مواطنان من قطاع غزة يقطفان ثمار الزيتون. أرشيف
غزة- “القدس العربي”:
يستظل الشاب أحمد أبو كميل بطرف خيمة نزوحه، في المنطقة التي لجأ إليها وأسرته غرب مدينة خان يونس، ويتكئ على أحد أعمدة الخيمة، طلبا للراحة، بعد بذله جهدا في حمل جالونات المياه التي ملأ بها خزانا صغيرا تستخدمه العائلة، ليعود بالذكريات إلى هذا الوقت من السنة، التي كان فيها مع أفراد أسرته صغارا وكبارا وبمساعدة عمال، يجنون محصول الزيتون من حقلهم الذي يقع حاليا كغالبية حقول غزة، في مناطق عمليات عسكرية إسرائيلية خطيرة.
تملك عائلة هذا الشاب كالكثير من عوائل قطاع غزة حقولا مزروعة بالزيتون. وفي هذا الوقت من العام، تكون مشغولة ما بين جني الثمار وبيعها أو حملها إلى المعاصر لاستخراج الزيت. غير أن ظروف الحرب غيّرت وبدلت العادات، خاصة وأن غالية الأراضي الزراعية وفي مقدمتها حقول الزيتون، تقع في مناطق عمليات جيش الاحتلال الذي جرف مساحات واسعة منها خلال التوغلات البرية المستمرة، فيما خرب أخرى لحرمان المزارعين من الوصول إليها.
يقول أحمد لـ”القدس العربي” إنه يهتم كثيرا بتلبية احتياجات الأسرة، من جلب الماء والطعام، والاصطفاف في طوابير طويلة لأجل ذلك، والذهاب إلى المخابز لشراء كميات من الخبز، أو شراء الحطب لإيقاد النار بغرض الطهي، بدلا من أعماله السابقة التي كانت تتمثل في الذهاب لعمله صباحا، والعودة عصرا والجلوس بين أفراد الأسرة، والتجمع في مواسم الزراعة مع الأشقاء برعاية والديهم، للاهتمام بالأرض المزروعة بالزيتون، وجنيه في الموسم المحدد.
ويشير إلى أنه وأشقاءه كانوا في مثل هذا الوقت قد أنهوا جمع نحو نصف المحصول، بعد أن يكونوا قبل بدء الموسم بأيام قد حضروا مستلزمات العمل من أكياس بلاستيكية لوضع المحصول بها، قبل حمله للبيع أو العصر، وسلالم لتسلق الأشجار لجني الثمار وغيرها من المستلزمات.
ويضيف: “هذا هو الموسم الثاني الي بنحرم (نحرم فيه) من موسم الزيتون”، وكان يشير إلى الموسم الماضي الذي بدأت فيه الحرب والقصف الذي طال وقتها بقوة منطقة حقل العائلة، حيث قرر والده عدم الذهاب هناك، حتى لا يفقدوا أرواحهم.
ويقول أحمد “الزيت ما كان بنقطع من بيوتنا”، لافتا إلى أنه كان قد حمل معه زجاجة صغيرة في بداية رحلة النزوح، وأنه بعد نفادها اشترى واحدة غيرها، ويضيف: “النا من أكثر من عشر أشهر بدون زيت”، لافتا إلى أن ما توفر لاحقا من زيوت خلال الحرب كانت أقل جودة من تلك التي اعتاد عليها وأسرته، وأن ما توفر تباعا يباع بأثمان مرتفعة جدا، تفوق قدرات غالبية الأسر في غزة.
واستعاد أحمد ذكريات موسم الزيتون، حين كانت يجتمع وأشقاؤه وأبناؤهم في الحقل مع شروق الشمس ويبقون هناك حتى المغيب. وتقوم الأسرة بتجهيز الشاي والطهي على النار مأكولات كثيرة منها “قلاية البندورة”، ويشير إلى أنه رغم استخدام مواقد النار في تجهيز الطعام حاليا في مناطق النزوح، إلا أن ذلك كان له طعم آخر في موسم الزيتون. وسألت “القدس العربي” هذا الشاب عما أصاب حقل عائلته بسبب الحرب، فأشار إلى أن الحقل يقع على مقربة من “محور نتساريم”، وأن ما وردهم من أنباء يفيد بتجريف واسع نفذته قوات الاحتلال لتلك المنطقة، لكنه لا يعرف ما حل بالحقل، رغم إحساسه أنه أصبح في خبر كان.
خلال الحرب المستمرة ضد قطاع غزة، دمرت قوات الاحتلال الكثير من الحقول والأراضي الزراعية، ومنها حقول الزيتون، خاصة التي تقع في المناطق الشرقية والشمالية للقطاع، وفي المناطق الواقعة قرب “محور نتساريم”، وشرق مدينتي رفح وخان يونس، وهي المناطق التي تتواجد فيها معظم الحقول، كما دمرت حقولا أخرى في مناطق تقع وسط مناطق القطاع، خلال عمليات التوغل البرية.
وفي هذا السياق، كان المرصد الأورومستوطي لحقوق ال‘نسان، أشار في تقرير إلى أن قوات الاحتلال عملت على إخراج قرابة 80% من مساحة الأراضي الزراعية عن الخدمة، إما بعزلها تمهيدا لضمها للمنطقة العازلة بالقوة، على نحو يخالف القواعد الآمرة بالقانون الدولي، أو من خلال تدميرها وتجريفها، وقال إن ذلك يأتي في إطار “خطة منهجية إسرائيلية” منذ بداية الحرب.
وأوضح أن جيش الاحتلال الإسرائيلي عمل على تدمير منهجي وواسع النطاق للأراضي الزراعية ومزارع الطيور والمواشي بنمط واضح ومتكرر، بهدف تجويع السكان وحرمانهم من السلة الغذائية من الخضار والفواكه واللحوم البيضاء والحمراء، وجعل أمر نجاتهم مرهونا بالقرار الإسرائيلي بإدخال أو منع إدخال المساعدات الإنسانية.
محمد قال لـ”القدس العربي”، إنهم كانوا سيرسلون من يتفقد حقلهم فترة جني المحصول، غير أن التوغل البري لقوات الاحتلال المستمر منذ ثلاثة أسابيع في تلك المناطق حرمهم من ذلك. ويجزم هذا الرجل الذي نزح إلى جنوب قطاع غزة، مع بداية الحرب، أن حقلهم الزراعي قد دمر كاملا، لافتا إلى أنه حتى قبل النزوح، كان يشاهد قصفا جويا عنيفا يضرب المنطقة الزراعية الواقعة جنوب شرق حي الزيتون، وفيها أراضي العائلة المزروعة غالبيتها بالزيتون.
أما فضل أبو محمد الذي كان يملك حقلا صغيرا شرق مدينة رفح، فيقول إنه كان يوكل مهمة جني الثمار وعصر الزيتون لأحد المختصين، ويؤكد هذا الرجل الستيني أن حقله تعرض للتجريف الكامل في الشهر الأول للحرب، حيث توغلت قوات الاحتلال بشكل محدود على أطراف المدينة، وذلك قبل التوغل الكبير الحالي، والذي قضى على غالبية الأراضي الزراعية هناك.
وذات الأمر حصل مع إبراهيم أبو ريدة، الذي دمر حقله الزراعي الموجود شرق مدينة خان يونس، خلال التوغل البري الكبير الذي نفذته قوات الاحتلال على المدينة في بدايات شهر ديسمبر من العام الماضي، وبات هذا الرجل لا يملك في منزله حاليا لترا من الزيت، بعد أن كان بيته يفيض من هذه السلعة، والتي كان يهديها لأحبابه وجيرانه بعد بيع الكثير منه.
والعام الماضي، لم ينجح سوى عدد قليل جدا من المزارعين في جني المحصول، ولم يتمكن إلا القليل منهم من عصره، ما أنتج كميات قليلة جدا بيعت بأثمان مرتفعة، وذلك بسبب اندلاع الحرب ضد غزة في الأسبوع الثاني لجني الثمار.
وهذا الموسم، لم ينجح سوى بعض المزارعين الذي يملكون حقولا صغيرة تتواجد في مناطق بعيدة عن الحدود والهجمات البرية، وأشجارا مزروعة في باحات المنازل أو أمامها، في جني الثمار بكميات قليلة جدا، لا تكفي حتى أصحابها، ما يعني بقاء أزمة الزيت والزيتون في غزة.
وكان سكان غزة كباقي سكان المناطق الفلسطينية يحرصون على تخزين جالون على الأقل في كل منزل من الزيت، وجالونات أخرى من الزيتون المخلل بالماء والملح، وتكون هذه الأصناف حاضرة على غالبية موائد الطعام، خاصة في وجبات الإفطار والعشاء.
وفي السنوات الماضية، قدرت وزارة الزراعة كمية استهلاك كل فرد فلسطيني، بحوالي 15 كيلوغراما من الزيتون سنوياً، منها 12 كيلو للعصر، (توفر أقل من لترين زيت)، و3 كيلوغرام للتخليل بالملح والماء.
وحاليا لن يتمكن غالبية السكان من شراء هذه الصنف الغذائي المهم، بسبب ارتفاع ثمنه، حيث يبلغ سعر الكيلوغرام الواحد من زيت الزيتون المنتج بـ90 شيكلا وأكثر (الدولار الأمريكي يساوي 3.7 شيكل)، وهو أكثر من السعر العادي بأكثر من ثلاث مرات.
ويفوق السعر الحالي طاقة سكان غزة الذين أعلن البنك الدولي، أن نسبة الفقر بينهم بلغت 100%، وأشار إلى أن التضخم تجاوز 250%، بسبب تبعات الحرب المستمرة على القطاع منذ نحو عام، وأوضح أن الحرب دفعت اقتصاد غزة إلى حافة الانهيار التام، مع انكماش مذهل بنسبة 86% في الربع الأول من عام 2024.
وفي هذه الأوقات، يلجأ السكان لعصر ثمار الزيتون في بعض المعاصر التي لا تزال تعمل بطاقة قليلة، خاصة وأن جيش الاحتلال تعمد تدمير العديد من المعاصر أو إخراجها عن الخدمة إما خلال التوغلات البرية أو بالقصف، فيما لا يستطيع المزارعون في هذا الوقت الوصول إلى معاصر أخرى لقربها من مناطق عمليات عسكرية إما قرب “محور نتساريم”، أو قرب الحدود الشرقية.