صالح الجعفراوي لا يمكنه السيطرة على نفسه. “ليتني تمزقت إرباً كي لا اضطر لرؤية هذه المشاهد التي ستبقى في ذاكرتي طوال حياتي”، كتب في صفحته على “اكس”. يكثر الجعفراوي من نشر الأفلام عما يحدث في غزة، لا سيما الدمار الذي حدث بسبب التفجيرات الإسرائيلية. بشكل عام، هو ينشر بشكل موضوعي وهادئ. أمس، لم يستطع تحمل عظم الكارثة. في الفيلم الذي نشره، ظهر مواطنون احترقوا أحياء جراء قصف خيم النازحين التي أقاموها في ساحة مستشفى “شهداء الأقصى” في دير البلح. “الناس يحرقون هنا، لا مياه أو خدمات إطفاء أو أي شيء”، صرخ أمام العدسات.
قتل في هذا القصف أربعة أشخاص، بعد قتل 12 شخصاً قبل يوم من ذلك في قصف مدرسة في مخيم النصيرات. حسب التقارير في غزة، أصيب العشرات في عمليات القصف هذه دون أن يتمكن السكان من انتشالهم من تحت الأنقاض. في إسرائيل ينشرون أن عمليات القصف هذه ليست سوى عملية أخرى ضد بنى حماس التحتية. ولكن عدد القتلى في غزة تجاوز 41 ألف شخص، معظمهم “أشخاص غير مشاركين”، من بينهم آلاف كانوا يتواجدون فيما يسمى “مناطق آمنة”، وهو مفهوم كاذب ولم يعد موجوداً في الواقع.
سكان غزة لم يسمعوا بأن الحرب في غزة أصبحت “أقل قوة” وانتقلت إلى مرحلة “الاقتحامات اللوائية” أو أي مفهوم آخر تختاره وسائل الإعلام الإسرائيلية لوصف الطبيعة المضللة لـ “المرحلة الحالية”. يتواصل قتلهم في غزة رغم أن الجبهة الأساسية، هكذا يقولون لهم، انتقلت إلى لبنان. بالنسبة لهم لم تتوقف الحرب ولو لحظة، ليس فقط في شمال القطاع الذي تطرد منه إسرائيل حوالي 300 ألف مواطني الذين بقوا فيه، بل في الجنوب أيضاً. تقلص حجم المساعدات الإنسانية كثيراً في الأشهر الأخيرة؛ ومعبر رفح مغلق منذ أيار، وآلاف المرضى الذين يحتاجون إلى علاج مستعجل لا يمكنهم الخروج إلى مصر. وفي هذه الأثناء، لا يوجد ضغط حقيقي لنشر خطة مرتبة حتى لتوزيع المساعدات التي تصل إلى هناك.
أول أمس، نشر أن رئيس “الشاباك” رونين، زار مصر والتقى رئيس المخابرات المصرية عباس كامل، لمناقشة إحياء المفاوضات حول صفقة التبادل. يمكن التقدير أنه سمع أيضاً موقف مصر من قضية فتح معبر رفح والاستعدادات في محور فيلادلفيا. زيارة بار حدثت بعد أن وصل وفد لحماس برئاسة نائب السنوار خليل الحية، الأربعاء الماضي، ووفد لشخصيات رفيعة من حركة فتح برئاسة محمود العالول. ورغم العلاقة المتوترة بين فتح وحماس، التي تمثلت بتبادل اللكمات اللفظية بين خالد مشعل ومحمود الهباش، مستشار محمود عباس (أبو مازن)، ما زالت مصر تحاول العثور على صيغة تمكن جسماً فلسطينياً متفقاً عليه من إدارة الطرف الغزي في معبر رفح، وربما توزيع المساعدات الإنسانية أيضاً.
اقترحت مصر تشكيل لجنة فلسطينية خاصة منفصلة عن السلطة الفلسطينية، بسبب معارضة إسرائيل لتدخل السلطة في إدارة القطاع، وهذه اللجنة هي التي ستتحمل المهمة. حماس تعارض ذلك، وتطالب بتشكيل حكومة فلسطينية موحدة، “حكومة تكنوقراط”، تشمل أيضاً أعضاء تعيّنهم حماس، حتى لو لم يكونوا أعضاء في الحركة؛ لإدارة القطاع.
اقتراح مصر غير جديد، وقد نوقش في عدة جولات سابقة من المشاورات مع الولايات المتحدة وإسرائيل أيضاً، لكن محمود عباس يعارض فكرة من شأنها -حسب رأيه- قد تفرغ منصبه من مضمونه وتعطي حماس مكانة سياسية شرعية. على أي حال، عادت البعثات الفلسطينية من مصر بدون نتيجة حقيقية أو حل لمسألة معبر رفح ومحور فيلادلفيا، التي هبطت في هذه الأثناء من عظمتها ولم تعد “أساس وجود” إسرائيل.
مئات ملايين الدولارات في خطر
في ظل غياب خطة سياسية لإنهاء الحرب في غزة، أو على الأقل اتفاق لوقف إطلاق النار، وانتظار متوتر قبل رد إسرائيل ضد إيران الذي قد يشعل حرباً إقليمية، تشد أطراف أعصاب القاهرة التي تخشى من النتائج الاقتصادية المتوقعة من هذه الحرب. اقتصاديون في مصر يطرحون بحدة في الفترة الأخيرة سيناريو قد تؤدي المواجهة بين إسرائيل وإيران واستمرار المواجهة مع حزب الله إلى إضرار كبير بحقول الغاز في إسرائيل، والتأثير فوراً على كمية الغاز الذي تشتريه مصر منها. عدد من الخبراء يقدرون أنه حتى لو لم تتضرر حقول الغاز بشكل مباشر، فإن إسرائيل يمكنها وقف نشاطات منشآت الغاز أو تجميد تصدير الغاز لمصر الذي يوفر لها حوالي 15 في المئة من احتياجاتها.
تنشر وسائل إعلام مصرية أن مصر بدأت في إعداد خطة بديلة لشراء الغاز من مصادر أخرى للتغلب على النقص الذي أصبح قائماً، وفي الفترة الأخيرة أدى إلى انقطاع متواتر للكهرباء. ولكن من الواضح أن أي شراء للغاز من خارج المصدر الإسرائيلي سيكون أغلى بنحو 150 مليون دولار شهرياً، وستضطر مصر لتوسيع إطار الميزانية، وحتى رفع سعر الوقود، بعد أن رفعته مرتين 15 في المئة في هذه السنة. وفقدت مصر أيضاً حتى الآن 60 في المئة (6 مليارات دولار) من مداخيلها من قناة السويس مقارنة بالسنة الماضية؛ بسبب هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر. السياحة التي بدأت تتعافى قبل الحرب، باتت تنزف وتتعرض لخسائر كبيرة، ويرافقها تسريح لآلاف العاملين. وحذر رئيس الحكومة مصطفى مدبولي، الأسبوع الماضي، من أنه بسبب التطورات على الأرض قد تتبنى مصر “اقتصاد حرب”، الذي يعني شداً مؤلماً آخر للحزام، ورفع الأسعار وتقليص عميق في خطط التطوير الحكومية، وحدوث ضجيج في الشوارع.
ليس الاقتصاد وحده ما يهدد النظام في مصر. فتعزيز القوات الإسرائيلية على الحدود مع مصر يثير قضية سياسية وعسكرية أخرى، تتعلق بما تفسره مصر بأنه خروقات لاتفاق كامب ديفيد واتفاق المعابر من العام 2005. اتفاق كامب ديفيد يحدد المناطق منزوعة السلاح على جانبي الحدود، ولا يسمح بوضع قوات مدرعة وسلاح ثقيل على طول الحدود وبعمق بضعة كيلومترات. اتفاق المعابر الذي وقع عقب الانفصال عن غزة سمح بنشر 750 جندياً من حرس الحدود المصري على طول محور فيلادلفيا في الطرف المصري، ووضع جهاز مراقبة وتصوير في نقاط ثابتة على طول المحور.
حسب ادعاءات المصريين، فإن سلوك إسرائيل في الحرب في غزة يخرق هذين الاتفاقين. الخوف هو من أن يؤدي احتلال القطاع لفترة طويلة وإعادة إقامة المستوطنات في شمال القطاع، إلى خلق واقع عسكري جديد يجبر مصر على الاستعداد لحدوثه. في المرحلة الأولى، تفحص مصر إمكانية إجراء تعديلات على الاتفاقات لتسمح -حسب القانون- بتواجد قوات مصرية كثيفة على طول الحدود. في السابق، سمحت إسرائيل لمصر بتعزيز قواتها في شبه جزيرة سيناء، وحتى استخدام سلاح الجو المصري في إطار الحرب ضد إرهاب التنظيمات الإسلامية. ولكن إزاء الحساسية والتوتر بين الدولتين، فإن زيادة حجم القوات المصرية على طول الحدود قد يفسر بأنه خطوة قبل المواجهة المباشرة، وخلق أجواء حرب تزيد من دهورة شبكة العلاقات الهشة أصلاً بين الدولتين.
تسفي برئيل
هآرتس 15/10/2024