«الحلّ النهائي» عرض إسرائيل الوحيد على طاولة المفاوضات

وائل الحجار
حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: قد يكون من باب المزاح الثقيل ربما، أو التّجرؤ، فحوى المعلومات التي سرّبها الإعلام الإسرائيلي قبل أيام، عن أن رئيس الموساد دافيد برنياع أبلغ نظيره الأمريكي مدير الـ»سي أي ايه» وليام بيرنز أن أي وقف إطلاق نار مع لبنان يجب أن يتضمن ضغطا على إيران وزعيم «حماس» يحيى السنوار لكي يطلق سراح الرهائن (ولم يذكر أن ذلك سيأتي في اتفاق آخر على غزة).

وكأن الإسرائيلي، الذي يدير معركة إعلامية ضخمة، سعى إلى البعث برسالة مفادها أن الضربة الكبرى على «حزب الله» اللبناني أتت أكلها، بتحطيم هدفه من الحرب وقلبه رأسا على عقب، ليصبح لبنان هو الساحة الرئيسة للقتال، وتصبح غزة ساحة ثانوية.
وهذا الافتراض الإسرائيلي بأن غزة لم تعد ساحة رئيسة للقتال، وهو ما قاله أيضا الإعلام العبري الذي ذكر أن جيش الاحتلال الإسرائيلي لم يعد يَعُدّ قطاع غزة ساحة قتال رئيسة، بل «ساحة قتال ثانوية»، حسب صحيفة «يديعوت أحرونوت»، يشي بأن خطاب الانتصار الإسرائيلي المبكّر هو العنوان الذي يسعى الإسرائيليون إلى الترويج له، مع أن الميدان لا يزال متعثّرا أمامهم في هذه المرحلة، وخصوصا في جنوب لبنان، ليس لأن بنية «حزب الله» لم تتضرر بشدّة، بل لأنها مستمرة في حرب الاستنزاف وبدأت تتكيّف معها، ولأن المسؤولين الإيرانيين يهرعون إلى بيروت واحدا تلو الآخر ليجدّدوا إعلام من يهمّه الأمـــر هناك بأن «هزيمة» الحزب – داخليا ومع إسرائيل – ممنوعة ولن تسمح بها طهران.
نجحت إسرائيل في توجيه ضربات كبيرة إلى «حزب الله» وفي حصر التهديد الحقيقي الذي يشكّله عليها، الذي تبين أيضا أنه أقل خطورة مما كان الحزب يوحي به خلال السنوات السابقة.
كما أنها نجحت في كسب تأييد دولي أكثر من حربها على غزة، وفي تجنّب محاسبتها أمام المحافل الدولية، التي لا ترغب فيها بالأصل الحكومة اللبنانية، ولبنان لم ينخرط أساساً في مساع حقيقية لمحاسبة إسرائيل على جرائم سابقة ارتكبتها في عقد التسعينيات من القرن الماضي وفي عام 2006 بل تهرّبت حكوماته المتعاقبة جميعها من هذا المسار، ولم تتعاون فيه.
لكن وضع إسرائيل انتصارها هذا جاهزا للاستثمار في المكاسب السياسية، وفي ملف المحتجزين الإسرائيليين في قطاع غزة، ليس أمرا متاحا بهذه السهولة، فيما الحرب تمتدّ وتنذر بأن تتسع مع إيران إلى إطار أشد خطورة على المنطقة.
ترى إسرائيل أنه يمكن لها أن تفرض شروط المنتصر، وعليها أن تسفك دماء لبنانية وفلسطينية كثيرة بعد، وهو ما تجيد فعله مسلّحة بدعم أمريكي ثابت، وبدعم في أوروبا لـ«حقها في الدفاع عن النفس».
ولتعلن إسرائيل انتصارها في لبنان، وفي غزة، سيكون عليها أن تفرض تغييرا مهما في النظم السياسية التي ستقود كيان غزة، ولبنان.
ومن دون «إنهاء دولة حماس» في غزة، ومن دون تكسير دولة «حزب الله» في لبنان، ومن دون حسم الأمر مع إيران، ستبقى حروب إسرائيل مفتوحة من دون نهاية.
و»حزب الله» و«حماس» يقولان إن دون ذلك استمرار الحرب، ولم يبد أيّ منهما، على الرغم من التراجعات في الميدان، جهوزية لتقديم مثل هذا الاستسلام في السياسة، ودينامية هذين الفصيلين مختلفتان طبقا للمصالح التي تحرّكهما، وهي مصالح وإن تقاطعت ضمن الالتزام بسقف تحالف «محور المقاومة» إلا أنها غير متطابقة بالكامل، ولكلّ وضع حساباته المختلفة.
لكن الإسرائيلي، الذي يبدو وقد تخلّى عن محتجزيه، لا يحصر هدفه في تحريرهم، بعدما أهمل قضيتهم عن قصد في ظل صعود شعبية بنيامين نتنياهو، الفاشيّ والمتعنّت، والمعرقل عمليا لكل محاولة اتفاق حاول الوسطاء قبل انفجار حرب لبنان بهذا الشكل، أن يسوّقوه، أكثر من مرة، وكانت «حماس» هي الطّرف الأكثر مرونة نسبياً في تقبّل هذه المساعي.
والعديد من المعلّقين باتوا يربطون أهداف الحرب الإسرائيلية بأجندة هذا الرجل الشخصية.

معالم «الحلّ النهائي»

يصف تقرير نشره موقع «واللا» الإسرائيلي كيف أن نتنياهو بدا شاحبا بعد يوم 7 أكتوبر العام الماضي، وكيف هو اليوم منتش بالقوّة وبـ»الإنجازات» التي حققها.
«كل من يلتقي أخيراً برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يخرج بنفس الانطباع: إنه في حالة معنوية مرتفعة». التعابير تتنوع، لكن الرسالة واحدة: نتنياهو في مزاج ممتاز»، كتبت المعلّقة السياسية طل شاليف.
ثم تستطرد في وصفها حال رئيس الوزراء الإسرائيلي «لو كان أحدهم قال لنتنياهو في الأيام الأولى بعد 7 أكتوبر أنه بعد عام سيكون وضعه جيدًا إلى هذا الحد، فمن المرجح أنه – وكذلك غالبية الإسرائيليين، – لم يكن ليصدق ذلك».
وتستنج الكاتبة بأن ما يحصل عند نتنياهو، «ليس مجرّد انفصال (عن واقع) أو محاولة لهندسة وعي جماعي بهدف إعادة تشكيل السردية الإسرائيلية لـ 7 أكتوبر، وتحويلها من قصة إهمال إلى قصة نجاح» بل «هو أيضًا انعكاس لوعي نتنياهو بنفسه، كشخص تمكّن، خلافًا للتوقعات، من النهوض من الحطام لتحقيق نهوض وانتصار شخصي آخر على خصومه وعلى كل من يتمنى استبداله» في إشارة إلى الأمريكي، وكذلك إلى الداخل الإسرائيلي.
وصعود نتنياهو على جثث المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين، ليس أمرا مفاجئا، لكن توصيف «الانتصار» الإسرائيلي في هذه المرحلة، أو الانتصار النهائي، يبقى رهن أن تقرر المؤسسة العسكرية والسياسية الحاكمة في إسرائيل معالم «الحلّ النهائي» الذي تريده لهذه المنطقة، وتحديدا في قطاع غزة، ولبنان، وهو ما لن يتحقق من دون فرض الشكل الذي تريد لـ «اليوم التالي» على كلتي الساحتين. ساحتان عند إسرائيل، وساحتان عند «محور المقاومة» بقيادته الإيرانية المعلنة.
وشكل «اليوم التالي» غير محسوم عند إسرائيل، التي تتردد كثيرا في أن تعيد الحكومة العسكرية والاحتلال المباشر لقطاع غزة، وترفض حتى الآن أيّ دور للسلطة الفلسطينية، وتشجّع بدائل هزيلة غير واضحة لإدارة القطاع، ولا هو محسوم عند الدول العربية التي سوف تتولى مهام إعادة إعمار القطاع، أو الانخراط في الإشراف على إدارته، وإدارة وقف إطلاق النار.
و»الحلّ النهائي» الإسرائيلي يبدو مرعبا، إن قيس بالمدى الذي سمحت فيه الولايات المتحدة وحكومات أوروبية حتى الآن لحكومة نتنياهو بالذهاب إليه في ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية، وفي مقدمتها جريمة الإبادة في قطاع غزة.
ويبدو محبطا إذا قيس برؤية هذه الحكومة، ومعها المعارضة المرشّحة للانخراط في الحكم في حال انتخابات جديدة، لواقع الشعب الفلسطيني بعد الحرب.
أجاب وزير الخارجية البريطاني دافيد لامي هذا الأسبوع، في مقابلة صحافية خلال وجوده في البحرين، عن سؤال بخصوص نظرة بريطانيا لليوم التالي للحرب.
فقال «من الأهمية بمكان أن نركّز على اليوم التالي للحرب، لأن هذه الحرب لا بدّ وأن تنتهي، وليس الحلّ العسكري هو الذي سيضع حدا لها، بل الحلّ السياسي، ومن الطبيعي أن يمنح هذا الحلّ السلطة الفلسطينية القدرة والإصلاح والوسائل اللازمة لحكم غزة، لأن إسرائيل لا تستطيع البقاء في غزة. إننا نريد أن نرى إعادة الإعمار في غزة، لكنّ الحقيقة هي أن الشركاء العرب والمجتمع الدولي لا يستطيعون إعادة إعمار غزة إذا كانوا يعتقدون بأنه بعد عشرين عاما سوف تُدمّر غزة مرة أخرى. لذا هذه هي المعضلة، والأمر يتطلب الكثير من الجهد الدبلوماسي، ونحن في المملكة المتحدة نحثّ حلفاءنا في المنطقة على السماح لنا بالتركيز على اليوم التالي. وإذا تمكنّا من التركيز على هذا اليوم التالي، وعلى الأمن الضروري والرخاء الذي نريده لشعب غزة، والأهم من ذلك حلّ الدولتين، الذي يمنح الفلسطينيين الحق السيادي في الحصول على وطن آمن ومضمون، وإسرائيل آمنة ومضمونة، داخل حدودها، عندها يمكننا أن نرى التقدم الذي نأمله للمنطقة».
هذه الكلمات لوزير الخارجية البريطانية، تخفي في مضمونها معضلة يواجها صنّاع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وأوروبا، وقناعة تزداد ترسّخا أن حلّا للقضية الفلسطينية هو الوحيد الكفيل بإنهاء هذا الصراع المكلف في الشرق الأوسط الذي طرح ويطرح تهديدات جدّية للأمن في العالم، ولأمن القارة الأوروبية، لكنه أيضا يحمل تناقضات عند حلفاء إسرائيل – وبريطانيا العمّالية من بينهم – تتمثل في موقف إسرائيل اليوم من الحلّ السياسي وشكل هذا الحل.
فحكومة أقصى اليمين الإسرائيلي، ومعها طيف اليمين المعارض الدائر في فلكها، لديها نظرة أخرى للحلّ السياسي، وعمليا فإن سياستها اليوم لا تقوم على السعي إلى حلّ سياسي، بل على أحلام بالسلام الإبراهيمي المفيد الذي ينتظر مسيحه في الانتخابات الأمريكية، وحتى ذلك الوقت فإن النزعة العسكرية الإسرائيلية هي صاحبة الكلمة الأولى في إسرائيل وفي ساحات المجازر الفلسطينية واللبنانية.

لاءات كبيرة

ولإسرائيل في حربها أهداف سياسية مختلفة، وهي أهداف لا تخفيها، بل تعلنها. من بينها ما أفصح عنه صراحة فيليب لازاريني، المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) نهاية هذا الأسبوع، وبأسى، بقوله إنه يبدو أن «التخلّص من «الأونروا» يكاد يكون من أهداف هذه الحرب» (الإسرائيلية) بما يعنيه ذلك من تصفية فعلية لملفّ اللاجئين برمّته، وإبعاده عن أي تفاوض مستقبلي، فضلا عن أن «الأونروا» هي جامع منذ ما بعد «النبكة» بين فلسطينيي غزة والضفة الغربية، وبين فلسطينيي الشتات، وبخاصّة في الأردن وسوريا ولبنان.
وفضلا عن هدف تصفية «الأونروا» ترفع حكومة نتنياهو لاءات كبيرة أوّلها في وجه أي مشروع دولة فلسطينية، وثانيها في وجه وقف الاستيطان في الضّفة، ومن قبل 7 أكتوبر، بل تتقدم في الضفة الغربية في مسار تراجعي باتّجاه الحكم العسكري، ونحو الضّم، وبخطى يراها الجميع.
فأي حل سياسي تَعِدُ به الدول الحليفة لإسرائيل شركاءها العرب؟
أما في لبنان، فالوضع لا يقلّ تعقيدا.
وأيّ رؤية ترتكز على تجريد «حزب الله» من سلاحه الثقيل والنوعي، ومن بنيته المقاتلة، ومن انتشاره القتالي، يصطدم حكما بطبيعة المجتمع اللبناني، وبـ»بيئته الحاضنة»، التي لن تتيح لإسرائيل هزيمة الحزب بهذا الشكل، عدا عن أن ذلك لو حصل سيعني تراجعها أمام خصومها في بقية الطوائف اللبنانية، ويصطدم أيضاً بكون «حزب الله» لا يزال في خانة أثمن ما تسعى إيران للحفاظ عليه في «محور المقاومة»، بعدما تبيّن أن ذلك أولوية وطنية إيرانية.
أما تحريض الشعب اللبناني على «حزب الله»، بهدف إحداث تغيير داخلي، أو إغراقه في صراع أهلي، وهو قد يكون الرهان الإسرائيلي اليوم، إلا أنه يبقى رهانا ضعيفا إذا أرادت إسرائيل أن تحافظ على أمنها للسنوات العشرين المقبلة على الأقل، بما لا يتركها إلا أمام هدف أكثر صعوبة، وأقل واقعية، ويفترض هزيمة شاملة للمقاومة، وهو القضاء التّام على الحزب، والغزو.
والتحريض الإسرائيلي، لم يعد مقتصرا على الدعايات الحربية التي يبثّها المتحدثون باسمه بالعربية، بل صار يشكل سياسة ملموسة رصدها مسؤولون أمميون، ودفعت بالمتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان رافينا شامداساني، إلى التعبير عن ذلك بالقول: «نحن مذهولون من اللغة التحريضية العارمة من قبل أطراف متعددة».
لتضيف: «اللهجة الأخيرة التي تهدّد الشعب اللبناني ككل، وتدعوه إما إلى الانتفاضة ضد (حزب الله) أو مواجهة الدّمار مثل غزة، تنطوي على مخاطر أن يُفهم منها أنها تشجّع أو تقبل العنف الموجه ضد المدنيين والأهداف المدنية، في انتهاك للقانون الدولي».
لذا، فإن إظهار إسرائيل جبروتها العسكري، القائم على ارتكاب جرائم الحرب في كلّ مرة، وخلق كل السياقات التي تبرر جرائمها، هو السياسة الإسرائيلية اليوم، هو سياسة الحرب والغزو العسكري والضّم وهزيمة «العدو» الكاملة، سواء في فلسطين، أو في لبنان، وهو أقرب اليوم إلى «الحل النهائي» عند الإسرائيليين، من الحلّ السياسي الذي يتحدث عنه حلفاؤها، ذرّا للرماد في العيون.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية