معاريف: رغم “الإهانة الكبرى”.. “حزب الله” ليس فريسة سهلة وستدفع إسرائيل أثماناً “غير مسبوقة”

حجم الخط
2

مشكوك أن تكون إسرائيل وجهت لحزب الله في الـ 40 سنة ضربة كهذه، حسب المنشورات. فالتفكير بأن أناس حزب الله ممن كانوا عنواناً للعملية كانوا يسيرون على مدى أشهر وعلى أجسادهم أجهزة استدعاء، دون أن يعرفوا بأنها قنابل صغيرة تفعل عن بعد بكبسة زر من تل أبيب.

حتى الاسم الدقيق للعملية كان من الصعب إدراكه. فمن هجوم البيجر الثلاثاء أصبح في الغداة “هجوم الوكي توكي”. وفي ذات المساء، انضمت إليهم بطاريات ليثيوم تفجرت وأجهزة أيفون. تملك لبنان الفزع. كل جهاز كهربائي استورد من الخارج اشتبه به بأنه قنبلة خفية. اذهب لتعرف إذا كان الواقف إلى جانبك ليس رجل حزب الله. قد نتخيل الفزع الذي أحس به اللبنانيون.

من ناحية استخبارية، تعد هذه عملية لامعة منسوبة لجهاز الأمن الإسرائيلي. ليس صدفة أن عربد نصر الله أمس في تعابيره إلى رد فعل أليم. كان يجب رؤية النكات التي تراكضت على حسابه وحساب رجاله. “يا حسن، لا ترد على إسرائيل”، توجه إليه أحد نجوم الشبكة. إذا كنت رجلاً، فرد على الهاتف”. وصمم آخرون صور أجهزة هاتف قديمة استخدمناها في السبعينيات والثمانينيات وهي معلقة على الحزام.

إن قدرة الاختراق لمنظمته، تحكمت بحياة رجاله الحميمية من بعد، ولحق بهم أمام الجمهور اللبناني. كما كان هناك أيضاً موضوع شخصي. المئات منهم تعرضوا للانفجار في الوجه وأفسدت وجوههم. حزب الله، الذي يدعي صبح مساء بأن أفعاله تحمي اللبنانيين ويتباهى بأنه يردع إسرائيل، جلب الموساد والجيش الإسرائيلي إلى كل بيت.

وضع جديد في المعركة

لكل منظمة مقاتلة شرف، ليس للعرب منهم فقط. لكن حزب الله مفعم بالعزة على نحو خاص. فهم ممتلئون بإحساس الشرف، مما يعود في بعضه إلى أجيال من الدونية الطبقية للطائفة الشيعية في لبنان. في السنوات الأخيرة، شعروا بأنهم يشترون عالمهم. إسرائيل أيضاً. ها هم يقاتلون ويطردون ويفعلون كما يريدون على طول الحدود. استخفوا بنا. استخفوا بكارهيهم في الغرب وبالطبع حكومة لبنان. وعندها نشبت الحرب، وفي مغامرتهم الكبيرة قرر نصر الله ورجاله إلحاق لبنان بحماس. ألقى الجيش بثقله على التفوق الاستخباري، وبدأ يصيبهم واحداً تلو الآخر. وهذا الأسبوع سد أفواههم، بكل معنى الكلمة.

الآن نصر الله في شرك: من جهة تأذى بشرفه، ومن جهة أخرى كل رد من جانبه سيجر رداً أكثر حدة بأضعاف من عدوه المرير. كان مسلياً أن يقرأ المرء هذا الأسبوع مقال إبراهيم الأمين، الصحافي الأقرب إلى حزب الله وعملياً الناطق غير الرسمي بمواقفه. الأمين، كاتب كفؤ وذكي، اشتكى من أن إسرائيل لا تتصرف وفقاً للمعادلات. فقد اقترح حزب الله خوضاً في منطقة الحدود فقط، أي تدمير بلدات الشمال، أما إسرائيل، المتمردة، فقد رفضت ووسعت دائرة النار. والآن، كما يلمح، ربما يستخدم حزب الله السلاح الذي حاول الابتعاد عنه. غزو بري من مقاتلي منطقة الجليل، أو استخدام الصواريخ الدقيقة لضرب أهداف عسكرية أو مدنية في عمق إسرائيل.

“المقاومة لن تستسلم للمشاعر”، كتب الأمين، في محاولته ليقول إن الرد سينظر فيه برباطة جأش. “لكن العدو يعرف جيداً بأنه دفع المقاومة لهجر إطار قواعد الحرب القائمة منذ سنة، وأننا نقف أمام وضع جديد”.

نصر الله اليوم في الدرك الأسفل الأعمق منذ سنين طويلة. معظم الجمهور ليس معه. فقدَ بعضاً من العقول الأهم لديه، ومئات من رجاله أيضاً. مشكوك أن يكون الهدف الوطني الذي لأجله ألقى بقواته إلى المعركة – إنقاذ حماس – قد تحقق. حماس تسير من سيئ إلى أسوأ. ونصر الله يعرف أن كثيرين آخرين، في الشارع العربي، في لبنان أيضاً، وفي إيران بالطبع، يتوقعون منه محو العار. بخلاف السنوار، الذي يقاتل وحده في غزة، نصر الله ليس وحيداً، فالإيرانيون معه، والحوثيون أيضاً، وجيوش من المؤيدين في العراق وفي أماكن أخرى أيضاً. إذا ما علق في حرب وجود سيأتي كل هؤلاء لنجدته. كما أن له أصدقاء من درجة ثانية، كفيلون بمساعدته في المشورة والسلاح والضغط الدبلوماسي؛ روسيا مثلاً وقطر والجزائر.

هذا يجلبنا إلى أنباء سيئة: “هجوم البيجر” وإن كان سيذكر لسنوات طويلة إلى الأمام، لكنه لن يعيد سكان الشمال إلى بيوتهم. هذه عملية لامعة أساسها تكتيك، لكنها ليست استراتيجية. من الأفضل لو كانت خطوة بدء لحرب، تذهل العدو وتضعفه قبل إلقاء ضربات رهيبة على رأسه، لكنها لم تكن. مسؤول كبير في حزب الله، هاشم صفي الدين، هدد أول أمس في أن الهجوم سيوقظهم لمهاجمة بلدات أكثر، وبذلك يوسع نطاق الإخلاء في أراضي إسرائيل.

يخطئ من يعتقد أن إسرائيل يمكنها تصفية حزب الله بسهولة في هذه الأيام. فحزب الله ليس حماس، وأراضي لبنان واسعة ولا تشبه غزة. مقاتلوهم أكثر خبرة من مقاتلي السنوار، والسلاح الذي لديهم أكثر تطوراً. صحيح أنهم سيتكبدون ضربات قاضية، لكنهم لن يقاتلوا وحدهم؛ فهذه حرب وجود، وسيتجند ورفاقهم من أجلهم. إرساليات المساعدة تلك كفيلة بأن تضاعف عدد المسلحين الذين سيقفون في وجه الجيش الإسرائيلي في لبنان. ويدور الحديث عن إضافة عشرات آلاف المقاتلين. والمجتمع الإسرائيلي، هل بوسعه أن يصمت أمام كلفة حرب كهذه؟ جيش احتياط منهك، والجيش النظامي يقاتل منذ سنة في غزة. حرب تكلف مالاً كثيراً جداً. مشكوك أن يكون الاقتصاد الإسرائيلي مبنياً لها. ستكون حرباً طويلة وقاسية، إذا ما بدأت، لم نشهد لها مثيلاً.

حزب الله كسب عن حق الأثمان الباهظة التي يدفعها وتلك التي سيدفعها. بسبب الخراب الذي زرعه في بلدات الشمال، وبسبب الضائقة التي أدخل لبنان كله إليها. كثيرون في المنطقة يتمنون رؤيته يسقط، ليس في إسرائيل فقط. لكن يجدر بنا معرفة أين نسير. ربما ندير بضعة أيام قتال حيال حزب الله، ربما أكثر. كما يمكن إدخال قوات برية إلى لبنان وإيلامهم بالطبع. لكن تصفيهم تستغرق سنوات، وسيكون الثمن عالياً جدا.

جاكي خوجي

 معاريف 20/9/2024

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية