقلنّ بين الأردن وسوريا والعراق ومصر.
• لنتحدّث عن الإقامة الفنية في بيت الفنان – حمّانا والارتجالات التي ولّدتها وأثرها في الأغنيات السبع؟
• لم نعتمد الأسلوب الكلاسيكي شعرا ثمّ لحنا وأداء، الإقامة الفنية هي المختلف الذي سعينا إليه. الصوفية حالة روحانية تعيشها مجموعة، ونحن عشناه موسيقياً. بدأ الاجتماع دون أدنى فكرة عن النتيجة، كل أمسك آلته، وأنا صوتي وبدأ التجريب. وفي اليوم الأول ولدت أغنية «يا للهوى» وكانت صدمتنا بهذه السلاسة، وهذا الانسجام في العطاء. تعاملنا مع كافة المقطوعات بالأسلوب نفسه وبدون قرارات مسبقة، فقط سبق اللقاء تقطيعي للأشعار عروضياً، ونقاش في الإحساس الذي تمليه هذه الحالة أو تلك. الجميع كان جاهزاً روحانياً، فولدت الأغنيات بإحساس تام وارتجال. ومن المؤكد أن الحفل سيتضمن ما لا يشبه اللحن الذي تمّ وضعه، وسيكون إبن لحظته.
○ من دعم ولادة «نفس»؟
• دعم الإقامة الفنية شخص عزيز إلى قلبي يتحفّظ عن ذكر اسمه. دعمه تمثّل ببطاقات السفر لموسيقيين مقيمن في ألمانيا وإيطاليا، وبعض المتطلبات اللوجستية، وكذلك بدل أتعاب الموسيقيين المشاركين في الإقامة الفنية. وبيت الفنان – حمّانا قدّم المكان مجاناً، والمشروع بكليته وجد دعماً من مؤسسة المورد الثقافي وشمل التسجيل وحفل الإطلاق، والتفاصيل اللوجستية.
○ وماذا عن الموسيقيين الذين تعاونت معهم لإنجاز «نفس»؟ وما هي صلتهم بالغناء الصوفي؟
• أكرر بأننا استوحينا الحالة الصوفية وكنت أكثر المتأثرين بها. تابعت العديد من الحضرات الصوفية لأكون على تماس مع أجوائها، وزرت المغرب بهذا الهدف، وكانت لقاءات مع صوفيين. أردت من الموسيقيين إحساسهم بالموسيقى، أعرفهم جيداً ولي تجارب معهم على المسرح. شام سلّوم عازفة عود من سوريا تعيش في برلين، وتعرّفت إليها بعد حفل أحييته هناك، حيث جمعنا حفل مرتجل وشعرت بإحساسها، ومباشرة سألتها التعاون، اخترت الموسيقيين بناء لإحساسهم وليس فقط لبراعتهم في التكنيك. علي الحوت على الإيقاع سبق وتعاونت معه في حفلات متعددة، إحساسه يرافق المغني وبقية الآلات، رافاييل حداد له إحساس عالي جداً يعزف الكمنجا والعود سوبرانو، وهو صوت جديد سيظهر في حفل مترو المدينة في 21 أيلول/سبتمبر. أحب إحساس مكرم أبو الحسن الذي لم يجمعني به عمل من قبل ويعزف الكونترباص، وفي حفل الإطلاق سينضم إلينا موسيقيون آخرون هم خالد عمران، وعلي عبدو، ورنيم البزري، ورنا زيدان، ورامي شيبان راقص تنّورة. وسنلتقي في بيت عتيق في الشوف لنعيش الحالة مجدداً قبل الحفل.
○ في المقطوعة الخامسة «روح» لفتني تنوع الألحان الطربية والإيقاعات؟
• مقطوعة شكّلت تحدياً حقيقياً خاصة جملة «كرر أعد أطرب أبسط». بعد البحث قررنا أن تبقى كما هي، فجمالها كامن في اللغة، نعم هي مقطوعة غنية بالموسيقى.
○ وفي السادسة «زوال» بدت السلطنة الصوفية واضحة. هل هو استنتاج صحيح؟
• نعم صحيح. «زوال» كلمات مستني من الداخل وقد أديتها من كل قلبي، مقطوعة اُنجزت في اليوم الرابع من الإقامة. أبحرنا فيها بعيداً، موسيقاها ارتجالية ومجنونة، كذلك حضر صوتي في لحظات من التجريب.
○ هل تجيدين العزف؟
• أعزف الإيقاع والعود. مع العود أرافق صوتي، وفي الحفلات أرافقه بالإيقاع.
○ ماذا عن الدراسة التي أتت بك من رام الله إلى بيروت؟
• بقي لي مناقشة الرسالة في جامعة الكسليك. جذبتني بيروت لأبعد من فكرة الدراسة نظراً للغنى الذي تتمتع به، شرط أن يعرف المرء المكان الصحيح الذي يتوجه إليه. غادرت فلسطين طلباً للموسيقى والدراسة، والأبحاث التي تسبق أي حفل على المسرح. في بيروت أشعر بشهية مفتوحة على الدوام لمزيد من المعرفة الموسيقية، هو أمر متعب ضريبته لهاث متواصل. بيروت محفّزة على الدوام.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية