النقيب البروفسور يوسف بخّاش: أطلقنا منصتين للمساعدة وسريعاً استوعبنا كافة الإصابات

زهرة مرعي
حجم الخط
2

المؤسسات الاستشفائية والكادر الطبي ووزارة الصحة محط إعجاب وثناء اللبنانيين والعالم

بيروت ـ «القدس العربي»: لم تمض ساعة على الحوار مع نقيب أطباء لبنان البروفسور يوسف بخّاش حول الاعتداء الصهيوني الذي أدى إلى استشهاد ما يزيد عن 12 لبنانياً، وجرح ما يفوق الـ3000 حين بدأت موجة اعتداءات جديدة على أجهزة لاسلكية.

حال الصدمة التي خلّفها الاعتداء في الساعات الأولى ليوم 17/9 تحوّلت مع تقدّم ساعات الليل إلى تقدير وفخر على مستويات عدّة. طبياً وهو الأكثر أهمية في أوضاع مماثلة، شعر اللبنانيون والمسؤولون بإكبار لما تميزت به كافة المؤسسات الاستشفائية من جهوزية، خاصة في بيروت حيث فاق عدد الجرحى الـ1700. وكذلك الجنوب حيث زاد العدد على الـ750. وأكبر الجميع التحرك السريع لوزير الصحة الدكتور فراس الأبيض مع فريق الطوارئ المُنشأ سابقاً، وإدارته لأشد اللحظات قساوة على لبنان.
ولبى الجميع النداء الذي وجهته نقابة الأطباء للالتحاق بالمستشفيات من دون استثناء. وهذا بدوره كان مبعث فخرٍ وتقدير لدى اللبنانيين جميعهم. الكادر الصحي برمته من مسعفين وسيارات إسعاف، وممرضات وممرضين وأطباء باتوا مجندين تباعاً وفي خلال أقل من ساعة لبدء الإسعاف.
وكان للتبرع بالدم شأنه الوطني الآخر، حيث نُصبت المستشفيات الميدانية سريعاً في كل بيروت والجنوب والبقاع والشمال، وفاقت الوحدات التي جُمعت امكانات تخزينها.
وقبل مرور 24 ساعة على العدوان أنشأت نقابة الأطباء منصتين عبر شبكة الإنترنت مختصتين بالاستشارة والمساعدة. واحدة لطب العيون، وأخرى لجراحة اليدين. منصتان وضعتا بخدمة المستشفيات والأطباء تحوّل صور للحالة عبرهما، مهمتهما مساعدة الطبيب لتقديم الخدمة الصحيحة لمريضه.
عن الليل الطويل الذي تلى العدوان حوار مع نقيب الأطباء البروفسور يوسف بخّاش:
○ بعد يوم من العدوان أطلقتم كنقابة أطباء منصتين بهدف خدمة أفضل للجرحى. فماذا عنهما؟
• منصتان ستكونان بإشرافي كنقيب ومختص في جراحة اليد، إلى جانب مختصين في جراحات العيون والجراحة العامة. ويمكننا عبر هاتين المنصتين تقديم المشورة الصحيحة لطب العيون، واليدين. والتوجيه بنقل المريض إلى المركز الطبي المتخصص سيما العيون، إن كان يحتاج.
○ هل تخبرنا عن ردة فعلك الأولى على هذا العدوان كطبيب ونقيب؟
• كانت صدمة. شعرتها كارثة إنسانية تصيبنا. سريعاً كنقيب وكطبيب في مستشفى الجامعة الأمريكية تلقيت كما كافة الأطباء وعبر الهاتف رسالة تقول «حالة طوارئ D» وسريعاً رسالة ثانية تقول «حالة تأهب قصوى». أي ضرورة توجه كافة المختصين إلى قسم الطوارئ. كنت خارج المستشفى ومباشرة توجهت إليه.
○ وفي هذه اللحظات كنت الطبيب المختص أم النقيب؟
• في لحظات توجهي إلى المستشفى كنت على تواصل مع وزير الصحة الدكتور فراس أبيض. إذ كان مطلوباً أن أكون في قسم الطوارئ في وزارة الصحة إلى جانب الوزير، للمشاركة في تنظيم المهمات، بما تتضمنه من نقل الجرحى، وتقييم الإصابات، وتحديد المراكز الصحية المتخصصة المؤهلة لاستقبال هذا النوع من الإصابات. لكن حجم الكارثة حتّم أن أكون طبيباً مختصاً في جراحة اليد والترميم لساعات طويلة. والأصابات جميعها طالت اليدين.
○ كم مكثت في غرف الجراحة؟
• أظنني وصلت إلى المستشفى بحدود الخامسة عصراً. وتواصل عملي في غرف العمليات إلى الواحدة فجراً. الحالات الأكثر خطورة هي التي دخلت غُرف العمليات، أي تلك التي تعاني من نزيف حاد. وفي هذه الأثناء ضُمدت جراح كافة المصابين الذين نقلوا إلى مستشفى الجامعة الأمريكية. وفي السادسة صباحاً بدأ العمل بتفقد الـ200 مصاب الذين استقبلتهم الجامعة الأمريكية، وتقييم إصاباتهم وفق مستويات ثلاثة، الأول شمل من لديه إصابات مختلفة طالت الوجه، والعيون، واليدين، والصدر والفخذ.
○ وهل من مصابين بلغت جروحهم هذا الحد؟
• بالتأكيد. فمن نظر إلى الجهاز وهو جالس أصيب بجروح طالت غالبية الجسد. ووفق التقييم الطبي لهؤلاء أولوية دخول العمليات. والمستوى الثاني شمل من لديهم إصابات باليدين معاً، وجزئياً بالوجه، والمستوى الثالث هم المصابون بيد واحدة وإصابتهم طفيفة، فينتظرون للمرحلة الأخيرة.
○ ما هو أثر التعبئة الطبية المستمرة منذ شهر اكتوبر 2023 في بلوغ هذه الاستجابة الطبية السريعة لعدوان فائق التصوّر؟
• دون شك كان له الأثر الكبير. ونحن كأطباء ومؤسسات صحية بتنا جاهزين لاستيعاب هذا الحجم وهذا النوع من الضربات، وآخر الاختبارات كان في الرابع من آب/اغسطس.
○ وما هو الاختلاف بين 4 آب و17 أيلول؟
• في تفجير المرفأ بلغ عدد الجرحى 7 آلاف، والشهداء 270. في حينها استقبل مستشفى الجامعة الأمريكية 450 إصابة. وصل إلينا في 17 أيلول/سبتمبر 200 مصاب، جميعهم يحتاج للمستشفى. وبالمقارنة نعرف أن ثلثي الإصابات في تفجير المرفأ كانت جلدية وطفيفة، عُولجت في الطوارئ وغادرت.
○ بما أن الإحصاءات تقول إن 80 في المئة من الإصابات طالت العيون فهل تمكنتم كنقابة من استنفار أطباء العيون في لبنان؟
• بالتأكيد. ومنذ اللحظة الأولى طلبنا إلى كافة الأطباء، وكافة المختصين التوجه إلى مراكزهم الطبية. نتحدّث بعد مرور 24 ساعة على الاعتداء، ونظراً لكثرة الإصابات فثمة مستشفيات لا تملك الامكانات التقنية، أو تعاني نقصاً في عدد الأطباء المختصين. قد يكون لدى أحد المستشفيات 40 إصابة في العيون ومختص واحد، من المؤكد سيعجز عن تلبية الحالات الأكثر خطورة، ولهذا السبب أطلقنا كنقابة منصة إلكترونية هاتفية بهدف ربط المستشفيات بعضها بالآخر. وقد يكون للمنصة رأي استشاري في حالة طبية محددة، أو المساهمة بنقل مريض من مستشفى إلى آخر متخصص.
○ بعد استراحة لساعات قليلة هل لك أن تصف حالكم كمستشفيات وفريق طبي في لبنان؟
• منذ أقل من سنة ونحن نتحضّر لاحتمال هجوم عدواني على بلدنا. في الحقيقة لم نتخيّل مُطلقاً هذا العدد من الإصابات، وفي ثوان. ما يمكنني قوله أننا وكما بعد 4 من آب/اغسطس، تمكنّا وخلال فترة قياسية من استيعاب هذا الكم الهائل من الإصابات. طبيعي أن هؤلاء الجرحى يحتاجون لمزيد من المعالجة، والعمليات الجراحية، وعمليات ترميم وتقويم، وستتم مع الوقت. إنما ورغم كل التحديات استوعبنا كافة الإصابات، رغم هجرة الأطباء، وهجرة الكادر التمريضي والتقني.
○ هل من أمر فاجأك في ذاك اليوم غير المسبوق حتى عالمياً؟
• نعم. المفاجئ هو نوع الانفجار بحد ذاته، وخاصة باليد، والذي أدى لبتر في الأصابع. ولم نتمكّن من استرداد الأعضاء المبتورة. قوة الانفجار هشّمت الجزء المبتور منها، وحتى اختفائه. عالجت جريحين أوتي ببعض الأشلاء لأصابعهما، لكن للأسف أشلاء غير صالحة لإعادة ربطها.
○ هل يمكن القول أننا كقطاع صحي مستشفيات وأطباء نتميز ببنيان صلب؟
• وبكل فخر. لو شهدت دولة أفريقية ما حدث عشية 17 أيلول/سبتمبر في لبنان، فقد تنهار، حتى لو حدث في دولة عربية خليجية قد تنهار. أولاً لعدم امتلاك أي دولة هذا الكم من سيارات الإسعاف. بينما نحن مجهزون، وفي حالة طوارئ مستمرة.
○ وهل تُعتبر حالة أصعب من الزلزال؟
• بالتأكيد. رغم كون الزلزال قد يؤدي لذات عدد الإصابات أو أكثر، لكنهم لن يصلوا جميعهم وبوقت متزامن إلى المستشفيات.
○ كنقيب أطباء ماذا تقول عن حملات التبرع بالدم التي شملت كل لبنان ومساعدة الشمال بالأطباء وسيارات الإسعاف؟
• ما حصل هو تضامن شعبي بين كافة المناطق والأطياف في لبنان، بغض النظر عن التطلعات السياسية أو الطائفية. فعلاً كنا في حالة تضامن على مستوى الوطن.
○ ما هي العبرة التي استخلصتها؟
• طالما وجدنا هذا التضامن بين اللبنانيين فلبنان لن يموت.
د. ساري عبد الله:
لم نسمع أنين الجرحى. كفاءة الأطباء والمؤسسات استوعبت الكارثة.

الطبيب المختص في الجراحة العامة ورئيس اللجنة الإعلامية في نقابة الأطباء الدكتور ساري عبد الله روى لـ«القدس العربي» ما حصل ليلة 17/ايلول.
نسأله أين كنت؟ كنت ما أزال ضمن حرم مستشفى رزق/المركز الطبي للجامعة اللبنانية الأمريكية في بيروت عندما تلقيت نداء الإلتحاق السريع بمركز العمل عبر الهاتف من المستشفى ومن نقابة الأطباء.
○ كيف تصف هذا اليوم؟
• مأساوي للغاية. نحن في بلد يقع على طريق «ذي الشوكة» لم نشعر يوماً براحة، خاصة أطباء الجراحة العامة، وجراحة الشرايين. كان الحدث سريعاً ومفاجئاً جداً ويختلف كلياً عن تفجير 4 آب/اغسطس. في البدايات سيطر ذهول، وأحد لم يدرك ماذا حصل ويحصل، والمعلومة الأولى التي وصلتني أن مستشفيات الضواحي تستقبل جرحى مصابين بالعيون وبتر الأطراف.
○ وماذا تقرأ في الاستيعاب الطبي القياسي لما حصل؟
• الكادر الطبي الكفوء من أهم مميزات لبنان. كادر متعاضد أثبت سرعة قياسية في الاستجابة، وكذلك حال الشعب اللبناني. في 17/9 علمت بمشهد تضامني مؤثر جداً. فمستشفى رزق مركزه الأشرفية، وفيه كانت الطواقم الطبية جميعها حاضرة تلبية للنداء، وإلى جانبهم سارع أهل الأشرفية لتلبية نداء التبرع بالدم، وعدد منهم وقف إلى جانب أهالي الجرحى وقدم لهم شربة الماء. هذا ما يحكي حالتنا الإنسانية والوطنية بمواجهة العمل الإبليسي الشيطاني الذي قام به العدو. إنه ليس بعمل حربي مطلقاً.
○ وماذا عن الحالات التي استقبلها مستشفى رزق؟
• للأسف معظمها حرجة، و99 في المئة منها تحتاج لجهاز تنفس. فحجم الإصابات في الوجه أصابت المجاري الهوائية بالأضرار.
○ معظم الإصابات من الرجال؟
• نعم. فقط استقبلنا طفلاً توقف قلبه للحظات فالإصابة في صدره، وعاد للعمل مع المسارعة لإنعاشه. وهذا ما أفرح الفريق الطبي والحمد لله.
○ وماذا عن العبرة التي خلصت إليها كطبيب؟
• هما عبرتان. نحن بلد مشهود له على مستوى الاستشفاء، ودور النقابة كان مميزاً جداً، مستوى الالتحاق بالمؤسسات الطبية كان سريعاً، ومن ثم أهمية الكفاءات الطبية في كافة المستشفيات وخاصة الجامعية التي قدّمت أفضل خدمة لمرضاها. كنا في حدث هو الأصعب على الإطلاق، في أربع ثواني بات لدينا 3 آلاف جريح. لم تُحبط العزائم بل العكس هو الذي حصل. الملفت وهذا ما يجب تسجيله للتاريخ، أننا لم نسمع من الجرحى الذين وصلوا إلى مستشفى رزق أنيناً أو حتى كلمة آخ. يبدو أنهم مدرّبون على المستوى الجسدي والعقائدي لمواجهة المصاعب، ولهم التحية. وأعيد التأكيد بأن الأكثر تعبيراً وعبرة تمثّل بوحدة اللبنانيين أمام هذا الحدث الجلل رغم التباينات السياسية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية