«كأنها مغفرة» مجموعة الشاعرة المصرية هدى عمران: سيرة الأنثى من الانعتاق إلى شتات الغرباء

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في ديوان «كأنها مغفرة» للشاعرة المصرية هدى عمران يتأسس الإبداع الشعري على رصد الذات وكتابة سيرتها، والإصغاء إلى تحولاتها الداخلية الفكرية والأيديولوجية، لأن الحياة في منطق نصوص الديوان طريق غير منتهية لاكتساب المعرفة، وللوعي بالحياة والوجود. وسيرة الشاعر أو الشاعرة ورصد تحولاتهما يعدان شيئا مهما، لأن الفن أو الموهبة يعطيان إحساسا بالاختلاف أو المغايرة، فرصد الذات لنفسها – الذات المبدعة – يعطيها قيمة مضافة من التفرد، وحين تكون هذه الذات أنثى، تكتسب سيرتها أهمية فوق أهمية الفن السابقة، فهي سيرة رهيفة، تمثل-بالرغم من فرديتها- سيرة مشتبكة مع السياق الجمعي، حيث تطلّ برأسها في ظل أنساق خانقة، تحاول تنميطها داخل سياق عام.
في هذا الديوان هناك نوع من التساوق بين أجزائه، فالجزء الأول الخاص بالانعتاق من قيدي الأسرة وربقة الزواج، بأغراضهما الذكورية الضاغطة، يفتح الباب في الجزء الثاني (كانت الثورة عمري) للانتماء داخل إطار حزبي يأتي مرتبطا بفعل الثورة. فكأن هدم القيود العائلية يتماس مع هدم أو الإسهام في تحلل الأفق السياسي الممتد زمنيا، فكلاهما انعتاق وبداية جديدة على المستوى الفردي والجماعي، سواء تعلّق الأمر بالاختيار، أو بالانشداد إلى سياقات جديدة. فالجزء الأول من الديوان يقارب بنصوصه الخروج والانفلات من المجموع، وكل أشكال السلطة. ويكشف الجزء الثاني عن بداية مواجهة العالم مواجهة منفردة، تؤسس فيها الذات خياراتها وقدرتها على الفعل، في تشكيل سرديات وجودها وفق شروط جديدة، تتحلل فيها من الماضي.
وفي الجزء الأخير نجد أن هناك انفتاحا كاملا على هذه الخيارات بسردياتها، حيث تصنع الذات اندماجا مع هذا العالم بتوحشه، وتستطيع أن تبصر في هذا التوحش وداعة وبراءة، فالذات تنفذ إلى عمق الأشياء، بعد نزع الإطار الخارجي الشكلي الكاشف عن الغرابة أو التوحش، فالتوحش أو العنف- خاصة في جانب القسيم الذكوري- يأتي- في منطق النصوص- من جروح الروح العميقة، ويمكن في ظل ذلك تبرير الاحتفاء والاندماج بالغرباء والمشردين اللذين يأتيان واضحين.

سيرة الأنثى من التسليم إلى التحرّر

في نصوص الديوان هناك محاولة لكتابة سيرة الانعتاق، من سياق الآباء والأجداد الذي حفلت النصوص بتقديمهم في إطار مسحة لا تخلو من سمات أسطورية عجائبية. وهناك أيضا تفريق بين نسقي الذكورة والأنوثة، فالقسيم الأول جاء محمّلا بمسوح القداسة والفعل والقدرة، والأخير جاء كاشفا عن التشابه والواحدية الثابتة المتكررة، نظرا لسطوة النمط الذي يغيّب الخروجات أو الاختلافات، ولا يلتفت إليها (كل النساء في تلك العائلة امرأة واحدة). فالتشابه والواحدية هنا إشارة للكم المهمل الذي يخضع لتمثيل تراتبي، وإلى تنميط جاهز يتشابه المنضوون في إطاره، فالنساء نمط محدد يتحركن وفق سنن جاهز، وأطر موروثة.
السيرة في الأساس تشكيل لغرابة أو لخروج أو لإنجاز، وهي هنا في النص الشعري تمثل خروجا عن أطر ضاغطة، وصناعة لحال من التحرر والانعتاق تتكوّن بالتدريج. فالمرأة في التصور النمطي تظلّ في راهنيتها داخل الخنوع والشكوى، فلا مجال لإظهار العواطف، يقول النص الشعري: «كبتتْ كل عاطفة قوية بداخلها، فتحولت إلى كدمات زرقاء على الجسد الأبيض الناصع، لفّت شعرها الأحمر الطويل حول نفسها كشرنقة، تعلقت بشجرة العائلة، وصدقت أنها ستنطلق قريبا كفراشة».
وربما كان هذا التعدد التكويني في صورة الذات من البداية له دور في إظهار مساحات الخروج عن النسق العائلي بحثا عن فردانية، ومن ثم يبدأ الالتحام بالواقع والاقتراب منه: «وأرادتْ أن تقذف نفسها من هذا الرحم الفاسد. وحين خرجت لم تستطع المشي، ظلّت محلقة وغير مرئية فوق سماء المدينة». يشعر القارئ – بالرغم من تطابق النسق/ العائلة/ الرحم الفاسد – أن هذا الخروج ليس خروج اندماج، بل خروج تهويم ونظرة مثالية تتساوق مع التحليق والطيران، دون معايشة حقيقية، وتجريب داخل حدود الواقع.
الحزن في سياق التحوّل ليس الحزن العادي، فقد تمّ تشكيله بصورة لافتة للنظر، في ارتباطه بالروح المتطلعة إلى التغيير ارتباطا بالمثال: «يأتي الحزن كغرفة زرقاء…/ يأتي كالدمع من الأقدام/ كالشق الغائر في الروح/ كالبئر يحفر بيتا ويجلس كربّ لهذا البيت/ يأتي وأحاول إمساك يده برفق/ لكنه يأبى إلا ان يملكني/ يأتي فأنسى الزمن…/ كل ذاكرتي رياح/ وأنطوي على نفسي كجناح محلّق بلا طائر/ كدخان». الحزن بشكله المهيمن يبعد الذات عن الإيمان التهويمي السابق، ويجعل الحركة بطيئة، مؤجلة لا تخلو من احترازات، وتفكير مستمر في البحث عن طرق أخرى لجلب سعادة مؤقتة.
السيرة في هذا الديوان ليست سيرة زمنية محددة الملامح فقط، فهي لا تقف عند النقلات المعهودة من الميلاد إلى لحظة الانعتاق والتحرر في نصوص الجزء الأول، لكنها سيرة للتكوّن الداخلي، وسيرة للنمو المعرفي، وتشكيل الإدراك، للوعي بالذات أو الفرادة، سيرة في لحظة تحولها ترد الذات فيها للرجل دينه أو العظمة التي أخذت من جسده، وصنعتْ منها، ومن بعدها تبدأ مسارب التعدد والتحوّل، من حوّاء إلى ليليت.
الفاعلية هنا تحوّلت من الذكوري إلى الأنثوي خاصة إذا تأملنا الأفعال وحضورها في النص الشعري، فالأنثى هي التي تعطي، وهي التي تكمل النقصان الحادث، وهي التي تتأمل نتيجة الصنع أو الخلق الجديد، وما يكشف عن مشروعية هذا الفهم وجود تنضيد متقابل خاص للرموز، فالرمز المتجاوب مع الذكورة في النصوص السابقة لهذا النص التي جاءت لتصوير النمطي المعهود في ظل التراتب استنادا إلى البيولوجي، جاء متمثلا في (الحصان)، والرمز المرافق للأنوثة جاء مرتبطا بالغزالة. ولكن في لحظة التحوّل أو موت الأنثى القديمة، وميلاد الجديدة، يشعر القارئ أن هناك تحوّلا في منظومة الرموز الخاصة بها، فقد حملت ملمحا ذكوريا، يجليه النص بقوله: «طلبت منه أن يصطاد لها حيوانا بريا، حصانا أسود، أو غزالا بقرنين عظيمين، أو نمرا».
إن تأمل نصوص الديوان، خاصة في الجزئين الثاني والثالث يفضي إلى شعور مفاده أن السيطرة أو الغمر الذي يسدّ المنافذ والأفق، ويمنع الهواء، هي الأسباب الأساسية للتململ من النسق العائلي أو الذكوري الضاغط، وللبحث عن وسائل ناجعة لاكتساب صفاته أو بعض صفاته في عملية ميلاد جديدة، وكأن النصوص تعيد عملية الخلق الأولى، لكن وفق توجه مغاير، ينتصر للمرأة التي تتخلق نسخة أخرى. ونهاية الجزء الأول من الديوان بهذا المعنى وتلك الدلالات، تفضي إلى حركة مغايرة، وإلى توجه خاص في نصوص الجزئين التاليين، لأن الحركة في سياق الحرية والانعتاق حركة قائمة على الاختيار، وتحمّل الذات وحدها نتيجته.

الشتات والاندماج بالغرباء

بعد نهاية الجزء الأول يشعر المتلقي أن الجزء الثاني (كانت الثورة عمري) يشكل بداية جديدة، تحاول فيه الذات تغييب ماضيها من خلال الانفتاح على العالم، وصناعة توجهات والانضواء داخل سرديات جديدة، ترتبط بالحزب والثورة، والانفتاح على الآخر الأجنبي. كل هذه التوجهات والسرديات التي تنضوي داخلها تواجهها منفردة وحيدة، دون إحساس بوجود ثنائي أو توزّع، فالقارئ أمام ذات تملك الفاعلية والقدرة على الفعل دون مساءلة أو قمع من سلطة ما، ومن هنا تتشكل كل السرديات، مثل سردية الثورة، وسردية الانفتاح على الآخر الأجنبي الذي يشير إلى انفتاح أبعد من حدود الوطن نظرا للتشابه الحزبي داخل اليسار، ففكرته- أي اليسار- في أصولها المثالية تحمل انتصارا للإنسان دون النظر إلى عرق أو دين: (أهديت صورة زفافي لرجل ألماني، اسمه ديتا، رأيته مرة واحدة في حياتي، جاء إلى القاهرة مبهورا بالثورة، كان شيوعيا قديما يؤمن بالمساواة).
تتوسّل نصوص الديوان في تأسيس شعريتها، وفي تشكيل مراحل الوعي والإدراك والتحولات، بالكتل النصية النثرية التي تعيدنا إلى التدوير في نصوص التفعيلة، بل يمكن القول أن النصوص تستخدم الشكل الكتابي للنثر، وتستنهض قيمته من الوضوح والبساطة، لكنها لا تكتفي بالسرد البسيط، أو الشكل الكتابي النثري القائم على الكتلة النثرية في أجزاء عديدة من نصوص الديوان، لأن هذا الاكتفاء- لو تحقق- يقرّبها من النثر، وينفي عنها صفة الشعر، فكان لابد من وجود آليات فنية، تعيد شحن الكتل النثرية بالشعر.
النصوص – في سبيلها لذلك – تنتقي جزئية مهمة متمثلة في انفتاح العوالم، وخلق حال شعرية من هذا الانفتاح، لأن الاستجابة هنا ليست لمؤسس إبداعي، وإنما لرصد حقيقي للذات في انفتاحها على مقاربة العالم، بعد كفرها بكل مؤسس، ومحاولة انفلاتها من كل أشكال السلطة. يتجلى ذلك في محاولة تأسيس معرفة جديدة بالأشياء والمفاهيم التجريدية، لا تقنع بالمرصود أو الجاهز، فكأن النصوص تخلخل وتزلزل الأشياء من إطارها، وتعيد توطينها من جديد في سياق وعي مختلف، مثلما سيّجت إطارا جديدا لبناء الذكرى أو الذاكرة، وهي ذاكرة قديمة بعد مرور عام على الحدث.
فعقد التداخلات أو الاتفاقيات الجديدة في النصوص الشعرية، لا يخلو من خرق متعمد لمنطق الأشياء، فالشعر- كما نقلت الشاعرة في المفتتح عن كليطو- لا يقوم إلا على منطق سديمي. فالربط بين بناء الذاكرة واليمامة الرمادية يحتاج إلى تبرير، والسطور الشعرية التالية كلها محاولة لتسويغ هذا الربط، حيث يأخذ مداه في تمدد تركيبي ـ ليخرج سرب من الأشباح/ يحطّ على رأسي كلما مشيت- يمنح الانفتاح والتداخل بين الذاكرة واليمامة الرمادية مساحات من القبول، ويؤسس لفعل التشابه بين الحدثين في الوعي والإدراك.
في الديوان نصوص – خاصة في الجزء الأخير – تصور الاندماج بالغرباء، والارتباط بالعلاقات العابرة، لأن الذات تستطيع أن تلمح البراءة أو الوداعة خلف التوحش الشكلي لكل عابر أو غريب، وكأن الذات في انفتاحها على العابرين والمشردين تصل إلى اكتمال جزئي ما، فدخولها في ألعاب الحب مع أشخاص خطيرين، يمثل بحثا عن معرفة، وعن استخدام الحرية الجسدية، دون سلطة أو شبهة امتلاك تقسو على الروح، أو تغيب توقها للتجريب. الغريب أو العابر في نصوص الديوان حين تتحد به الأنثى في طورها الجديد المتحرر من أية استدانة للماضي وسلطته بكل أشكالهما، يتجليان بوصفهما سبيلا لإكمال النقصان، وتغييب لهاث السؤال الذي لا يكفّ عن الحضور (نام غريبان في حضن بعضهما، عاريين حتى الصباح، برغبة في تسكين الزمن، فذابت جلودهما، واتحدا في نسيج واحد، فخلفا حيوانا نصفه غزال، ونصفه نمر، لو رأيته بكيته من شدة الجمال) فالارتباط بالغرباء أو العابرين ارتباط يؤسس للحركة دون سطوة جاهزة مسبقة، لها صفة القداسة، ويؤسس- أيضا- للمساواة بين القسيمين، بالإضافة إلى كونه ارتباطا لحظيا، لا يؤدي إلى معاناة من تراتبية سابقة أو لاحقة.
هدى عمران: «كأنها مغفرة»
صفصافة للنشر والتوزيع، القاهرة 2024
127 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية