باختياره الشروع في تنفيذ الوعود الكابوسية التي أطلقها غير مسؤول إسرائيلي، ومن سنين، بإرجاع لبنان إلى «العصر الحجري» من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قدماً بإتجاه الإجهاز على المنظمة الدولية، تلك التي كان يفترض بانتهاء الحرب الباردة أن تعزز دورها، في حين أن ما تعزّز كان انتفاخ بيروقراطيتها لا دورها، إلى أن جاء ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014 ليُدخل مجلس أمنها في حالة من الموت السريري، تعززت أكثر مع شنّ فلاديمير بوتين الحرب الشاملة عام 2022 على جارته أوكرانيا، وهي واحدة من حروب مستعرة الآن، من نوع يبدو أن إيقافه يصير أصعب مع الوقت، وهذا حال الحرب في السودان، وفي غزة، والآن في لبنان.
دولة إرهابية نعم، لكنها لا تختزل في بعدها الاستعماري. وإذا كان امتلاك دول خمس للعضوية الدائمة وحق النقض يمنع إدانة أي منها في مجلس الأمن، وليس في النظام الدولي الذي جرى الاتفاق عليه في نهايات الحرب العالمية الثانية، ما بين مؤتمري يالطا وبوتسدام ما به تعطيل هذه الثغرة الخطيرة، فقد جاء ايعاز نتنياهو من على منبر الجمعية العامة بإطلاق عملية اغتيال حسن نصر الله باستخدام ما يوازي السلاح النووي التكتيكي للتخلص من نفر واحد، ثم ليالي الرعب التي تتابعت فيها آلة إرهاب الدولة الإسرائيلية، ويتم فيها تبليغ الناس عبر السوشل ميديا عن العمارات والشوارع التي ستقصف، يأتي كل هذا ليطلق النار على مفهوم الجمعية العامة نفسه، وليظهّر مسألة غير تفصيلية أبداً: إرهاب الدولة هو بمثابة التعريف الراكز لدولة إسرائيل.
صحيح أن التناقض مع السرديات الأسطورية الغنائية للصراع معها يجب أن ينطلق من أن التحرر الوطني، يكون بالعمران وليس بالاستهتار بالعمران، ومن موقع الشعوب وإرادتها الحرة، لا الطغيان ولا أفكار الظلام، ومن موقع التحسب والاستشراف وتقدير المخاطر والعواقب وليس التخفف من كل اعتبار بحجة أن المظلوم لا يُساءل عمّا ينطق به أو يفعل. إنما كل هذا لا يلغي أن إسرائيل وبدلاً من أن تغادر نقطة إرهاب الدولة التي جسدتها لحظة تأسيسها، فقد تمرغت بها أكثر فأكثر جيلاً بعد جيل.
اختزال إسرائيل في الواقعة الكولونيالية ليس إلا، لا يمكنه في المقابل تقديم فهم لعمق إرهاب الدولة في بنية الدولة الإسرائيلية نفسها.
ما يجعل إسرائيل إرهابية أكثر هو تحديداً ما هو غير كولونيالي في تركيبتها. ولأجل هذا بالذات لا يمكن البناء على المقايسة مع تجربة الجزائر الفرنسية. بل أنها مقايسة مضللة إن جرى الاعتماد الحصري عليها. ليس فقط على مستوى السردية الصهيونية، التي تقدم نفسها على أنها نتاج حركة تحرر وطني من جهة، وضمنياً كنتاج لترجمة دنيوية لوعد غيبي من جهة ثانية، بل لأنها مجتمع استُجمع الجزء التأسيسي منه من بلدان أوروبا الشرقية والامبراطورية الروسية التي لم تعرف استعمارا ما وراء البحار، فيما الجزء الآخر، أقل من نصف يهود إسرائيل بقليل، هم من يهود البلدان العربية والإسلامية. أشكيناز إسرائيل أتوا إليها وفي الخلفية تصاعد معاداة السامية وصولا إلى المحرقة، في مقابل مزراحيم إسرائيل الآتين إليها بذاكرة محتقنة هي الأخرى لا يمكن فهمها بالاستمرار بترديد السردية الوردية حول أوضاع الأقليات الدينية وغير الدينية في تاريخ الحضارة الإسلامية.
كل هذه ليست عناصر من السهل ركنها في القالب الاستعماري ولو عرجت عليه وصقلته، في حين أن الصهيونية تشبه تركيبة الحركات القومية في الشرق من أوروبا، كما تجارب الإمبراطورية الروسية في اقتلاع السكان لأسباب إثنية وأمنية في آن من منطقة ونقلهم إلى منطقة أخرى. التصور النمطي حول الاستعمار العابر للبحار لا يقدم الشيء الكثير لفهم أمرين تحديداً في حال إسرائيل. أن الانقسامات فيها، بدءا من فشل لجنة إعداد الدستور في التوصل إلى مسودة أولية حتى نهاية الأربعينيات، لا يلغي أن مقدار التماسك المجتمعي فيها ليس أبداً بالهشاشة المتخيلة في الخطابات القومية العربية والإسلامية والمابعد كولونيالية. وأن المواجهة في حال لبنان اليوم هي بين مجتمعين لا تفصل بينهما هوة تكنولوجية فقط، بل تتشابك هذه الهوة مع تفاوت على مستوى التماسك المجتمعي. وجود إسرائيل واستمرارها هو بمثابة التأكيد على أن الأفكار القومية ليست وراءنا في تاريخ البشر، إنما الفيصل هنا هو بين أفكار قومية قادرة على تحقيق التماسك المجتمعي وبين أفكار قومية غير قادرة على ذلك، بل متواطئة مع كل ما من شأنه تشظية المجتمعات.
في حال لبنان تحديداً، ما كاد هذا البلد يحاول التوفيق، بموجب اتفاق الطائف، بين الفكرة الكيانية اللبنانية «الوطن النهائي» وبين الانتماء العربي للبلد، حتى جاءت تركة الوصاية السورية من جهة، ثم تجربة «حزب الله» العضوية في إمبراطورية الحرس الثوري الإيراني لتعمق التفاوت في المقدار التماسكي بين المجتمعين اللبناني والإسرائيلي.
إعدام لبنان والجمعية العامة
لقد أريد لهذه الجمعية أن تمثل «عوام الأسرة الدولية» في مقابل لوردات مجلس الأمن. فإذ بحرب تدميرية غير رسمية يتبلغ بها العالم أجمع بخطاب تزخيمي لها خلال انعقادها السنوي، من موقع دولة، إسرائيل، التي عندما وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على عضويتها في المنظمة الدولية، أوضحت في قرارها الذي يحمل الرقم 273 أن هذه العضوية هي بناء على تعهد إسرائيل بتنفيذ قرار حق العودة للاجئين الفلسطينيين الذي يحمل الرقم 194 وينص على أنه «يجب أن يسمح للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش في سلام مع جيرانهم بأن يفعلوا ذلك في أقرب وقت ممكن عملياً، وأن يدفع تعويض عن ممتلكات من يختارون عدم العودة وعن الخسائر أو الأضرار التي تلحق بالممتلكات، بموجب مبادئ القانون الدولي أو الإنصاف الدولي». فلا كانت عودة، ولا كان تعويض، ولا كان إلا مشهد نتنياهو وهو يشرع في إعدام الجمعية العامة ولبنان معاً، في سياق حرب استئصالية لحزب الله، ولو بقيت تحت شعار فك الارتباط بينه وبين الحرب في غزة، وإبعاده عن الحدود. لبنان، بخلاف إسرائيل، من الدول المستقلة حديثاً آنذاك، والمؤسسة للأمم المتحدة. ومن البلدان المتضررة منذ ثلاثة أرباع قرن من ضم إسرائيل للأمم المتحدة على أساس تعهد لم تنفذه، بتنفيذ القرار 194.
من قاعة الجمعية العامة، حيث صوتت 72 دولة في 10 تشرين الثاني/نوفمبر 1975 لصالح القرار 3379 الذي اعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري – ليتم إلغاؤه لاحقاً في عام 1991 وسط التحولات الجيوسياسية التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، وهزيمة العراق في حرب الخليج، وخبو الانتفاضة الفلسطينية الأولى – دشن نتنياهو بعد نصف قرن، حرباً شاملة غير رسمية تتجاوز مجرد المواجهة مع حزب الله. جسامة الأمر لا تقارن إلا بتفجير عصبة الأمم يوم أطلق الدوتشيه بنيتو موسوليني الغزو الإيطالي للحبشة. لبنان هو إثيوبيا الجديدة لعامي 1935-1936.
«إيطاليا البروليتارية والفاشية» كما عرّفها موسوليني في خطاب افتتاح الغزو، كانت مدفوعة برغبة قاسية في الانتقام، تجرجر خيبات هزيمة جيشها في معركة عدوة عام 1896 على يد الإثيوبيين. والمقصد من توصيف موسوليني لإيطاليا بالبروليتاريا آنذاك كان يستشف منه شكوى من حرمانها من أن يكون لديها مستعمرات عديدة، غير ليبيا والصومال، في مقابل الإمبراطوريات الاستعمارية الشاسعة لفرنسا وبريطانيا، لكن أيضا بلجيكا في الكونغو، وهولندا في إندونيسيا.
أما إسرائيل التي تخوض الحرب على لبنان / حزب الله الآن، مستثمرة في الانقسام اللبناني العميق، فهي تلك التي انتصرت فيها الصهيونية التنقيحية الجابوتنسكية على تلك العمالية، لكنها في حال لبنان تحديداً حرب الإجماع الإسرائيلي بامتياز، في حين أن كيفية إدارة ملف الأسرى في غزة يحدث حوله انقساماً ولو محدودا. الحرب الحالية هي حرب توحيد إسرائيل المضاعف من خلال «فرط» لبنان. وكما لعبت الرغبة الانتقامية من أثيوبيا دوراً أساسياً في غزو موسوليني لها، كذلك هي الرغبة الانتقامية من لبنان / حزب الله بمقدار ما. بالنتيجة لبنان هو البلد العربي الصغير لكن الوحيد الذي أجبرت فيها إسرائيل على الانسحاب غير المشروط من أرضه من بعد احتلال طويل العهد لجنوبه، ثم ظهرت فيه خيبة جيشها عام 2006 في المعارك البرية. لكن إسرائيل ومنذ تقرير فينوغراد ما كانت إلا تستعد للحرب الحالية، في حين كان حزب الله يراكم الصواريخ من جهة، ويتوغل أكثر فأكثر في الشقاق الداخلي اللبناني، بمعية سلاحه، ثم يتدخل بشكل مرعب أكثر في الحرب السورية. هذه «التمارين الزائدة» أرهقت الحزب كثيراً.
التطهير الإثني ضد شيعة لبنان
هي حرب إسرائيلية شمالاً بأبعاد ثلاثة، حرب لتدمير ما يمكن تدميره من بنية حزب الله، حرب تلامس التطهير الإثني ضد المناطق الشيعية كونها معاقل للحزب وموالية له، حرب تضرب أساسات الكيان الوطني اللبناني، وتراكم على استفحال الأزمة اللبنانية، من حيث تجاوزت في السنوات الأخيرة أزمة الحكم، وأزمة النظامين السياسي والمالي، وأزمة الضمور الثقافي، لتصبح أزمة كيانية. تزعم الحرب الإسرائيلية لنفسها القدرة على إعادة ترتيب الوضع شمالاً، على الحدود مع لبنان، في المنطقة الحدودية، جنوب الليطاني، بل في العمق اللبناني، بل في الإقليم. يبقى أن الهوة يصعب تجسيرها بين قدرة إسرائيل المرعبة على الهدم، وبين محدودية ما تستطيع فعله لإحداث «ترتيب جديد». هذا إن كانت إسرائيل تحتاج بالفعل إلى ترتيب الأوضاع حولها، ولو من موقع سطوتها وهيمنتها وكسر البيئات المناهضة حيوياً لها، وليس ترك كل هذا المحيط يتلاطم ببعضه البعض، في الجانب الآخر من الحدود. في هذا التفاوت بين القدرة الكبيرة على هدم، هدم العمران في لبنان، وهدم بنية الحزب، وهدم لبنان نفسه كإمكان – كيان، وبين محدودية القدرة، إن لم يكن السعي نفسه، على إعادة ترتيب أوضاع الإقليم، تتواصل الحرب، وتُبَث على تخومها سرديتان، واحدة مكابرة، ترث تركة الممانعة المتداعية، الممانعة بعد أن حيّد عنها نظام بشار الأسد نفسه إلى حد كبير، وبعد أن نجحت إسرائيل في استثمار الهجانة التي استحال إليها حزب الله، كتشكيل بين بين، ما بين قوات حرب العصابات وما بين الجيش البيروقراطي – النظامي، وبعد أن ظهرت العلاقة بين نظريتي «ولاية الفقيه» و«وحدة الساحات» في صيغتها المحققة الحالية، غير المطابقة، أقل ما يقال، للمشهدية الملحمية التعبوية الشاملة التي أدمنت الترويج لها منذ عقود. وعلى المقلب الآخر، تجد المخاتلة، تلك التي لا ترى في كل كارثة يصاب بها أبناء هذه المنطقة سوى عنف تأديبي تربوي يعين هذه الشعوب على التعطّر النفسي بأزاهر الديمقراطية والسلام ونشدان الازدهار والبحبوحة. تتشارك كل من قوى المكابرة – الممانعة سابقاً، وقوى المخاتلة، في الحرب على إمكان العقل النقدي الذي يحاول، في ضوء المتاح، وبالأخذ بالاعتبار دقة الظرف، وهول الكارثة، ومحدودية الموارد والقدرات، أن يطرح السؤال عمّا يمكنه أن يؤثر الآن على مجرى الأمور، بشكل معاكس لمسار تأجيج الكارثة، لا أن يتخيل الكارثة على أنها في الواقع ملحمة تحررية من الاستكبار العالمي، كما يفعل المكابرون، ولا على أنها كارثة تسريعية بشكل فائق للزمان، صوب الديمقراطية والسلام، كما يتحاذق المخاتلون. يعاني لبنان، ومعه وقبله قطاع غزة، الأمرين اليوم، لأن كل هذا الشرّ الإسرائيلي المصبوب، لا يجابه على مستوى الإدراك والخطاب إلا بهذين الشكلين لاستطابة الكارثة: المكابرة والمخاتلة.
نقد خطاب «قدرية» الحرب
يتصل هذا، إلى حد كبير، بسؤالين سياسيين – عسكريين. هل كان على «حزب الله» أن يمتنع عن خوض حرب الإسناد؟
هل كان على الحزب أن يستبق التصعيد الإسرائيلي الهمجي الواسع النطاق ويوقف حرب الإسناد ذات لحظة من صيف التوتر العالي، الذي مهد بالنتيجة لخريف الرعب الأقصى؟
بالنسبة إلى السؤال الأول. ما كان بمقدور الحزب أن لا يشارك في الحرب، بعد بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة / حماس بشكلها العاتي، الدموي، التدميري المجنون. أن لا يشارك فهذه كانت ستطلب منه أن يبدّل كامل خطابه حول الصراع مع إسرائيل. طبعاً، يمكن أن يتمنى المرء لو كان بمقدور الحزب أن يعدل عن حزب اللهيته، لكن هذا نقاش آخر. الحزب من حيث هو ما هو ما كان بمقدوره أن لا يحرك ساكناً فيما إسرائيل تخوض حرباً اجتثاثية ضد حماس، وذات بعد إبادي لسكان القطاع. لكن هنا يمكن التقاط إمكان تسييسي للسؤال: هل خاض الحزب حرب الإسناد من أجل الحفاظ على المستقبل التحكمي لحماس بقطاع غزة، أو من أجل وقف الحرب الإبادية؟ وإذا كان الحزب قد أدرك أن إسرائيل تخوض حرباً وجودية بعد 7 أكتوبر، هل كان يتوقع أن توقف إسرائيل حربها الوجودية بنوع الضغوط التي تصلح لإيقاف حروب أكثر تقليدية؟ أو أنه هو أيضاً خاض حرب مشاغلة وإسناد، إنما بخلفية أنها حرب وجود؟! البعد الآخر لهذا السؤال: هل فهم مقاتلو حزب الله منذ أكتوبر الماضي ما هو الهدف من خوضهم الحرب؟ منع استئصال حماس؟ منع إبادة الفلسطينيين؟ التصديق على منطق 7 أكتوبر؟ تخفيف شروط التراجع عن منطق 7 أكتوبر أو المضي به إلى الأمام؟!.
السؤال الثاني. هل كان على الحزب أن يوقف حرب الإسناد حتى ولو أن إسرائيل كانت لا تزال تواصل الحرب إياها على غزة؟ الأجوبة الحماسية معروفة، لكن المزيد من التروي سيجعلنا نرى تباطؤ الحزب في إدراك التحول الجذري في آلة الحرب الإسرائيلية ضده، وبشكل صار أصعب فأصعب العودة عنه بعد تطورات ثلاثة، قصف مجدل شمس، وقد اتخذتها إسرائيل ذريعة للتصعيد ضد الحزب، والدفع قدماً بخيار الأسرلة في الهضبة السورية المحتلة، اغتيال القيادي العسكري في الحزب فؤاد شكر، في الضاحية الجنوبية، وهذه جريمة أوضحت إسرائيل من خلالها أن ميدان المعركة ما عاد محصوراً البتة بالجنوب اللبناني، ولا باستهداف المسؤولين الميدانيين فحسب، وثالثاً اغتيال اسماعيل هنيه في طهران وايثار حماس تولية يحيى السنوار خلفاً له، وهذه اعتبرتها إسرائيل رغبة إيرانية في تصعيد المواجهة وإطالة زمنها قدر الامكان، لارهاق إسرائيل، فكان أن اختارت الأخيرة الشروع في الحرب الكلية على «حزب الله» أسوة بحماس. حتى أواخر آب/أغسطس الماضي كان لا يزال من الممكن، تفاوضياً، تفادي ذلك.
التصدي، بما أوتي، للغزو البري الإسرائيلي في رأس أولويات لبنان اليوم، وشرط لا مهرب منه للحفاظ على لبنان الكيان. في المقابل، فك الارتباط بين لبنان وبين إيران هو شرط لا يقل جوهرية. ليس التوفيق بين هذين الشرطين بالأمر السهل، ليست هناك وصفة جاهزة مسبقة لذلك. لكن هناك ثمنا واضحا لعدم التمكن من تحقيق هذا الوصل بين الشرطين: إلحاق الحرب الإقليمية على أرض لبنان بانفجار داخلي أهلي كبير داخله، وهذا خطر لا يمكن طمسه أو إبعاده بالمكابرة.
الواقع المجتمعي لا يمكنه أن يجمع بين أن يفاخر طرفٌ بأنّه في حِلّ من الإجماع الوطني حول خيارات مصيريّة يقطر كل الآخرين بها وبين أن ينتظر على الدوام ما لا يؤمنه إلا تماسك وتوطد الفكرة الوطنية، الدولت-وطنية، في مجتمع ما. أن يكون التفاوت في العذابات كبير اليوم، وأن يفرض هذا التفاوت على الجميع أولية التحكم، ما أوتي، بالإنفعال، فهذا لا يلغي، لحظة واحدة، الواقعة التي لا تقل جذرية عن هذا التفاوت، وهي واقعة الانقسام الضاري بين اللبنانيين حول حزب الله، سلاحه ووجهته، هذا في المباشر، والحزب وطبيعته وعناء التوفيق بين وجوده والمثابرة على الوجود بالنسبة للبنان، المجتمع والدولة.