مجازر وتهجير وتطهير عرقي لتنفيذ مخطط الشمال الحرب على غزة… عام جديد والمأساة تتعمق وتزيد

أشرف الهور
حجم الخط
0

غزة ـ «القدس العربي»: بشكل خطير جدا يثبت نوايا إسرائيل نحو إطالة العدوان وإدامة الاحتلال لقطاع غزة، شهد الأسبوع الأول في العام الثاني للحرب، تصعيدا خطيرا أعاد للذكريات الأيام الأولى للحرب، حيث كان القصف الجوي والمدفعي والتوغل البري على أوجه، بتنفيذ جيش الاحتلال هجوما بريا واسعا على مناطق شمالي القطاع، على وقع مجازر كبيرة، مع شروعه في ذات الوقت بعمليات برية في مناطق الوسط، أجبرت مئات العوائل على النزوح القسري، وسط مخاوف من تنفيذ خطة الإخلاء الكاملة لسكان الشمال.

وبالرغم من الأوضاع المأساوية في مناطق وسط وجنوب القطاع، التي تتعرض فيها المناطق الإنسانية للقصف والغارات الجوية المستمرة، إلا أن جيش الاحتلال وسع من نطاق الهجمات الدامية على مناطق شمالي القطاع، وطلب من سكانها من جديد النزوح لجنوب القطاع، وهو أمر كان قد فعله في الأسبوع الأول لبدء العدوان على غزة في السابع من أكتوبر من العام الماضي.
وبشكل مفاجئ نشر جيش الاحتلال خرائط جديدة في بداية الأسبوع الماضي، تطلب من جميع سكان مناطق الشمال النزوح إلى منطقة مواصي خانيونس المكتظة أصلا بالسكان، وليتلوها بعد رفض تنفيذ الأمر، ببلاغات ركزت على مناطق جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون، الواقعة أقصى شمال القطاع، يطلب من سكانها النزوح، ولتنفيذ المخطط هناك، لم يمهل جيش الاحتلال السكان وقتا كافيا للنزوح، فبدأ بعمليات قصف جوي عنيف على شكل أحزمة نارية، أوقعت عشرات الضحايا، وليتبعها مباشرة بتوغل بري مفاجئ للآليات العسكرية، التي بدأت منذ اليوم الأول للهجوم، مطلع الأسبوع المنصرم، بتنفيذ خطة الحصار المحكم، ليطال جميع منافذ مخيم جباليا، الذي طلب من سكانه بالنزوح الفوري، تحت تهديد القتل والتدمير.
ولم يبق الأمر عند هذا الحال، فقد وسعت قوات الاحتلال من الهجوم، لتدفع بآليات كثيرة وجنود جدد، لمحاصرة مناطق أخرى تقع في محيط المخيم، ويطلب من سكانها هناك الخروج مستخدمة قوة النار في تنفيذ التهديد العسكري.
مشاهد رعب كبيرة عاشها الأهالي الذين كتبت لهم النجاة بعد خروجهم من الحصار، فتحدثوا عن قصف قريب وقع في المناطق التي سلكوها سيرا على الأقدام حتى وصلوا مناطق أخرى في مدينة غزة، وتحدثوا عن أهوال صعبة، وعن جثث ملقاة في الشوارع، سقط أصحابها خلال رحلة النزوح القسري.
ولم يك الأمر هذا مختلفا كثيرا عن الحال في مناطق وسط وجنوب القطاع، حيث عمم جيش الاحتلال تهديدا آخر طالب فيه سكان مناطق عدة تقع في مخيمي البريج والنصيرات بالإخلاء القسري إلى مناطق المواصي وأخرى في وسط القطاع، وهي مناطق تفيض بالسكان والنازحين.
ولتنفيذ هذا الأمر العسكري الجديد، نفذت قوات الاحتلال هجوما بريا على عدة أحياء مهددة بالنزوح، وقامت بشن غارات دامية طالت عدة منازل أسقطت عشرات الضحايا، حتى أن الغارات لاحقت النازحين في المناطق التي لجأوا إليها وقتلت الكثير منهم بعضهم داخل خيام النزوح، وكان أخطر المجازر تلك التي تعرضت لها مدرسة رفيدة التي تاوي آلاف النازحين في مدينة دير البلح، والتي أدى هجوم الاحتلال عليها بالصواريخ إلى استشهاد 28 نازحا بينهم أطفال وإصابة العشرات.
ولذلك أكد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان في تقرير أصدره، أن قوات الاحتلال تمارس في تلك المناطق «عملية تطهير عرقي مروعة» وطالب المجتمع الدولي بالتدخل لوضع حد لـ «جريمة الإبادة الجماعية» مؤكدا أن كارثة إنسانية غير مسبوقة ستحل على مناطق شمال قطاع غزة، مع إطباق الاحتلال الإسرائيلي الحصار ومع استمرار تصعيد وتيرة «جريمة الإبادة» وارتكاب المجازر وجرائم القتل العمد والتهجير القسري واسع النطاق.
وقد هدد جيش الاحتلال سكان جباليا بـ«العمل بقوة» برا وجوا من قبل الفرقة 162 في منطقة جباليا، وجدد تهديده لهم بالإخلاء، وطالبهم بالخروج من المنطقة والتحرك عبر شارع الترنس إلى شارع صلاح الدين فقط والانتقال جنوبا، وقال «التحرك من أي محور آخر يعرضكم للخطر» غير أنه قام باستهداف النازحين من المناطق التي طلب بالنزوح منها، وقتل عددا منهم، فيما تتواجد الكثير من جثث الضحايا في شوارع التوغل.
وبهدف تنفيذ خطة التوغل والتخريب وجعل المكان هناك غير صالح للحياة، فرضت قوات الاحتلال حصارا محكما على المشافي والمراكز الطبية، وطلبت بإخلاء المشافي الثلاثة الرئيسية شمالي القطاع، وهي كمال عدوان والإندونيسي والعودة، على وقع تشديد الحصار ومنعها وصول الوقود لتلك المشافي، وكذلك منع وصول الدواء والماء والغذاء للسكان لجعلهم يموتون جوعا إن لم تطالهم الصواريخ الفتاكة.
وقد أشار إلى ذلك صراحة المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا» فيليب لازاريني، الذي تطرق إلى حجم المأساة شمالي القطاع، وقال إن المأساة هناك لا نهاية لها، لافتا إلى وجود ما لا يقل عن 400 ألف شخص محاصرون في المنطقة، وليؤكد أن أوامر الإخلاء الأخيرة «تجبر الناس على الفرار مرارا وتكرارا، وخاصة من مخيم جباليا» وأشار إلى أن هناك الكثير من السكان يرفضون النزوح، لأنهم يعلمون جيدًا أنه لا يوجد مكان آمن في أي بقعة في غزة، معلنا أن الملاجئ هناك ومراكز الخدمات «تضطر إلى الإغلاق. البعض لأول مرة منذ بدء الحرب».
وتطرق إلى عدم توفر الإمدادات الأساسية، وأن الجوع ينتشر ويتفاقم مرة أخرى، وقال «تهدد هذه العملية العسكرية الأخيرة تنفيذ المرحلة الثانية من حملة التطعيم ضد شلل الأطفال للأطفال» وأضاف «الأطفال، كما كانوا دائمًا، هم أول وأكثر من يعاني» مؤكدا أن أطفال غزة يستحقون الأفضل.
وأشارت أيضا مديرية الدفاع المدني إلى صعوبة الأوضاع الإنسانية هناك، لافتة إلى أن الاحتلال يفرض على محافظة شمال غزة حصارًا مشددًا ويمنع دخول إمدادات المياه والطعام والدواء، وأكدت ارتكاب الاحتلال مجازر بحق المدنيين راح ضحيتها عشرات الشهداء ومئات الجرحى، مؤكد أن هناك جثامين لشهداء ما زالت في الشوارع يصعب الوصول إليها بفعل استهداف الاحتلال لطواقم الإسعاف والدفاع المدني.
ولا تزال هناك خشية كبيرة من قيام جيش الاحتلال باقتحام المشافي المهددة بالإخلاء، ما يعني الحكم على من فيها من مصابين ومرضى بالإعدام، حيث هناك تجارب كثيرة سابقة، أشهرها ما واجهته مشافي الشفاء بمدينة غزة وناصر في مدينة خانيونس خلال الفترة الماضية.
ولذلك حذر المكتب الإعلامي الحكومي من أن إخراج المشافي يعني أيضا الحكم على مئات آلاف السكان في محافظتي غزة والشمال بالإعدام.

الإرهاب لتنفيذ خطة الشمال

أما مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» فقد عبر عن قلقه البالغ إزاء الوضع في المناطق الواقعة شمال وادي غزة، والذي يضغط على أكثر من 400 ألف فلسطيني للانتقال جنوبا إلى المواصي، التي أكد أنها «منطقة مكتظة وملوثة وتفتقر إلى الخدمات الأساسية التي يحتاجها الناس» وحذر من أن الوضع في شمال غزة يزداد سوءا، حيث تتعرض المناطق السكنية للهجوم، ويتم إصدار أوامر للمستشفيات بالإخلاء.
ولذلك قالت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالحق في الصحة تلالينغ موفوكينغ، إن ما يجري في قطاع غزة من هجمات وجرائم إسرائيلية هو «إرهاب نفسي وجزء من خطة إبادة جماعية» مشيرة إلى تدهور الصحة النفسية لسكان قطاع غزة، وحذرت من أن مستوى القلق والصدمة لدى سكان غزة وصل لمستويات غير طبيعية، وأشارت إلى تدهور إمكانية الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية والعلاج في القطاع المحاصر والمنكوب، وأبدت أسفها على ولادة جيل من الأطفال في غزة ماتوا حتى قبل أن يحصلوا على شهادات ميلادهم.
وجاء الهجوم على شمال القطاع مترافقا مع قيام رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو مناقشة بناء على طلب الوزيرين المتطرفين بتسلئيل سموتريش وإيتامار بن غفير، حول نقل مسؤولية المساعدات الإنسانية لقطاع غزة إلى الجيش الإسرائيلي.
ويريد الوزيران من وراء هذه الخطة إنهاء أي وجود فلسطيني أو أي وجود لمنظمات دولية في شمالي قطاع غزة من أجل إجبار السكان على النزوح إلى جنوبي القطاع، وبعدها تنفيذ ما تعرف بـ «خطة الجنرالات» التي تهدف إلى السيطرة على شمال القطاع عسكريا، واستغلالها في إقامة مناطق عسكرية ومستوطنات.
هذا وقد تلا تنفيذ هذه الهجمات، أن كشف تقرير نشره موقع «واللا» العبري أن هدف العملية العسكرية التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في شمال قطاع غزة، هو السيطرة على منطقة شمال قطاع غزة بشكل كامل، وحذر بأنه في حال توسعت العملية سيتم إخلاء سكان بيت لاهيا وبيت حانون أيضًا إلى الجنوب، ونقل عن مصدر عسكري إسرائيلي، قوله «إذا ما تم تنفيذ العملية وفق المُخطط سيتمكن الجيش من السيطرة على قطعة أرض كبيرة من القطاع».
وكان أخطر ما كشف في هذا السياق هو حديث السياسي الإسرائيلي عوفير شيلح، الذي أشار إلى أن حكومة تل أبيب اليمينية في طريقها لإيجاد «حكومة أمر واقع عسكرية» بقطاع غزة، وجاء ذلك في مقال نشره الموقع الإلكتروني لـ «القناة 12» العبرية، مع بدء توسيع جيش الاحتلال هجومه على شمال القطاع.
وجاء في المقال «تجري في قطاع غزة خطوة قد لا تكون عواقبها أقل دراماتيكية، فمن دون قرار إسرائيل تتخذ خطوة كبيرة أخرى نحو السيطرة على قطاع غزة، رغم كل ما يعنيه ذلك» لافتا إلى خروج «الفرقة 162» مؤخرا من «محور فيلادلفيا» والتوجه إلى شمال القطاع للسيطرة على المنطقة، وقال «إسرائيل لم تجد بديلا لتولي زمام الأمور في المناطق التي يُنهي فيها الجيش عملياته العسكرية بغزة، فالتدمير دون بناء البديل يعني أننا سنعود مرارا وتكرارا إلى الأماكن التي سبق لنا احتلالها» وأضاف «هناك في إسرائيل من يريد البناء، يريد بتسلئيل سموتريتش بناء مستوطنات في غزة، وتفكيك السلطة الفلسطينية وبناء دولة يهودية مكانها، كجزء من خطة نشرها قبل سنوات».
وأوضح أن عودة «الفرقة 162» إلى جباليا رافقها إنذار لسكان شمال القطاع بإخلاء منازلهم والتوجه جنوبا عبر نقاط السيطرة التي يقيمها الجيش على طول «ممر نتساريم» وقال «هذا هو التحقيق الفعلي لجزء كبير من الفكرة المضللة التي تُسمى خطة الجنرالات، والتي يعتبر ممثلها الإعلامي البارز هو الجنرال المتقاعد غيورا آيلاند» وأضاف «عمليا، فإن نقل سكان الشمال إلى الجنوب، للمرة الثانية خلال عام، يؤدي إلى أحد اثنين: إما أن يوزع الجيش الغذاء والدواء على السكان أو سيتضورون جوعا».
وكشف أن هذا يقود إلى «حكومة أمر واقع عسكري قصير للغاية» لافتا إلى أن هناك نقاشات تُجرى بالفعل حول هذا الموضوع مع نتنياهو.
وأضاف «هذا يعني أنه سيتم إنشاء آليات حكومية إسرائيلية، ما يعني أننا في الطريق إلى الاحتلال الفعلي لغزة، وهو حلم لسموتريتش ووزير الاستيطان أوريت ستروك وكابوس للجيش واقتصاد إسرائيل ومكانتها الدولية التي تتدهور يوميا على أي حال».
وبهدف تنفيذ هذا المخطط أو مخططات أخرى تضغط فيها سلطات الاحتلال على الفلسطينيين، فرض جيش الاحتلال منذ بدء هجومه على شمال القطاع حصارا محكما، منع بموجبه دخول إمدادات المياه والطعام والدواء على وقع المجازر الدامية التي كان ضحاياها من المدنيين والأطفال، الذين تركوا ينزفون في المنازل وفي طرقات النزوح حتى فارقوا الحياة من دون أن تتمكن طواقم الإسعاف من انقاذهم.
وأكد ذلك برنامج الأغذية العالمي، الذي اشتكى من عدم قدرته على توزيع الغذاء بمحافظة شمال غزة في ظل نقص الإمدادات، مؤكدا أن «نقص الإمدادات في غزة يجبرنا على وقف توزيع الطرود الغذائية خلال شهر أكتوبر الجاري».
وأكدت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا» أن غزة «أصبحت مكانًا غير صالح للبشر» لافتة إلى أن العائلات «تعيش وسط الدمار والنزوح والجوع والأمراض والخوف» وأوضحت وهي تصف أحوال السكان «ما يُقدَّم للعائلات في القطاع لا يعدو كونه قطرة في بحر من الاحتياجات» وشددت على وجوب التوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار.
وفي دلالة على حجم الدمار والقتل والتخريب، أوضح تقرير حقوقي صدر بمناسبة مرور عام على الحرب، أن قوات الاحتلال ألقت على قطاع غزة قذائف وصواريخ تقدر بحوالي 85 ألف طن، تسببت في تدمير 80 في المئة من البيئة الحضرية، و90 في المئة من البنية التحتية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية