هل فعلياً تميّز إسرائيل بين «حماس» و«حزب الله»؟

وسام سعادة
حجم الخط
1

تواترت، بصدد هجمات «حماس» ردّات فعل ومناحي تقييم بدرت إليها جماعة «حزب الله» في الأسابيع والأشهر التي أعقبت اندلاع الحرب.
الاستنتاج العام الذي يمكن افتراضه عند معاينة ما تواتر آنذاك هو أنّ الحزب وجد أن الأنسب الجمع بين تقييم «نقدي» لتوقيت وزخم هجمات «حماس» والشعارات التي سوّغت بها هذا التصعيد الرهيب، وبين تثمينه للحدث، كانعطافة «تاريخية – رؤيوية» كان لا بدّ لها أن تأتي في حركة الصراع مع إسرائيل، لقطع الطريق على ما تقيّمه منظومة الممانعة الموالية لإيران الحرسية على أنه مشروع أسرلة آخذ في الانتشار في المنطقة ولا بدّ من تضافر الإسلامين الحركيين، الخمينوي والإخواني، لكبح جماحه، ومن ثمّ لجعل إسرائيل تجرجر وراءها صدمة مرعبة تهزّ أركانها، وتشعرها بأنها ما بنيت على أسس بمستطاعها الديمومة أو الاستطالة بالزمان، وأن تفككها قد بدأ، ولو كان من الضرورة الاستعداد لمواجهة كل ما يمكن أن تفعله للرد على هجوم لا ينفع حياله أي ردّ.
لم ينقطع في المقابل النقاش الأمني بالدرجة الأولى، بناء على استجماع المعطيات الاستخبارية في إسرائيل، حول دور «حزب الله» في هجمات 7 أكتوبر، بصرف النظر عن شكل تقييم الحزب لأسلوب ترجمة مخطط هذا الهجوم في الميدان.
خطورة هذا النقاش واستمراره مدة طويلة ليس بتفصيل. لأن الأخذ بعين الحسبان هذا «الاشتباه الإسرائيلي» بمسؤولية «الحرس الثوري» و«حزب الله» ليس فقط التحريضية، بل التجهيزية لهجوم 7 أكتوبر، هو الذي بإمكانه أن يوضح لنا بعد ذلك ما الذي تريده إسرائيل اليوم حيال «حزب الله» وحيال لبنان كتركيبة، ومقابلة ذلك مع ما تعمل لأجله إسرائيل في قطاع غزة بالدرجة الأولى وبالنسبة لعموم المناطق الفلسطينية من ثمّ.
ما تريده إسرائيل في قطاع غزة أمرين: استئصال حركتي حماس والجهاد، وإلحاق «عطب ديموغرافي» مزمن بالمجتمع الفلسطيني في القطاع يساهم في تأجيل استحقاق تأمين الغلبة العددية لغير اليهود على أرض فلسطين الانتدابية «البريطانية».
يندرج الهدف الأخير بوضوح في خانة الحرب ذات المنحى الإبادي. ليس بمستطاع إسرائيل إبادة كل سكان القطاع ولا تهجيرهم كلهم، لكن بمستطاعها منع النمو الديموغرافي للسكان بموجب الحرب الحالية لقرن كامل. الاتحاد السوفييتي كمثال، تغلب على ألمانيا النازية لكن الفجوة الديموغرافية التي تسببت بها حربه معها لعبت من ثم دوراً هائلاً في ركوده الاقتصادي والسياسي بعد حين ومن ثم في تفككه. الحرب تكون إبادية المنحى عندما تستهدف التأثير بشكل سلبي وحاد وشامل ومزمن على النمو الديموغرافي لمجتمع ما.

الحرب الديموغرافية على الفلسطينيين

تتفاعل معظم المجتمعات والأنظمة العربية على حد سواء مع تمادي الحرب الديموغرافية على الفلسطينيين بانعدام مسؤولية مريع، لأن عدم القيام بأي مجهود فعلي لوقف هذه الحرب من قبل مجتمعات وأنظمة الإقليم هو مؤشر لمدى التلف الذي بلغته هذه المنطقة بعد قرن من التأرجح فيها بين المستعمرين والمستبدين والظلاميين، وعدم وجود قناعة حيوية راسخة ولو لدى فئة قليلة من الناس في كل مجتمع للخروج على الأشرار الثلاثة، المستعمر والمستبد والظلامي معاً، وإنما التلهي طول الوقت في المراهنة على شرّ ضد آخر، اعتقاداً منها أن الحنكة تفرض ذلك، أو أن الواجب الأخلاقي يستوجب ذلك، أو هي العاطفة.

التفريط والإفراط

في مقابل كل هذا «الاستهتار السلبي» أو «التفريطي» من جانب معظم مجتمعات المنطقة وأنظمتها، تظهر فروع «منظومة الممانعة» المتشكلة حول «الحرس الثوري الإيراني» ما يمكن الاصطلاح على تسميته «الاستهتار الايجابي» أو «الإفراط» غير القائم على اللامبالاة أو فضّ اليد مما يكابده شعب فلسطين. بالعكس، ذلك أنه يقوم على محاولة مشاغلة إسرائيل وأمريكا أو الضغط عليهما، قنصاً أو مفاوضة، لإيقاف المقتلة الجماعية والحؤول دون استئصال «حماس» و«الجهاد». إنما هذه الحركية المقاتلة، والتي تجد تطبيقها الأمضى في القتال الذي يخوضه مسلّحو «حزب الله» في الجنوب اللبناني منذ إحدى عشر شهراً، إذ توجد نموذجاً نقيضاً للخمود العربي العام، ثم الخمود العربي المتواطئ ثم التواطؤ العربي الحيوي مع إسرائيل الليكودية، فإنه يسجّل لها كحركية مقاتلة عدم ترك الفلسطينيين لمصيرهم، لكنها في الوقت نفسه غير قادرة على الفصل في الأولويات بشكل حاسم. فهل الأولوية وقف حرب الإبادة على الفلسطينيين أو إنقاذ المستقبل الأمني – السياسي في قطاع غزة لحركتي حماس والجهاد؟ دأب الممانعة إدغام الأمرين معاً. وهذا يعني أن القوى نفسها التي تركز على الطابع الإبادي لهذه الحرب ليست مستعدة لاستنتاج ما ترمي اليه إسرائيل بالدرجة الأولى من هذا التحطيم المتواصل لشروط العيش في قطاع غزة، وهو ابعاد ما كان له أن يتأمن في قليل من السنين من تشكل غالبية ديموغرافية غير يهودية غرب نهر الأردن، وبالتأكيد لولا الحرب الحالية كان هذا ليكون قدر إسرائيل المحتوم عندما تبلغ الدولة الصهيونية مئويتها بعد أقل من ربع قرن.
بالقدر نفسه، يبرز الإفراط الممانعاتي عندما يتعلق الأمر بتقدير ما الذي يمكن لمجتمعات كما في حال لبنان أن تتحمله وما لا يسعها تحمله إلا بانفجار تناقضات معتملة فيها وأزمات وخيبات متراكمة من سنين طويلة. بيد أن «حزب الله» تحديداً حاول الموازنة هنا بين اعتبارين. أولهما ضرورة انجاد «حماس». وفهم أن مصير محور الممانعة معلق بمصيرها. بصرف النظر عن المنسوب «النقدي» الضمني في تقييم عملها يوم 7 أكتوبر ومدى الانسجام بعد ذلك في التصور المرحلي لطبيعة الصراع مع إسرائيل. ثم ادراكه فوق ذلك أن إسرائيل لن تنتظر لما بعد ضرب حماس حتى تباغته، وقبل ذلك أنه لا يمكنه أن يراكم منذ وجوده أدبيات تحرير القدس ولا يشارك في هذه المواجهة. حاول الحزب موازنة كل ذلك مع اعتبار آخر، عنوانه أن شرعيته يستمدها بشكل أساسي من نجاحه في الرفع من رصيد شيعة لبنان داخلياً وإقليمياً، وفي تحرير جنوب البلد وفي التحول إلى نموذج كفاحي يغري الاقتباس منه. وكل هذا يغذي بالضرورة غريزة حفظ النوع، تفادي الذهاب إلى منطق «إما نكون أو يكونون».
منذ إحدى عشر شهراً يحاول الحزب التوفيق بين هذين الاعتبارين. تنشيط غريزة البقاء من جهة، والاسهام في منع الإجهاز إسرائيليّاً على حماس من جهة ثانية. يقابل ذلك مسلك إسرائيلي يمكن تمييز حد أدنى وحد أقصى فيه. الأدنى ابعاد الحزب عن الحدود، عن جنوب الليطاني، وتركه «يشاهد» وقائع استئصال حماس وبالتالي سحب شرعيته «المقاوماتية» والمراهنة مجددا على إرهاقه بالأزمات الداخلية اللبنانية. أما الحد الأقصى وهو بيت القصيد فهو : طلب رأس «حزب الله». واعتباره العدو الاستراتيجي الأول، وليس حماس. يرتبط ذلك إلى حد بعيد بالاشتباه بمسؤولية الحزب «في مكان ما» عن هجمات 7 أكتوبر.

العودة إلى سؤال سحيق

جاء التصعيد الإسرائيلي النوعي هذا الأسبوع، بمجزرة تفخيخ-سيبرانية لأجهزة الاتصال، ثم تصفية قيادة قوة النخبة – الرضوان وعلى رأسها ابراهيم عقيل، ليدفع هذا المنحى إلى المشهد بوضوح أكثر مما قد بدرت إليه إسرائيل منذ تحججها بمقتلة مجدل شمس لتصفية قيادي الحزب فؤاد شكر. استند هذا التصعيد إلى ظهور المزيد من الشرخ أو الهوة من حيث القدرات الايذائية كما من حيث القدرات الردعية بين إسرائيل والحزب، والى حصول إجماع إسرائيلي حول ضرورة التحرك ضد الحزب في العمق بلبنان، في مقابل انقسام لبناني متصاعد ومقرون بتململ في الوسط الشيعي بين دوام مبايعة قيادة الحزب وبين الشكوى من عدم وضوح الأفق، وغموض غايات التضحيات الحالية، هذا قبل أن يتجذر هذا المنحى مع ظهور التفاوت الحالي في القدرة على احداث الرعب وتعميم الذعر وبث الاحباط.
يعيدنا هذا الى سؤال يتحرك بأشكال مختلفة منذ فجر التاريخ الحربي للبشرية. إلى أي حد ينبغي أن تكون مؤمناً بأنك ستنتصر كي تنتصر؟
إذا كنت مسلّماً بالأمر كحتمية ألا يدفعك ذلك للتراخي؟ واعتبار أن الغيب أو التاريخ أو القدر سيحارب عنك؟
لكن ان كنت لا تجد من أفق للانتصار ماذا تفعل؟ تحارب حتى النهاية، علام بالتحديد؟ من أجل ماذا؟ لتكبيد عدوك الآيل الانتصار ما ينغص عليه نصره بصرف النظر عن الفارق في الأهوال وشلالات الدم؟ من أجل نقل وصية لجيل جديد كي يخرج منادياً بالثأر لك كمهزوم محتوم حارب مع ذلك حتى الرمق الأخير؟
بالنسبة لحزب الله وحماس هذه الأسئلة من البديهي أن تطرح ولو باللغة الأيديولوجية الدينية للفصيلين، المختلطة مع ما تناهى إليهما من مفاهيم حركات التحرر الوطني، القادمة من خلفيات فكرية وحضارية مغايرة. «الشمشونية» تبرز أكثر في الخيارات التي تعتمدها حماس في غزة في هذا الوقت، لكنها شمشونية محاصرة. أو أقله تعمل إسرائيل على استنزاف لها لسنة إضافية، أو أكثر. وتعمل هي على إطالة أمد المواجهة قدر المستطاع إلى أن تتقبل إسرائيل فكرة أنه لا يمكن التخلص من حماس. وإسرائيل، وليس فقط نتنياهو، لا تزال تغلّب فكرة التخلص من حماس، لا ينافس هذه الفكرة عندها إلا فكرة التخلص من الدولة الفلسطينية كموّال عربي وغربي وبشكل نهائي. أما حيال لبنان؟ فإسرائيل يظهر أنها ماضية وراء هدف لا يقل جذرية: جعل «حزب الله» بمظهر أضعف من حماس عشية الذكرى الأولى للسابع من أكتوبر. وجعله قبل كل هذا غير قادر على الحسم داخله، أو بينه وبين مرجعيته العليا الإيرانية: هل عليه أن يقاتل حتى الرمق الأخير مهما كلف الأمر؟ من أين يأتي الآن بما كان يدعوه ماو تسي تونغ «الجرأة على الكفاح، الجرأة على النصر»؟ حماس – يحيى السنوار أقله تجد نفسها في خانة ذهنية أكثر حسماً: الذهنية التي تقول أنه حين تنسد أمامك جميع السبل بمقدورك أن تحارب بشكل أكثر تفلتاً من أي حذر ومن أي خوف. وهذه لها في ماضي التاريخ شواهد عليها وشواهد ضدها، والأخيرة أكثر. أما الحزب فيصعب من الأساس أن يمضي بوضوح إلى حسم الأمور بهذا الشكل. المفارقة أن ضعف هذا الدافع النيهيليستي قد سهل تطويقه والحاق ضربات قاسية جدا به في الأيام الأخيرة وليس العكس. الحزب دفع ثمن تفضيله غريزة البقاء مع اصراره في الوقت نفسه في محاولة إنقاذ فصيل آثر منطق مغاير يقوم على أنك تحارب بشكل أفضل حين تتحدى ما يبدو لك في لحظتها أنه المستحيل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية