عام على حرب غزة… إسرائيل توسع العدوان وتعمق الاحتلال والمأساة

أشرف الهور
حجم الخط
1

غزة ـ «القدس العربي»: يمضي العام الأول للعدوان الإسرائيلي ضد قطاع غزة، ويدخل عامه الثاني، في أطول حرب منذ بدء الصراع العربي الإسرائيلي، من دون أن توقف دولة الاحتلال آلة القتل ليوم واحد، حتى فترة أسبوع التهدئة اليتيم، الذي قضى فيه مصابون متأثرين بجراجهم الخطرة جراء منع العلاج عنهم، وبعيدا عن كل جهود الوساطة التي بذلت لإيجاد حل ينهي العدوان، تمضي إسرائيل في توسيع العدوان وتعميق احتلالها لقطاع غزة.

تصعيد وتيرة الحرب

وفي الأسبوع الأخير من العام الأول للحرب، صعدت دولة الاحتلال من هجماتها الدامية ضد قطاع غزة، فقصفت بعنف وبشكل متعمد مناطق النزوح «الإنسانية» ومراكز الإيواء، والمنازل المدنية، وأسقطت مئات الضحايا، ونفذت سلسلة تدابير عسكرية جديد، تثبت نيتها في البقاء على احتلال قطاع غزة.
ولم يكن يوم يمر من أيام الأسبوع الأخير للعام الأول للحرب، حتى كانت طائرات ومدفعية الاحتلال تستهدف دون سابق إنذار مراكز الإيواء والمنازل، وتسحق من بداخلها من مواطنين مدنيين أغلبهم من الأطفال والنساء، بما يدلل على نوايا الاحتلال تنفيذ القتل بغرض القتل فقط.
وقد ركزت قوات الاحتلال بشكل كبير على إحداث تدمير واسع في المناطق الواقعة جنوب وشرق مدينة غزة، وتحديدا على أطراف حيي الزيتون والصبرة، فهناك علاوة عن المجازر التي اقترفت في مراكز الإيواء في الحي الأول، قامت قوات الاحتلال بعمليات تدمير ونسف ممنهجة طالت العديد من المنازل والمنشآت الواقعة جنوب المدينة، وتحديدا في محيط «محور نتساريم» بما يدلل على وجود مخططات لتوسيع المحور، والإبقاء على خطط الاحتلال الطويل.
في الموازاة كانت قوات الاحتلال تشن غارات عنيفة على عدة أحياء أخرى في المدينة، فقصفت مدارس إيواء في حي الشجاعية، وأخرى في مخيم الشاطئ علاوة عن عمليات استهداف مباشرة لمنازل المواطنين في عدة مناطق شمال قطاع غزة، أسفرت عن استشهاد عشرات المواطنين أغلبهم من الأطفال والنساء، في مشهد أعاد للأذهان أيام الحرب الأولى.
وكان هذا المشهد حاضرا في مناطق وسط وجنوب قطاع غزة، حيث صعدت قوات الاحتلال بشكل كبير من عمليات الاستهداف المركز على خيام النزوح والمنازل المدنية.
ففي مخيم النصيرات كررت قوات الاحتلال عدة مرات عمليات قصف المنازل المدنية الآمنة وتدميرها بالكامل، ففي أحد الغارات سقط 11 مواطنا في قصف بناية من عدة طبقات، ساواها الاحتلال بالأرض، حيث كان جل الضحايا من الأطفال والنساء.
وتعرضت أيضا مدينة دير البلح لغارات مماثلة سقط خلالها عدد كبير من المواطنين، فيما قضت غارات على عوائل بأكملها ومسحتها من السجل المدني.
أما في مدينة خانيونس التي تحتضن أعدادا كبيرة من النازحين، فقد ركزت قوات الاحتلال على شن هجمات ممنهجة على مناطق النازحين في المواصي، والتي تصنف أنها «منطقة عمليات إنسانية» فسقط هناك عدد كبير من الضحايا بينهم أطفال ونساء.
وفي دلالة على نوايا الاحتلال تصعيد الهجمات الدامية، والقتل بهدف القتل، كان الاجتياح البري المفاجئ الذي دخلت فيه قوات الاحتلال عدة أحياء تقع شمال شرق مدينة خانيونس ليل الثلاثاء الماضي، حيث قامت بنسف وتدمير الكثير من المنازل فوق رؤوس ساكنيها، وحرمان طواقم الإسعاف من الوصول للضحايا، ولتنحسب بعد ساعات من المنطقة مخلفة أكثر من 80 شهيدا، وعشرات المصابين، ودمارا كبيرا في المكان.
وتلا ذلك أن قامت قوات الاحتلال التي تبرهن في نواياها للإبقاء على احتلال غزة، بتنفيذ هجوم بري استهدف عدة مناطق تقع شرق مدينة خانيونس، تحديدا على أطراف حي الفراحين، وتقوم هناك بعمليات تمشيط وتجريف واسعة.
وفي ذات الوقت كانت قوات الاحتلال تقترف مجازر مماثلة في مدينة رفح، التي لا تزال تعايش هجوما بريا مستمرا منذ خمسة أشهر، وتواصلت الغارات على هذه المدينة، بعد أن كشف النقاب عن قيام الآليات العسكرية الإسرائيلية، بشن عمليات تدمير واسعة لمناطق تحيط بـ «محور فيلادلفيا» الفاصل بين جنوب قطاع ومصر، وعن قيام تلك الفرق الهندسية، بتركيب برج مراقبة واتصالات على ذلك المحور، ما يؤكد على وجود نوايا لإطالة أمد الاحتلال وعدم وجود نوايا للانسحاب قريبا من قطاع غزة.

معاناة السكان

ولذلك عبر مواطنون من مناطق عدة في قطاع غزة، تواصلت معهم «القدس العربي» أنهم لم يشعروا ولو لسويعات قليلة بالأمان من اليوم الأول للحرب، حتى اليوم الـ 365 وأنهم يتوقعون التعرض للموت والقصف وتدمير مناطق سكنهم ومناطق نزوحهم في كل لحظة.
وقد عبر هؤلاء عن فقدانهم الأمل في إمكانية انتهاء الحرب قريبا، بعد أن خفتت أصوات الوسطاء، وعلت أصوات القصف الإسرائيلي.
وبات الهم الشاغل لهؤلاء في هذا الوقت البحث عن توفير طعامهم بصعوبة بالغة، في ظل تعقيدات الحصار الإسرائيلي المترافق مع عمليات القصف والتدمير والقتل والتهجير.
فلا يزال سكان قطاع غزة يعانون كثيرا من نقص حاد في الطعام، خاصة مع استمرار قيام سلطات الاحتلال في تقليص كميات الطعام الذي يمر من خلال معبر كرم أبو سالم الخاضع لسيطرة الاحتلال بالكامل.
وتغيب حاليا عن الأسواق الكثير من الأصناف الغذائية، وهو ما ساهم بشكل كبير في ارتفاع نسبة المرضى والمصابون بأمراض لها علاقة بنقص التغذية، كما ترتفع بسبب الحصار وقلة الأطعمة أسعار المواد الغذائية بشكل يفوق قدرات السكان، الذين أعلن البنك الدولي، عن بلوغ نسبة الفقر بينهم 100 في المئة، وقد أشار إلى أن التضخم تجاوز 250 في المئة، بسبب تبعات الحرب المستمرة على القطاع منذ نحو عام.
ويدلل على ذلك آخر تحديث أصدره مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة «أوتشا» حين أكد أن شركاء المنظمة الأممية الذين يعملون على تقديم المساعدات الغذائية، نبهوا إلى أنه بسبب النقص المستمر في الإمدادات، لم يتلق أكثر من 1.4 مليون شخص في جميع أنحاء غزة حصصهم الغذائية الشهرية في أواخر أيلول/سبتمبر.
وحذر التقرير الجديد الصادر عن «أوتشا» من أن المخزونات المتضائلة تجعل من الصعب بشكل متزايد الحفاظ على عمل المخابز والمطابخ المجتمعية من خلال جهود برنامج الأغذية العالمي، وذكر أن شركاء الأمم المتحدة أفادوا بأن أكثر من 150 مطبخا كانت تقدم حوالي 600 ألف وجبة مطبوخة للأسر في جميع أنحاء غزة كل يوم منذ الأسبوع الثالث لشهر أيلول/سبتمبر، مضيفا أنه من المتوقع أن ينخفض هذا المعدل من إنتاج الوجبات في تشرين الأول/أكتوبر مع انخفاض الإمدادات.
وتحت عنوان «التحديث الاقتصادي الفلسطيني» مع انهاء الحرب عامها الأول، أصدر البنك الدولي تقرير، أكد فيه أن الحرب تسببت في نزوح نحو مليوني إنسان، وقد حذر البنك من اقتراب فلسطين من «السقوط الاقتصادي الحر» وسط أزمة إنسانية غير مسبوقة في غزة.
وذكر البنك أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للأراضي الفلسطينية انخفض 35 في المئة في الربع الأول من عام 2024 وهو الأكبر على الإطلاق، موضحًا أن العدوان الإسرائيلي دفع اقتصاد غزة إلى حافة الانهيار التام، مع انكماش مذهل بنسبة 86 في المئة في الربع الأول من عام 2024.
وفي الموازاة، تتجه الأوضاع الصحية في قطاع غزة، بعد عام من الحرب إلى مزيد من التدهور، حيث تخضع سلطات الاحتلال دواء مرضى وجرحى غزة بالحصار، ولذلك بات خطر الموت يهدد آلاف المرضى في القطاع، بسبب عدم توفر العلاج اللازم لهم في مشافي القطاع المدمرة والتي تفتقر للمعدات والأدوية اللازمة، حيث أشار تقرير صادر عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، أن هناك آلاف المرضى يقضون في «صمت مؤلم» بسبب الحصار والحرب وحرمانهم من العلاج بالخارج.
والجدير ذكره أن عملية نقل المرضى للعلاج بالخارج، توقفت منذ أن قامت قوات الاحتلال قبل نحو خمسة أشهر بإغلاق معبر رفح البري الفاصل بين قطاع غزة ومصر، والذي كان ينقل منه الجرحى والمرضى المخطرين للعلاج في مشافي خارجية، لعدم توفر العلاج اللازم لهم في مشافي غزة، التي تعاني من نقص في الإمكانيات والأدوية، بسبب الحرب المستمرة.
وأكد المركز الحقوقي أن منع الحالات الحرجة من السفر الفوري «تسبب بوفاة المئات منها بصمت مؤلم، بعد رحلة عذاب داخل أروقة المرافق الصحية المنهارة، نتيجة استمرار العدوان الحربي» لافتا إلى أنه كان بالإمكان إنقاذ حياتهم لو سُمح لهم بالسفر والوصول إلى العلاج في الوقت المناسب.
ووفق مصادر رسمية في قطاع غزة، فإن عدد المرضى والجرحى الذين يحول الاحتلال دون سفرهم للعلاج في الخارج، يبلغ حاليا نحو 25 ألفا، من بينهم من يعانون من أمراض خطيرة، وآخرون مصابون بإصابات مميتة، ولا يتوفر لهم العلاج اللازم في مشافي غزة التي دمر الاحتلال غالبيتها، ودمر قدراتها العلاجية، إلى جانب افتقارها للأدوية والمعدات الطبية اللازمة.
ولم يكن هذا الأمر فقط ما أنتجته الحرب بعد عام على بدايتها، فقد أصدر مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية، التحديث التاسع لتقييمه للأضرار التي لحقت بالمباني في قطاع غزة والذي أظهر أن ثلثي إجمالي المباني في القطاع لحقت بها أضرار، حيث استدل التحليل إلى صور أقمار اصطناعية عالية الدقة تم جمعها في الثالث والسادس من ايلول/سبتمبر الماضي.
وقارن المركز الصور الملتقطة في هذين اليومين بالبيانات السابقة، مما يوفر نظرة شاملة لتطور الدمار، وذكر المركز أن نسبة الـ 66 في المئة من المباني المتضررة في قطاع غزة تشمل 163778 مبنى في المجموع، ويشمل ذلك 52564 مبنى تم تدميره، و18913 مبنى تضرر بشدة، و35591 مبنى ربما يكون قد تضرر، و56710 مبنى تضرر بشكل معتدل، وقد أفادت نتائج التحليل بأن المنطقة الأكثر تضررا بشكل عام هي محافظة غزة، حيث تضرر 46370 مبنى. وتأثرت مدينة غزة بشكل ملحوظ، حيث دمر 36611 مبنى.

دمار كبير

كما أصدر مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية «يونوسات» بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» تحديثا عن صحة وكثافة الأراضي الزراعية في قطاع غزة، وجد أن حوالي 68 في المئة من حقول المحاصيل الدائمة في القطاع أظهر انخفاضا كبيرا في الصحة والكثافة في أيلول/سبتمبر 2024.
في السياق، صدر تقرير رسمي عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، أشار إلى ارتكاب جيش الاحتلال 3628 مجزرة منذ بدء الحرب، أدت إلى سقوط 51615 شهيداً ومفقوداً، منهم 10000 مفقودٍ، وأكثر من 42 ألف شهيد، من بينهم 16891 شهيداً من الأطفال.
وفي دلالة على خطورة الوضع في القطاع، تطرقت عدة تقارير دولية إلى الأمر، حيث أكد المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا» فيليب لازاريني، أن الحرب أصبحت بعد عام تمثل «كابوسا لا نهاية له» وأنها جعلت من قطاع غزة مكانا «غير صالح للعيش» وقد حذر من مخطط إسرائيلي لـ«تجريد» الفلسطينيين من وضعهم كلاجئين، وتعديل المعايير من جانب واحد لحل سياسي في المنطقة.
وأكد أن سكان غزة يواجهون الأمراض والموت والجوع، لافتا إلى أن «جبال القمامة» ومياه الصرف الصحي تملأ الشوارع.
والجدير ذكره أن الحرب تمضي في عامها الثاني، في الوقت الذي يترقب فيه السكان والنازحون أوضاعا أكثر صعوبة، مع حلول موسم الشتاء والأمطار، ففي الوقت الذي يهدد الغرق خيام النازحين ومراكز الإيواء العشوائية، اشتكى سكان المنازل من تسرب مياه أولى أمطار هذا الموسم التي تساقطت قبل أيام إلى داخل المنازل التي تضررت من الحرب والقصف.
وفي هذا السياق، كانت «أوتشا» أكدت إن منظمات الإغاثة، لم تتمكن من القيام بالاستعدادات الكافية لموسم الأمطار في قطاع غزة، بسبب العوائق التي تضعها إسرائيل، وحذرت من أن الأمطار والسيول المحتملة، من شأنها أن تؤدي إلى تفاقم الوضع الصعب في غزة، مؤكدا أن ذلك قد يؤدي أيضاً إلى مشاكل صحية ومزيد من النزوح.
وأكد وجود حاجة إلى 242 مليون دولار لتنفيذ خطة المساعدات في قطاع غزة، وطالب بضرورة توفير الوقود الكافي والحركة الآمنة من أجل القيام بعمليات المساعدات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية