دمشق – «القدس العربي»: دخلت مئات العوائل السورية الهاربة من الحرب والقصف الإسرائيلي العنيف على القرى والبلدات اللبنانية، إلى مناطق شمال غربي سوريا الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية عبر منفذ عون الدادات في ريف جرابلس شرقي حلب، في وقت يواجه اللاجئون السوريون في لبنان، تحديات مضاعفة بسبب الخوف من العودة إلى بلادهم، وصعوبة تأمين المأوى والغذاء في لبنان، ما شكل موجات نزوح جماعية في بلد النزوح.
وتقدر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن حوالي 3000 سوري فرّ من الصراع في لبنان ووصلوا إلى مناطق شمال غرب سوريا، وخاصة في جرابلس وإدلب وأريحا، كما أن حوالي 1000 شخص، ينتظرون العبور إلى شمال حلب، حيث تشرف السلطات المحلية على دخولهم.
وأشارت في بيان، أمس، أن معظم الوافدين من الأطفال وكبار السن والمصابين بأمراض مزمنة، منهكون من رحلتهم ويحتاجون إلى الدعم.
وحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فإن الأسر السورية التي فرت من الصراع في لبنان ووصلت إلى شمال غرب سوريا، سعت في المقام الأول إلى اللجوء إلى أقاربها، حيث ترأس النساء ثلثي هذه الأسر، والتي يبلغ متوسطها خمسة أفراد.
وأوضحت المفوضية أن هذه الأسر الهشة تحتاج بشكل عاجل إلى مواد الإغاثة الأساسية، ودعم سبل العيش، والرعاية الطبية، والمساعدات النفسية والاجتماعية، فضلاً عن حلول الإسكان المستدامة.
نائب مدير الدفاع المدني السوري، منير مصطفى، قدّر في حديث مع “القدس العربي” عدد الذين دخلوا خلال الأيام الثلاثة الأخيرة فقط، من معبر عون الدادات الإنساني إلى إدلب ومحطيها، بنحو 1200 شخص أغلبهم نساء وأطفال، مشيراً إلى إن إجمالي العابرين من المنفذ يناهز 3000 شخص.
وقال: “تظهر على الوافدين حالات وهن عام وإرهاق وضغوط نفسية سببتها الحرب والنزوح، حيث كانت فرقنا موجودة هناك لاستقبالهم وتقديم الرعاية الطبية والإسعافات الأولية والمساعدة اللازمة، حيث قدمت فرقنا 28 مهمة استجابة طبية وصحية طارئة في الدفعتين”.
وأضاف: “تعاني العائلات السورية الفارة من الحرب في لبنان والداخلة إلى شمال غربي سوريا من صعوبات كبيرة مع وجود عدد من المرضى المصابين بأمراض مزمنة، ونساء حوامل وحالات ولادة نقلتها فرقنا إلى المشافي والمراكز الصحية القريبة من بينهم رجل يعاني من مرضٍ في القلب، وامرأة بأعراض مخاض الولادة، نقلتهم الفرق من داخل المعبر إلى مشفى جرابلس، كما قدمت الخدمات العلاجية والرعاية الصحية لعشرات المدنيين في المكان”.
بموازاة ذلك، يواجه اللاجئون السوريون في لبنان تحديات مضاعفة بسبب صعوبة تأمين المأوى والغذاء، لا سيما بعد أوامر الإخلاء والقصف الإسرائيلي المكثف على مناطق متعددة في لبنان.
التقت “القدس العربي” بسليمان الخطيب وهو مدير منظمة إنسانية تعمل ضمن “شبكة طوارئ البقاع” لتغطية احتياجات النازحين السوريين، للحديث حول ظروفهم في ظل الحرب.
وقال: “آلاف العائلات السورية تخوض رحلات نزوح مرهقة في لبنان، وتعاني بسبب خوفها من العودة إلى بلدها، خاصة بعدما وثقنا اعتقال عشرات العائدين، وهو ما أجبر الناس على البقاء تحت القصف بعد المفاضلة مع مصير محتم بالاعتقال في سوريا”، حيث “اعتقل معارف لهم أو أقارب من الحدود السورية اللبنانية، وهو ما دفعهم إلى البقاء تحت القصف رغم الظروف القاسية”.
وحول المصاعب التي تواجه عملهم، قال: “العامل النفسي هو أكبر المصاعب، عندما نعجز عن إيواء عائلة وتركها في العراء، وهو ما نعانيه اليوم، حيث فشلنا في إيجاد مأوى لعائلة كبيرة تضم 11 شخصاً، وهم موجودون في خيمة تتسع لـ9 أشخاص، حيث يضطر الرجال إلى المبيت في الشارع، بعضهم ينام وبعضهم لا يتمكن من النوم، كما وثقنا حالة أخرى في كراج يبيت فيه حوالي 65 شخصاً”.
وأضاف: “أثناء عملنا في بلدات بر إلياس وسعد نايل، ومجدل عنجر، والمرج والقرى المحيطة، استطعنا تأمين مراكز إيواء لحوالي 500 عائلة، تضم كل عائلة وسطياً 4 أشخاص، بينما يصعب إحصاء العوائل التي بقيت ولم تزل في العراء، حيث يعاني هؤلاء من مصاعب مضاعفة”.
وقال الخطيب: “نعمل كمنظمات محلية ضمن تنسيق عالي المستوى بما يخص مشاركة المعلومات، وتوزيع المهام، والتركيز على خطة لإدارة الموارد، بهدف تلبية احتياجات النازحين داخلياً”. وأكد أنه “رغم أن مواردنا صغيرة، إلا أننا نعمل بتكاتف من أجل مواجهة التحديات، وتغطية احتياجات النازحين من ناحية الغذاء والطبابة ومواد التنظيف”.
وتابع المتحدث: “رغم التنسيق بين المنظمات المحلية، إلا نغطي بحدود 70 بالمئة فقط من الاحتياجات المتصاعدة، حيث افتتحنا 4 مدارس “كياني” كملاجئ لاستيعاب النازحين السوريين، ومدرسة “رحال رحال” في سعد نايل، ومركزين في المرج، ومركزين في بلدة غزة، إلا أن حركة النزوح المتجددة نتيجة مواصلة القصف تجعل الأمر غاية في الصعوبة”.
وكان رئيس هيئة التفاوض السورية بدر جاموس قد عقد اجتماعاً مع مجموعة من الناشطين السوريين واللبنانيين لبحث سبل مساعدة اللاجئين السوريين في لبنان في ظل الأحداث التي تشهدها الساحة اللبنانية والتي تُفاقم من صعوبات الحياة وتُعرّضهم لمخاطر حقيقية.
وخلال الاجتماع الذي حضره أيضاً رئيس المكتب القانوني في الهيئة المحامي طارق الكردي، شدّد رئيس الهيئة على أن الأعمال القتالية تنعكس سلبياً على اللاجئين السوريين بشكل متزايد ومُقلق، الأمر الذي يزيد من معاناتهم إلى درجة خطيرة، وحذّر من أي اعتداءات تطال اللاجئين السوريين، مُشدّداً على حاجتهم إلى مساعدات إنسانية عاجلة وضرورية لا يوجد من يُقدّمها لهم في لبنان، ما يضطرّ بعضهم إلى العودة إلى سوريا.
وتطرق الحديث إلى ممارسات السلطات السورية ضد اللاجئين السوريين العائدين، واعتقالها لعدد منهم، ومطالبتها لبعضهم بمراجعة فروع أمنية، بما يحمله هذا الأمر من مخاطر الابتزاز أو الاعتقال، وكذلك توزيع السلطات اللاجئين العائدين على مراكز إيواء بعيداً عن مساكنهم وبيوتهم التي هُجّروا منها، بعضها في مناطق خطرة مثل خطوط التماس.
وجرى الاتفاق على ضرورة متابعة الضغط على الأمم المتحدة والمجتمع الدولي من أجل توفير الحماية اللازمة للاجئين، وكذلك استمرار التواصل مع الدول العربية الفاعلة، والدولة التركية، والاتحاد الأوروبي لتأمين المساعدات الإنسانية العاجلة للاجئين السوريين، ومتابعة التشاور والتنسيق في هذا الملف بين الجميع إلى حين ضمان نتائج إيجابية.
وكان رئيس هيئة التفاوض السورية قد وجّه رسالة عاجلة إلى المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا السيد غير بيدرسون، طالب فيها بالتدخل مع الجهات الدولية المعنية لتخفيف معاناة اللاجئين السوريين في لبنان.