القاهرة ـ «القدس العربي» أبرز ما جاء في صحف أمس الأربعاء 13 مايو/أيار كان توالي ردود الأفعال على استقالة وزير العدل المستشار محفوظ صابر، تحت ضغط الرأي العام الذي غضب بشدة بعد تصريحاته عن عدم معقولية أن يكون ابن الزبال قاضيا، أي استحالة قبوله في النيابة العامة عند التقدم لوظيفة معاون نيابة، وكان سبب الضجة أن هذا الموقف ضد الدستور ومبدأ المساواة وعودة للطبقية.
وتضاربت الأنباء ما بين القول بأن الوزير هو الذي بادر بالاستقالة منعا لإحراج الحكومة والقول بأنه طُلبت منه الاستقالة، وأيا كان الأمر فإن رد الفعل السريع من الحكومة والتصريحات النارية لرئيس الوزراء المهندس إبراهيم محلب ضد ما قاله الوزير، يكشف عن حساسية النظام من احتمال إتهامه بالإنحياز ضد الفقراء، أو مخالفة الدستور، لكن رد فعله لن ينجيه من سلسلة المشاكل التي سيفجرها هذا الموضوع، لأن الكلام بدأ عن وجود عمليات تمييز ضد أبناء بعض الفئات والمستويات في التقدم لبعض الوظائف والاعتراف بهذا علنا.
وفي حقيقة الأمر فإن ظاهرة التمييز ضد أبناء الأسر الفقيرة في التقدم للوظائف المرموقة في الحكومة، بدأت عمليا بعد وفاة خالد الذكر وبالتحديد في عهد الرئيس السادات، ابتداء من عام 1974 وموجة العداء للطبقات الفقيرة ووضع الأب والأم والوظيفة والدخل والملكية، بينما الشرط أيام خالد الذكر كان حسن السير والسلوك وعدم وجود موانع قانونية بالنسبة للأب والأم والعم والخال، مثل المخدرات والجنايات.
وقد أخبرني أمس في «التحرير» زميلنا وصديقنا الفنان الموهوب حلمي التوني، أنه كان يسير في أحد الشوارع فشاهد كناسا سعيدا بإقالة الوزير وحول المقشة إلى عود وغنى أغنية لعبد الحليم حافظ بعد أن أدخل عليها تعديلات وهي أغنية ظلموه فقال:
– كنسوه.. كنسوه.. الراجل الظالم كنسوه.
أما الموضوع الثاني الذي اجتذب اهتمام الأغلبية فكان الحديث الشهري الثالث للرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي تجنب فيه الإشارة إلى هذه القضية ولوحظ استمرار تأثره بخالد الذكر في علاقاته المباشرة بالناس والحرص على مكاشفتهم بما تحقق وبما أخفق فيه، حيث اعترف بالفشل في تحقيق المستهدف من خطة إضافة طرق جديدة، وكانت النسبة خمسة وأربعين في المئة من المفترض تحقيقه في هذه الفترة، وبمشاكل الفساد وترهل الجهاز الإداري للدولة، وأشاد بالعمال وما قدموه في الخمسينيات والستينيات، وقبل أن ينتقل لفقرة أخرى توقف واستدرك قائلا، وحتى الآن.
وقام بغمز نظام مبارك في أكثر من فقرة في العودة إلى أفريقيا وفي مشروع توشكي، من دون الإشارة إليه صراحة، وكان مرتاحا وهو يتعهد بأن شهر رمضان والصيف لن يشهدا مشكلة تذكر في الكهرباء، وكذلك كميات السلع الغذائية المعروضة. كما وجه نقدا غير مباشر للأزهر ووزارة الأوقاف، بسبب ما اعتبره تقصيرا في جهودهما لتجديد الخطاب الديني، ونفى أي تدخل من الدولة في الإعلام أو توجيهه، واعترف بحجم الفساد في الجهاز الإداري للدولة والتصميم على مواجهته.
أيضا استمرت الأغلبية في الاهتمام بامتحانات الشهادة الابتدائية والاستعدادات للشهادة الإعدادية والثانوية العامة والجامعات، ورفض لجنة فحص ممتلكات الإخوان تظلم لاعب كرة القدم محمد أبو تريكة من قرار التحفظ على شركته «أصدقاء تورز» واستقبال الرئيس صديقنا ورئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان محمد فائق لمناقشة أوضاع السجون وتطوير العمل فيها ومطالب المجلس المقدمة إليه.
واهتمت كل من «الوفد» و«البوابة» بالضجة التي أحدثها زميلنا وصديقنا عبد الرحيم علي رئيس مجلس إدارة وتحرير «البوابة» بسبب التسجيلات التي أذاعها أول أمس الاثنين في برنامجه «الصندوق الأسود» على «قناة العاصمة» لرئيس حزب الوفد السيد البدوي حول بعض المشاكل، ونشر حيثيات الحكم ضد مبارك ونجليه في قضية القصور الرئاسية وكانت إدانة مباشرة وعنيفة لمبارك.
وإلى بعض مما عندنا…
هشام المياني: القضاة في مصر يعملون باستقلالية تامة
ونبدأ بالرئيس السيسي وأبرز ما نشر عنه معه وضده وأوله يوم الأحد لزميلنا في «المقال» هشام المياني الذي وضح لنا الآتي: «من لم تكن له خبرة قضائية ولا تعامل مع المحاكم، معه كل الحق في أن يتصور أن الرئيس يمسك بسماعة التليفون ويوجه هذا القاضي بتبرئة مبارك، بينما يوجه غيره بإعدام مرسي، ويوجه ثالثا بالتنكيل بالشباب المتظاهرين، ولكن من واقع خبرة وتعامل مع الوسط القضائي، وتغطية أخبار المحاكم والقضاة لفترة طويلة، دعني أقول لك أنه رغم وجود بعض التجاوزات من المسؤولين في الدولة، وتدخلهم لدى بعض القضاة وبعض وكلاء النيابة لحماية متهمين بأعينهم، خصوصا ضباط الشرطة فإنه، في العموم، القضاة في مصر يعملون باستقلالية تامة فعلا عن السلطة التنفيذية وعن الرئيس.
ودعني أؤكد لك في البداية أن الاستقلالية هنا ليست كما يتصور البعض أنها تعني العدالة أو النزاهة أو إعمال القانون على الجميع على اعتبار أنهم سواسية كأسنان المشط، بل أقصد بالاستقلالية أن القاضي يتخذ قراراته ويصدر أحكامه بعيدا عن أي تدخل من السلطة، أما مضمون الحكم الذي قد نراه غير عادل أو حتى مخالفا للقانون، أو لا يتوافق مع حجم الجريمة كبيرة كانت أو صغيرة، فهو حكم نابع من عقيدة القاضي وتفكيره وتوجهاته. نعم أقول لك توجهات القاضي، فأنا تعاملت مع عدد ليس بالقليل من القضاة في مصر، ومنهم من اختار توجها مؤيدا للسلطة، ويرى أن ذلك هو من صميم واجبات عمله، وأنه بذلك يحافظ على استقرار البلد، وهناك الكثير منهم أيضا الذين يعملون وفقا للقانون فقط، ولا يفرقون بين مؤيد للنظام أو معارض له، المهم أنه في الحالتين فإن هذا القاضي أو ذاك يتخذ قراراته من دون توجيهات من السلطة».
وما ذكره هشام صحيح لكن ما نسيه أن بعض القضاة وفي حالات نادرة يصدرون أحكاما غير مدرجة في القانون أبدا، وقد حدث في عهد مبارك أن أصدر أحد القضاة في قضية كان ينظرها عن بعض بائعي الهيروين، الذين قبض عليهم وهم يبيعونه للشباب في نادي الشمس في حي مصر الجديدة، فأصدر حكما بالإعدام شنقا أمام النادي. وقاض آخر في السويس حكم بالجلد في قضية منظورة أمامه، بل وصل الأمر إلى حد أن وكيل نيابة في إحدى مدن الصعيد، من حوالي سنتين أو ثلاث سنوات، أمر بجلد مواطن يتم التحقيق معه، رغم أنه ليس من سلطته الحكم ولا توجد في القانون عقوبة بالجلد.
السيسي لا يعرف كوارث حكومة
مقاول الهدد ولا بلاوي المحافظين
ومن «المقال» إلى «صوت الأمة» وكاتبها الساخر زميلنا محمد الرفاعي وقوله: «رجاء للسيسي ياريت تفضي نفسك يوم وتقرأ الجرائد القومية والحزبية والمستقلة، لأنني أظن وبعض الظن ليس أثما، أنك لا تعرف كوارث حكومة مقاول الهدد ولا بلاوي المحافظين اللي عندهم بري.. بري وشلل رعاش، ولا أزمات الغلابة اللي عايزين الستر، والملك سلمان قام بعزل رئيس المراسم الملكية لأنه أساء معاملة أحد الصحافيين أثناء استقبال ملك المغرب، أمال بقى لو كان باع لهم حتة الجاتوة المعفنة بخمسة جنيه كان عمل أيه».
رأس الأفعى «الفساد»
والرفاعي يذكر بما حدث للصحافيين الذين كانوا يتابعون في قصر القبة حفل تنصيب السيسي رئيسا بعد فوزه في الانتخابات، وأذكر أن أول من أثار هذه الحادثة كان زميلنا الإعلامي عمرو عبد الحميد. أما زميلنا وصديقنا ومدير تحرير «الأسبوع» عبد الفتاح طلعت فقال يوم الاثنين: « يبدو أن أمامنا الكثير حتى نتخلص من رأس الأفعى «الفساد» في مصر.. وهنا لا أتحدث عن الفساد الأكبر في بعض المصالح الحكومية، لكنني أقصد الفساد الأصغر الذي يرتبط بتخليص المصالح اليومية للمواطنين.. في كافة المصالح الحكومية، بدءًا من وحدات المرور والشهر العقاري والوحدات المحلية وغيرها من المصالح الخدمية.. فالشعار المرفوع في هذه المصالح من بعض الموظفين ضعاف النفوس «ابجني تجدني».. و«إذا أردت أن تنجز فعليك بالونجز».. وإلا عليك الانتظار بالساعات أمام الموظف حتى تحصل على الخدمة أو الحق.. ويا ويلك لو عليت صوتك أو همهمت بالاعتراض على طول انتظارك، فسوف تسمع ما لا يرضيك، أما إذا عملت أهبل ولم تبرز له «الأوبيج» فعليك أن تتوقع أن يلففك كعب داير لجهات حكومية أخرى، لأن الختم غير واضح، أو عدم وضوح تأشيرة موظف ما، أو اختراع صياغة أخرى مطلوبة من هذه الجهة، حتى يتمم مصلحتك.. أو يتعمد ارتكاب خطأ في المستند الذي تحصل عليه فيضمن عودتك إليه مرة أخرى كي تؤبجه في المرة الثانية.
الغريب أنك تشعر أن هؤلاء الفاسدين الصغار قد ازدادوا شراسة بعد الثورتين، وكأنهم كما يقول المثل «بياكلوا في آخر قوتهم».. عندما تنظر إليهم وهم يتفننون في جمع الأموال الحرام، يذكرونك بوظيفة الوالي والديوان – في عهد محمد علي – الذي كان يقضي الثلاث سنوات المحددة له في المنصب في جمع الأموال الحرام قبل أن يترك موقعه، الأمر نفسه مع هؤلاء يتسابقون في جمع الأموال الحرام قبل أن تبدأ الدولة في تفعيل استراتيجية مكافحة الفساد، التي أعلن عنها الرئيس السيسي والتي تستمر على مدى أربع سنوات.
الرئيس السيسي في تصريحات له قال: إن المصريين بيدهم القضاء على الفساد من خلال منع ورفض الرشوة، فلا يجوز مثلا عند قضاء مصلحة ما التورط في دفع رشوة.. وأقول للرئيس: المواطن للأسف مضطر لذلك للحصول على حقه.. لذلك أتمنى عليكم إرسال مندوب من طرفكم أو التنبيه على الأجهزة الرقابــــية أن تنزل من مكاتبـــــها لرصد المعاناة التي يعانيها المواطن في قضاء مصالحــــه التي للأسف لا يستطيع الحصول عليها إلا بالرشوة.. والتي تجعله في النهاية يكفر بكل شيء حوله.. وتجعله يردد مقولة: مفيش فايدة.. البلد دي لن ينصلح حالها.. فالأوضاع كما هي.. لم ولن تتغير إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا».
سياسيون وإعلاميون مصابون
باضطراب الشخصية الحدية
ويوم الاثنين أيضا نشرت مجلة «البوابة» مقالا للدكتور الطبيب إبراهيم مجدي اتهم فيه مهاجمي الرئيس بأنهم مضطربون قائلا: «هل هناك سياسيون وإعلاميون على الساحة مصابون باضطراب الشخصية الحدية؟
الإجابة بالمنطق هي نعم، من الممكن أن تكون هناك نسبة ليست قليلة مصابون بهذا المرض، والأمانة المهنية وقانون الصحة النفسية المصري الجديد لسنة 2008 في الجزء المتعلق بخصوصية المرضى يفرض علينا عدم البوح بأسرار المريض وعدم الإفصاح عن تشخيص المريض إلا في حالات مشروطة…
لذلك لن نذكر أسماء محددة ولكن سوف نذكر مواقف معينة جعلتنا نطرح ونفترض أن بعض الإعلاميين هذه الأيام مصابون بهذا الاضطراب.
أحد المواقف الملاحظة مؤخرا هو انقلاب 180 درجة لدى مجموعة من الإعلاميين والسياسيين، في طريقة التعامل مع رئيس الجمهورية وتوجيه النقد له، بعد أن كانوا يتنافسون في مدحه منذ أيام قليلة، هذا يجعلنا نطرح السؤال لماذا هذا التغيير والتقلب السريع والعنيف في المزاج؟ أظن أن طرح السؤال على الإعلاميين سوف يكون أخف وطأة من اتهامهم بالخيانة والتآمر على رئيس الجمهورية، كما حدث من بعض الإعلاميين الآخرين، والجمهور أيضا الذي غضب من توجيه النقد لمعشوقه.
طرح آخر لدوافع الهجوم والنقد، هل بدأ يحس مجموعة من الإعلاميين والسياسيين ورجال الأعمال، الذين يملكون القنوات، أن شعبيتهم في انخفاض وأن الرئيس السيسي بالبلدي «واكل الجو»، وأن الشعب ملتف حوله، وأنهم لم يستفيدوا من هذه الشعبية، ولم يعودوا المحركين للرأي العام، خاصة أن استطلاعات الرأي العام والأبحاث التسويقية التي تقوم بها شركات الدعاية والأبحاث أكدت تراجع نسب المشاهدة لبرامج «التوك شو» والبرامج التي تستضيف السياسيين، وأن برامج الترفيه والبرامج الاجتماعية والطبيخ والفنية والرياضة هي التي أصبحت في المقدمة، لذلك يحاول الإعلاميون جذب الأنظار لأنهم كما قلنا مرضى ولا يطيقون ابتعاد دائرة الضوء عنهم باستخدام بعض العبارات الآتية والعناوين الآتية
السيسي مصمم على ما كان يفعله الرؤساء السابقون في افتتاح الكباري ورصف الطرق، وارتضى أن يسلك الخط نفسه في متابعة وافتتاح المشروعات التي تبدو أنها مهام محافظ وربما أقل، ولكن الحقيقة أن هذه المتابعات ليست جيدة أو طيبة
الإعلامي نفسه الذي ذكر هذه العبارات رأيناه يجلس أمام الرئيس منذ أقل من عام يرتجف ولا يقدر على محاورته أو توجيه السؤال له كما يفعل مع بقية ضيوفه.
جريدة أخرى صدر المانشيت الخاص بها بعنوان «هيا بنا نحاسب الرئيس» والجريدة للأسف توزيعها لم يتخط ثلاثة آلاف نسخة يوميا وتخلت عن جزء كبير من المحررين بسبب الضائقة المالية التي تعرضت لها، باختصار مؤسسة فاشلة تريد أن تحاسب رئيس دولة، فالهدف من وراء المانشيت رفع سقف التوزيع لتعويض الخسائر المادية.
النقطة الأهم هنا أنه لا يوجد حتى الان تسويق سياسي بشكل علمي وصحيح للرئيس للسيسي، لذا فإنه يعتمد على نفسه في ذلك لأنه درس هذه العلوم أثناء دراسته في الولايات المتحدة.
السؤال الأخير- يتعلق بالتسويق السياسي للسيسي وسط الشباب- ومن الذي يصدقه الشباب في انتقاده للرئيس؟
الإجابة هنا.. باسم يوسف! نعم باسم يوسف، لأن باسم وصل للعدد كبير من الشباب الذين يتعاملون مع لغة العصر وشباب محبط يريد أن يضحك لينسى همومه وأحزانه، بالبلدي يضحك على خيبته وباسم وصل في وقت قياسي وأصبح له جمهور بالملايين وصنع نجومية لم تحدث من قبل.. لو تخيلنا أن فريق العمل الذي يتولى إدارة باسم يوسف تولى إدارة فريق التسويق السياسي للرئيس، سوف يساعده في الوصول للشباب في الجامعات الخاصة والأندية وكليات القمة والموظفين في الشركات المتعددة الجنسيات والبنوك والدارسين في الخارج وأصحاب ريادة الأعمال وأساتذة الجامعة وأركز هنا على الجامعات المصرية، هؤلاء الأشخاص لو تفاعل معهم المشير سوف تحدث طفرة علمية واقتصادية وصناعية وأمنية.. لأن البسطاء والطبقة المهمشة هم بالفعل قلبا وقالبا مع الرئيس، ولكن مصر تحتاج للشباب.
الخلاصة بدون تعميم، نسبة كبيرة من الشعب أصبحت لا تصدق مجموعة الإعلاميين المرضى وتعلم أن لهم أهدافا خبيثة».
«آسفين يا جمال»
وإلى زميلنا في «الأهرام» محمد حسين يوم الأحد وهو يتوعد جمال مبارك ويتنبأ له بما هو آت بعد أن شاهده وهو يقوم مع زوجته وابنته بجولة في منطقة الأهرامات فقال ساخرا والشرر يتطاير من عينيه وهو ينتظره أمام خوفو: «أهلا بك في الأهرامات.. أثر مصر والإنسانية الخالد، بكل «رمزيته» الحضارية والتاريخية والسياسية، حيث أطلقت من فوق هضبته «بيان العودة»، وزففت للمصريين النبأ السعيد: «جمال مبارك يعود إليكم بعد البراءة».. يعود مزهوا، واثق الخطوة، يمشي رمزا لمشروع توريث أجهضته ميادين الغضب، عندما أطاحت بالأب والأبناء والروح «الدنسة» لنظام فاسد ومستبد. لم تكن مصادفة، أن يكون الخروج الأول، والزيارة الأولى بعد انتهاء سنوات الحماية، حتى يهدأ الغضب، وتتآكل الذاكرة، أن يذهب الأبناء إلى الميدان الكبير، لتقديم واجب العزاء في الثورة المجهضة.
أعطت أحكام البراءة للجميع، قبلة الحياة للماضي، وأذنت له بالظهور والعودة، بعد أن دبت الروح في أوصاله، رغم حكم القصور الرئاسية الأخير، أما جرائم الفساد السياسي والاقتصادي، وقتل وتعذيب المصريين، وإحالة حياتهم إلى جحيم، من الفقر والحرمان والمعاناة والجهل والمرض، فهي جرائم لم يكن الماضي مسؤولا عنها، وربما يأتي اليوم الذي نكتشف فيه أن المصريين هم من ارتكبوا هذه الجرائم في حق أنفسهم، وهو ما سوف يدفع أصحاب البراءة إلى أن يطالبوا بالتعويض ورد الاعتبار، ومحاكمة الشعب وعقابه. لم يعد شعار الماضي لن يعود مقنعا لأحد، بل أصبح متناقضا تماما مع الواقع، فالماضي يلملم أشلاءه، ويعيد ترتيب أوراقه، ويتأهب للانقضاض، محتشدا بكل قواه الاقتصادية والسياسية والإعلامية التي لم تطلها مساءلة أو حساب. الماضي لن يستسلم، وهو الآن يخوض معركته الكبرى من أجل العودة للسلطة، وليست هناك طريقة لمحاصرته ومنعه إلا بإصدار قوانين رادعة، تعزله سياسيا، وتجنب المجتمع حالة اضطراب إضافية لا يحتملها المشهد السياسي، وأيضا قبل أن تتشكل جماعة «إحنا آسفين ياجمال» باعتباره الوريث الأول لجماعة «آسفين يا ريس».
حملة لغسيل سمعة مبارك
ونظامه ورجال أعماله
ولكن يبدو أن ما قاله محمد حسين ضد جمال قد أتى أكله فقد صدر الحكم في قضية القصور الرئاسية عليه وعلى أخيه ووالده بالسجن المشدد ثلاث سنوات، فصاح يوم الأحد زميلنا وصديقنا رئيس تحرير صحيفة «التحرير» إبراهيم منصور قائلا في عموده اليومي «أقول لكم» بعد أن اختار عنوان «حرامي القصور»: «ها هو حكم قضائي يؤكد أن مبارك وولديه حرامية فقد سطوا على أموال الدولة واستخدموها لمصالحهم الخاصة، فقد كانوا فاسدين نشروا الفساد في الوطن، ولا تزال البلاد تعاني من فسادهم، أهدروا حق الأجيال القادمة في خيرات هذا البلد ووزعوا أراضي البلد بتراب الفلوس على رجال أعمالهم، ليحصدوا المليارات منها من على قفا الشعب، ومما هو حق الأجيال القادمة، وباعوا القطاع العام بثمن بخس من أجل العمولات والرشاوى.
هل كان يتخيل أحد أن رئيس الجمهورية وولديه يطلبون هدايا من مؤسسات الدولة، ولعل مؤسسة الأهرام التي كانت تمنحهم الهدايا نموذج، وأصبح ذلك أمرا معتادا في المناسبات، وامتد ذلك إلى شخصيات كبرى في نظام مبارك وقد اعترف مبارك وعائلته بذلك وردوا أموال الهدايا إلى الأهرام، ومع هذا ينظمون حملة علاقات عامة الآن لغسيل سمعة مبارك ونظامه ورجال أعماله الذين نهبوا المليارات ثم يدعون الآن أنهم بيشحتوا».
وإبراهيم يقصد بمن بيشحتوا رجل الأعمال حسين سالم في حديثه مع «المصري اليوم» الذي سنعود إليه بعد قليل.
الحكم بالسجن لا يهم
مبارك وولديه إنما الغرامة
أما في «المصري اليوم» فإن زميلنا وصديقنا محمد أمين أكد أن الحكم بالسجن لا يهم مبارك وولديه إنما الغرامة فقال في عموده اليومي «على فين»: «السجن المشدد لا ينطبق على مبارك، مبارك قاعد في مستشفى المعادي لو أصبح بريئا لن يخرج لا السجن يؤثر فيه ولا أي شيء، الرجل يتكلم في التلفزيون ويحتفل بعيد ميلاده، كل ما في العملية أن الاحتفالات سوف يتم تأجيلها، يحتفلون على كيفهم. تهمنا الغرامة.. الحكم يقضي بأن يدفعوا مئة وخمسة وعشرين مليون جنيه متضامنين انتهى الكلام.
إذن السرقة هنا قائمة قد يتم التصرف في الحبس عن طريق المقاصة وهي مسألة سهلة عند مبارك وعند أبنائه لأنهم كما هو معروف لهم رصيد فقد خرجوا براءة في قضايا سابقة ولو خرجوا هذه المرة براءة لطلبوا تعويضا، ولذلك يمكنك أن تقرأ الحكم على وجوه مبارك ونجليه وأنصاره كانت المسألة الحبس مشددا أو مخفضا لا تهم الغرامة هنا هي التي توجع».
السيد البابلي: مبارك كانت له سلبياته وإيجابياته
طبعا.. طبعا.. لأن المثل يقول عض قلبي ولا تعض رغيفي اييه.. اييه دنيا لا بتخلي الماشي ماشي ولا الراكب راكب ولربك الأمر من قبل ومن بعد. وفي اليوم التالي الاثنين عبر زميلنا في «الجمهورية» السيد البابلي في عموده اليومي «رأي» عن عدم رضاه عن الهجمات التي تعرض لها مبارك فقال: «كان حسني مبارك رئيسا لجمهورية مصر العربية، وكانت له إيجابياته وسلبياته وخرج من الحكم بثورة شعبية رضخ لها ولم يقف في مواجهتها، وكان وقوفه أمام القضاء بصدر رحب، فلا يجوز في الدول المتحضرة التعقيب على أحكام القضاء بالمدح أو الذم. وعاد مبارك للمحاكمة من جديد بعد البراءة في قضية القصور الرئاسية، وتلقى حكما جديدا بالسجن وكل هذا مقبول في إطار القانون. ولكن ما ليس مقبولا أو مهضوما أن يخرج إعلامي قضائي ليعلق على الحكم قائلا «خذت حكم نهائي يا حرامي»، ويؤسفنا القول بأن هذا هو أسلوب الإعلام الذي سيدمر ما بقي من أخلاقيات وثوابت اجتماعية، وهو الذي سيشعلها نارا لن تخمد أبدا، وهو أيضا من سيعمق مساحة الحقد والشماتة والمغالاة في رد الفعل، لقد انتقدنا من قبل نظام مبارك كله وانتقدنا استفزاز نجليه للرأي العام بالظهور في بعض المناسبات بعد البراءة، ولكن هناك لغة للحوار والحديث الإعلامي أكثر رقيا واحتراما هي التي يجب أن تسود بيننا».
كل محاولات حماية مبارك فشلت
وإلى «التحرير» يوم الاثنين وزميلنا وائل عبد الفتاح وقوله في عموده اليومي «مفترق طرق»: «الحكم بالحبس المشدد لمبارك ونجليه ثلاث سنوات في قضية القصور الرئاسية، يعني أن كل محاولات حمايتهم فشلت، وأن كل ما فعله مقصدار القوانين لحماية الجالس على المقعد الكبير وعائلته لم يفلح عند هذه القضية الصغيرة جدا، وربما يكون الحكم على مبارك في قضية فساد يمثل رمزيا رسالة بالقطيعة مع المجال النفسي لمبارك مقارنة بالدفاع المستميت عنه في قضايا قتل المتظاهرين، أو الإفساد السياسي، أو إدانته بالمعنى الذي يفصل الاستبداد عن الفساد ليحاكم مبارك الفاسد لأن المجموعة الجديدة تريد تقديم التأكيد على صورة النقاء ويترك مبارك المستبد لأنه لا بد من ترسيخ فكرة أن الاستبداد ضرورة أو قدر».
البناء الجديد ينبغي أن ينهض على قيم النزاهة والشفافية
وفي «أهرام» يوم الاثنين نفسه ركز رئيس مجلس الإدارة زميلنا الخبير الاقتصادي البارز أحمد السيد النجار على فساد نظام مبارك الاقتصادي بقوله: «الجرائم الكبرى تمثلت في إهدار ما بنته الحكومات والأجيال السابقة، من خلال برنامج الخصخصة الفاسد كليا، الذي لم يكتف بنقل ملكية الشركات العامة إلى القطاع الخاص المحلي والأجنبي، في صفقات فساد وإهدار للمال العام بصورة مروعة، بل تم إهدار صناعات إستراتيجية كليا كما حدث بالنسبة لصناعة المراجل البخارية. كما أن ذلك البرنامج الفاسد ألقى بأكثر من نصف مليون عامل إلى صفوف العاطلين، تحت مسمي المعاش المبكر، مسببا أزمة اجتماعية معقدة، كما توغل الفساد في كل شيء تقريبا، مما خلق ثقافة عامة قائمة على التسامح مع الفساد، أو المشاركة فيه، كما أن إحدى الجرائم الهائلة لعصر مبارك تتمثل في عمليات بيع أراضي التنمية الزراعية والصناعية بأسعار هزلية لبعض الأقارب والمحاسيب وقيادات الحزب الوطني المنحل. وبعد أن استعرض النجار نماذج من عمليات بيع الشركات والمصانع العامة ختم مقاله بالقول: هناك الكثير مما يحتاج لمجلدات عن الفساد في الخصخصة وغيرها من الجرائم التي لم يحاكم عليها مبارك ونظامه حتى الآن وصحيح أن البناء للمستقبل هو الأهم لكن محاسبة الفاسدين واستعادة حقوق مصر منهم هي رسالة قوية وضرورية مفادها أن أي جريمة لن تمر بدون محاسبة، وأن البناء الجديد ينبغي أن ينهض على قيم النزاهة والشفافية».
مبارك سيقدم الدليل بنفسه على فساده!
وفي عدد «الأهرام» نفسه أثار صاحبنا أحمد عبد التواب مشكلة سيواجهها مبارك عندما يضطر إلى دفع الغرامة التي حكمت بها المحكمة، وتقترب من مبلغ المئة والخمسين مليون جنيه وقال وهو شامت في ما ينتظر مبارك: «مأزق مبارك الآن أنه مضطر إلى أن يقدم بنفسه الدليل على فساده، عندما يثبت أنه قادر على التسديد. من أين لموظف عام شريف أن يتحصل على مثل هذه الثروة.. وأين هي في إقرارات الذمة المالية التي كان يقدمها دوريا، منذ توليه العمل العام.. وكم كانت تساوي جملة ممتلكاته المثبتة في إقرار ذمته، عندما تولى منصب الرئيس، وعندما كان نائبا للرئيس.. وأين إثباتات التزامه بالضرائب عن هذه الثروة؟ ولا يؤثر في قوة الدليل أن يقوم صهره أو غيره بالسداد نيابة عنه، فلا أحد في هذه الأوساط يدفع عن أحد مثل هذه المبالغ إلا بضمانة الاسترداد أو أن يكون الموقف مخالصة أو تصفية لجميل شبيه أو أكبر، وهذا دليل آخر ضد مبارك».
لو مات حسين سالم لمن ستذهب ثروته؟
هذا وكانت زميلتنا الجميلة في «الوفد» نيفين ياسين قد أثارت يوم الأحد قضية رجل الأعمال حسين سالم بسبب الحديث الذي أجراه معه في إسبانيا زميلنا وصديقنا وائل الإبراشي في برنامجه على قناة دريم «العاشرة مساء» وقالت عنه: «الرجل كهل مريض، إلا أنه يملك من الخبرة والدهاء ما جعله يتحاور ويرد عن جميع الأسئلة التي وجهت له بحرص شديد، ودهاء أشد، إلى درجة أنني كدت أقتنع أنه رأفت الهجان الثاني، وأنه قضى عمره في خدمة مصر والمخابرات المصرية، ولولا أنني من العارفين بمدى جبروت هذا الرجل وسطوته التي كانت أيام حكم مبارك التي جعلت منه أقوى رجل في مصر بل الوطن العربي، وأيضا علمي بسبب وكيفية تكوينه لثروته الطائلة لكنت ممن صدقوه واقتنعوا بقومية مواقفه. لكن هناك جانبا آخر جعلني أعيد التفكير في كلامه وعرضه، فهو هارب منذ أربع سنوات وحصل على البراءة في قضيتين من القضايا المنظورة ضده، وبحكم جنسيته الإسبانية يمتلك حصانة عدم ملاحقته ومثوله أمام القضاء المصري حتى الآن، وهناك سؤال ماذا لو أن هذا الرجل مات في إسبانيا؟ هل ستستفيد مصر من ثروته الطائلة المجمدة؟ أم أنها ستذهب لإسبانيا؟ وعل عرضه برد نصف ثروته يساوي التغاضي عن أفعاله وجرائمه التي ارتكبها في حق هذا الشعب وكانت سببا في تكوينه هذه الثروة الطائلة؟ هل يمكن التصالح مع هذا الرجل والسماح له بالعودة إلى مصر؟ أنا أدعو بوجود استفتاء شعبي حر نزيه لحسم هذه القضية».
حكايات وروايات
وإلى الحكايات والروايات وستكون عن لاعب كرة القدم ورئيس مجلس إدارة النادي الأهلي الراحل صالح سليم، بمناسبة الذكرى الثالثة عشرة لوفاته وستكون من تحقيق محمد الديك مع يحيى صلاح في مجلة «البوابة» يوم الاثنين في فقرة عن علاقته بالرؤساء الثلاثة خالد الذكر والسادات ومبارك جاء فيها: «كان الراحل صالح سليم بعيدا عن الأضواء، ولا يحب المجاملات ولا التملق للرؤساء أو المسؤولين، وكان بعيدا كل البعد عن السياسة أو العمل بها، ورفض أن يشارك النادي الأهلي أو أي لاعب فيه في أي نشاط سياسي، كانت علاقته بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر طبيعية وعادية للغاية، وقام الزعيم الخالد بمنحه وسام الرياضة من الطبقة الأولى لتاريخه الطويل في اللعبة، ولرئاسته الفريق القومي نحو ثماني سنوات متتالية، وأكدت زوجته زينب لطفي أن الراحل لم يكن يضع في حساباته أي اهتمامات للرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، ومن المواقف التي أثبتت قوة صالح سليم وتمسكه بكيان النادي الأهلي وأنه فوق الجميع ما حدث عام 1995 أثناء مباراة الأهلي ونظيره الشباب السعودي، غضب صالح قبل بداية المباراة لاكتشافه أن رجال الرئيس السابق حسني مبارك اختاروا له مقعدا في نهاية الصف الأمامي من المقصورة الرئيسية لملعب القاهرة، خلف الوزراء والضيوف فغضب بشدة وقرر المايسترو الانسحاب ومغادرة الإستاد من أجل كرامة النادي الأهلي صاحب الحفل ومستضيف الحدث، وعلى الفور جرت اتصالات وضغوط على المايسترو الغاضب، لكنه أصر على موقفه وانتهى الأمر برضوخ رجال البروتوكول للأصول وجلس المايسترو بجانب حسني مبارك الذي علم بكواليس ما حدث وطلب مصالحة رئيس النادي الأهلي والجلوس إلى جواره».
حسنين كروم