إسرائيل: هل سيكون رد “حزب الله” الصاروخي “مؤشراً حقيقياً” على قدراته؟

حجم الخط
4

بعد أكثر من 500 قتيل جراء هجمات إسرائيل الجوية على لبنان منذ الإثنين، أطلق حزب الله الكثير من الصواريخ نحو شمال البلاد: حيفا والأغوار والسامرة، ولكنه امتنع حتى الآن عن الإطلاق نحو تل أبيب الكبرى. الرد المحدود نسبياً حتى الآن جغرافياً قد يعكس قوة الضربة لمنظومات قيادة وسيطرة حزب الله الشيعي والتدليل على التخبط في القيادة العليا، التي قتل معظم قادة ذراعها العسكري في عمليات الاغتيال التي نفذها الجيش.
رئيس حزب الله، حسن نصر الله، تفاخر خلال سنوات بأسلوب المعادلات، التي حاول بواسطتها ترسيخ ميزان ردع أمام إسرائيل. كما يبدو، بعد هجمات كثيفة جداً، شملت ثلاث عمليات اغتيال جوية في بيروت، آخرها مقتل قائد منظومة الصواريخ في حزب الله إبراهيم القبيسي، وربما تُفتح أبواب جهنم على إثر ذلك. كن هذا لم يحدث حتى الآن.
سياسة حزب الله قد تتغير، وبإمكان الحزب أن يلحق أضراراً كبيرة بإسرائيل، سواء شمالي البلاد أو وسطها. يفضل عدم ارتكاب خطأ بتفاؤل سحري رغم الضربات المؤلمة التي لحقت بحزب الله في الأسبوع الماضي التي يبدو أنها الأسوأ في تاريخه. إذا كان التأخير هو نتيجة التخبط، فهذا يحدث كما يبدو لأن حزب الله يدرك أن الإطلاق نحو المركز سيؤدي إلى هجوم إسرائيلي مدمر سيركز على الضاحية، الحي الشيعي في جنوب بيروت والذي هرب إليه كثير من اللاجئين من قرى الجنوب.
في حين أن استخداماً كثيفاً للسلاح الاستراتيجي مثل الصواريخ بعيدة المدى والمدى المتوسط قد تتسبب بأضرار قاسية لأهداف عسكرية ومنشآت بنى تحتية استراتيجية في وسط إسرائيل، مرهون بموافقة إيران. النظام في طهران بنى هذه القدرة في لبنان لاستخدامها كردع ضد إسرائيل أمام مهاجمة المنشآت النووية في إيران. وعليه الآن اتخاذ قرار إذا كان تفعيلها الآن -الأمر الذي انجر إليه بسبب هجوم منسق من قبل حماس في غزة وتصميم حزب الله على مهاجمة إسرائيل كمظهر من التضامن مع الفلسطينيين- يبرر الثمن.
يبدو أن حسن نصر الله اعتقد مرة أخرى أنه يعرف الإسرائيليين أفضل مما يعرفون أنفسهم. ومثلما في 2006 راهن على مغامرة ثمنها أعلى مما خطط له. طرح حزب الله نفسه خلال السنين كمثال تفتخر به الطائفة الشيعية وبأنه المدافع عن لبنان. الآن، كما حدث لحماس في غزة، يبدو وكأنه أنزل كارثة على كليهما. على فرض أن إيران وبحق بنت “برنامج تدمير” يهدف لهزيمة إسرائيل خلال بضع سنوات، ربما يتعين عليها الآن العودة إلى طاولة الرسم. حماس كمنظمة عسكرية فقدت في السنة الماضي جزءاً كبيراً من قدراتها في الحرب مع الجيش الإسرائيلي. الآن قتل وأصيب الكثير من القادة الكبار في حزب الله، وأصيبت منظوماته الاستراتيجية في فترة قصيرة جداً.
كل ذلك لا يعني أنه يجب الانجرار وراء نشوة الاستوديوهات التي تعكس بقلق مناخ المستوى السياسي وأوساط الجيش الإسرائيلي. في الحقيقة، نفهم مصدر ذلك. تكبدت إسرائيل فشلاً وإهانة فظيعين في 7 أكتوبر، وحسن نصر الله يهددها منذ سنوات. من الجيد رؤية أن مهنة الاستخبارات والتفكير العملياتي خلال عقدين في الساحة الشمالية تؤتي ثمارها في فترة الامتحان، في تناقض صارخ مع ما حدث في القطاع. ولكن من الجيد عدم تصديق العدد المبالغ فيه، الذي ينتشر في المستوى السياسي منذ مساء الإثنين، القائل بأن نصف قوة حزب الله الصاروخية تم تدميره. والجيش الإسرائيلي لا يملك دليلاً يؤكد هذه الأعداد، أما التقديرات الحقيقية فهي متواضعة أكثر بكثير.
سئل مصدر أمني رفيع عن الأمر، فقال إن الهجمات قلصت التهديد الاستراتيجي للجبهة الداخلية من قبل حزب الله وإيقاع ضربة منسقة وواسعة على إسرائيل. مع ذلك، اعترف المصدر بأنه “ما زال الحزب يملك قدرة كبيرة على الإطلاق”. في الوقت الذي يدور فيه الحديث عن أكثر من 100 ألف صاروخ وقذيفة تم تدميرها بشكل جماعي، إضافة إلى حوالي 10 آلاف صاروخ أطلقها حزب الله، فهذا لا يلغي التهديد. ربما يحاول حزب الله التدمير وإدارة حرب استنزاف، التي أدخل إليها مؤخراً مئات البلدات ومليون إسرائيلي. المس الكبير بالمواطنين الإسرائيليين سيولد ضغطاً عاماً على الحكومة كي تأمر الجيش الإسرائيلي بدخول أراضي لبنان وحل المشكلة، مرة وإلى الأبد (الأمل الذي تبدد على الأغلب).
يأمل جهاز الأمن بأن القصف الجوي سيخلق “إمكانية كامنة للتسوية التي ربما يمكن استغلالها للتوصل إلى اتفاق جديد يقلص الخطر الذي يشكله حزب الله”، كما قال أحد المصادر. هذا لن يحدث بسرعة، والقصد مواصلة الهجمات في الوقت الحالي.
غريغ كارلستروم، مراسل شؤون الشرق الأوسط في مجلة “إيكونوميست”، أحسن وصف الأمور في “تويتر” عندما كتب: “لا توجد استراتيجية في أي مكان، سواء لدى إسرائيل أو لبنان. حزب الله يقصف شمال إسرائيل منذ سنة، وكأن إخلاء سكان “كريات شمونة” هدف بحد ذاته. ولكنه فشل في تحقيق أهدافه الاستراتيجية مثل تخفيف الضغط العسكري على قطاع غزة، أو فرض وقف لإطلاق النار على إسرائيل.
وحسب قوله، “ازداد الضغط على حكومة إسرائيل وأصبح من الأسهل على نتنياهو التصعيد وأخذ مخاطرة في لبنان. ولكن حتى ذلك الحين، وضع حسن نصر الله نفسه في التزام تشكيل جبهة مساعدة لحماس. والآن يجد نفسه في شرك متوقع. هناك دعم قليل لحرب شاملة مع إسرائيل في أوساط اللبنانيين وأسياده في إيران. ولإسرائيل تفوق واضح في التصعيد، ولكن إذا كانت فكرة إسرائيل هي أن حزب الله سيتراجع بسرعة وسيوافق على تطبيق القرار 1701 فسيظهر هذا كتمرين على التفكير بإيجابية. سيكون هذا منطقياً ولكنه مهين. ليس لحسن نصر الله طريقة للنزول عن الشجرة وإنقاذ صورته. وإذا كانت إسرائيل تخطط لغزو بري وإقامة حزام أمني جديد في أراضي لبنان، فإن التاريخ يعلمنا أن هذا أمر تافه”.
السلم المطلوب للنزول عن الشجرة لم يوفره أحد حتى الآن لحسن نصر الله. الولايات المتحدة لم تستيقظ بعد من سباتها. الرئيس الأمريكي في الحقيقة تطرق بشكل يفطر القلب إلى المخطوفين الإسرائيليين في غزة، وطالب بإنهاء الحرب في غزة ولبنان في الخطاب الذي ألقاه أمس في الأمم المتحدة، لكنه لم يطرح أي مخرج جديد لهذه الضائقة. في الحقيقة ثمة ضجة كبيرة حول صفقة محتملة جديدة تشمل الحل في غزة ولبنان. ولكن حتى الآن، لم يبلغ عن أي تقدم حقيقي. ظهر جو بايدن في الجمعية العمومية متعباً، وكأنه يحصي الأيام قبل انتهاء ولايته. مستشاروه الكبار لا يبثون طاقة أكبر عندما يدور الحديث عن حل الأزمات المعقدة والمتصاعدة في الشرق الأوسط.
نتنياهو الذي نشر بأنه متردد بشأن توقيت ومدة سفره لإلقاء خطاب في الأمم المتحدة، يمكنه تعلم شيء أو شيئين من الرئيس المسن فيما يتعلق بإظهار التعاطف مع عائلات المخطوفين والقتلى. هذا الأمر أقل إثارة عنده الآن. في الوقت الذي يمجده أتباعه كعبقري استراتيجي، أوقع هزيمة بحزب الله بعد أن أركع حماس. كالعادة، النجاحات العملياتية له، والإخفاقات للمستوى الذي تحته.
يتحدث مؤيدوه الآن فيما بينهم بحماسة عن أفكار أخرى، مثل الغزو البري لجنوب لبنان، وإقامة منطقة أمنية (هو نفسه ظهر أقل تحمساً، على الأقل من المركب البري)؛ أو إعادة السيطرة على شمال القطاع واحتلاله، بروحية أفكار الجنرال احتياط غيورا آيلاند. في ظهوره في لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، تحدث نتنياهو عن الحاجة إلى إعادة المخطوفين المحتجزين لدى حماس، وقال إن نصفهم ليسوا على قيد الحياة. هذه هي المرة الأولى التي يتطرق فيها إلى هذا التقدير في منتدى مفتوح نسبياً، الذي تسربت منه هذه الأقوال. القصد واضح، وهو إعداد الجمهور للتنازل عن المخطوفين؛ لأنه لا ينوي التوصل إلى صفقة تلزمه بتقديم تنازلات مؤلمة. ولتحدي هذه الأمور، نشر أمس وزير الدفاع صورة له مع رئيس قسم الأسرى والمفقودين، الجنرال احتياط نيتسان ألون، وكرر الالتزام بتحريرهم كهدف سام للحرب.
عاموس هرئيل
هآرتس 25/9/2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية