بعد اغتيال السنوار… المحارق والمجازر والاستيطان عنوان الخطة الإسرائيلية

أشرف الهور
حجم الخط
0

غزة ـ «القدس العربي»: تدلل الهجمات التي لا تزال قوات الاحتلال تنفذها بقوة ضد قطاع غزة، وما يدور من تطورات ميدانية على الأرض، بعد إعلان دولة الاحتلال اغتيال رئيس المكتب السياسي لحماس يحيى السنوار، وفي ظل تشديد الحصار على شمال قطاع غزة وتنفيذ خطة ترحيل سكانه، وكذلك العمليات العسكرية في محيط «محوري نتساريم وفيلادلفيا» أن دولة الاحتلال تمضي في تنفيذ مخططها الرامي لتكريس الاحتلال، مع رفضها كل المقترحات الهادفة للتوصل إلى هدنة.

تصعيد سياسة القتل

وواصلت قيادات دولة الاحتلال التهديد بتصعيد الحرب على غزة، بشكل أكبر مما هو عليه الآن، رغم المجازر الواقعة في الشمال والجنوب، بعد اغتيال زعيم حماس يحيى السنوار، ما يشير إلى نواياها بإطالة أمد الحرب، والمضي في خطط التهجير وفرض الواقع الجديد تمهيدا لعودة الاستيطان.
وقد دلل على ذلك رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الذي قال إن الحرب في قطاع غزة لم تنته بعد، وإن إسرائيل ستواصل الحرب، وأضاف مهددا «مهمتنا لم تكتمل بعد، إلى عائلات الرهائن الأعزاء أقول، هذه لحظة مهمة في الحرب، سنواصل بكل قوتنا حتى يعود جميع أحبائكم، أحبائنا، إلى ديارهم».
وعلى خلاف كل المرات السابقة، لم يطرأ خلال الأسبوعين الأخيرين الحديث إسرائيليا لا من قريب ولا من بعيد عن أي جهود تبذل من أجل التوصل إلى تهدئة، أو حتى تحريك مياهها الراكدة كما جرت العادة.
ولم يجر أي حديث من وسطاء التهدئة الأمريكيين والمصريين والقطريين، عن أي لقاءات قريبة تعقد، وذلك بعد أن صعدت دولة الاحتلال من خططها الحربية ضد غزة، وبدأت بعمليات عنيفة تعيد للذاكرة ما كانت عليه الأوضاع الميدانية قبل عام، حين بدأت دولة الاحتلال بشن الحرب على القطاع.
ووسط حالة الركود الشاملة التي أصابت الملف، بسبب التعقيدات الإسرائيلية، ووضع حكومة اليمين المتطرفة شروطا جديدا على المقترحات التي قدمها الوسطاء، وأبرزها الإبقاء على احتلال أجزاء كبيرة من القطاع، وعملها على استمرار الفصل بين الشمال والجنوب، ووضع شروط تعجيزية على عودة النازحين، بدأت قوات الاحتلال بتنفيذ خطط عسكرية حربية خطيرة من الناحية السياسية والميدانية.
فكانت المجازر والمحارق هي عنوان التصعيد العسكري الإسرائيلي ضد قطاع غزة، خلال الأسبوع الماضي.
بداية المجازر كانت تلك التي تواصلت منذ بدء الهجوم البري الواسع على مخيم جباليا ومناطق شمال قطاع غزة، فهناك لا تزال جثامين عشرات الضحايا إما تحت ركام المنازل المقصوفة بصواريخ حربية ثقيلة، أو في طرقات النزوح القسري، علاوة عن عشرات الجثث التي جرى انتشالها بصعوبة، وقد واجهت طواقم الإنقاذ صعوبات بالغة وصلت لحد استهدافها بالصواريخ خلال عمليات الإخلاء، وقد وثقت كاميرا هاتف نقال أحد تلك الاستهدافات شمالي القطاع.

سلاح المجازر

ولم يكن الأمر هناك ليقف عند هذا الحد، فقد لاحقت نيران الاحتلال المواطنين حتى خلال رحلات النزوح القسري، وقتلت الكثير منهم، كما لاحقتهم داخل مراكز الإيواء، وفي أحد المجازر قتل 10 مواطنين في مجزرة استهدفت مركزا تابعا للأمم المتحدة، حيث سقط عشرات المصابين في الهجوم، وتلته يوم الخميس وبعد اغتيال السنوار، بمجزرة أخطر وأكبر، راح ضحيتها 28 مواطنا من شمال القطاع، كانوا يحتمون داخل مدرسة إيواء، وقد واجهت وقتها طواقم الإسعاف مصاعب كبيرة في انتشال الجثامين وإسعاف المصابين، وقد توالت هناك الغارات لتطال منازل مأهولة، وكان من ضمن الهجمات تلك التي نفذتها «روبوتات مفخخة» سيرها جنود الاحتلال حتى وصلت أحياء سكنية، وهناك أعطيت أوامر التفجير، مخلفا دمارا كبيرا وعشرات الضحايا.
ووسط ذلك كله، استمرت مأساة المحاصرين هناك للأسبوع الثالث على التوالي، حيث لا يزال الاحتلال يحول دون وصول المواد الغذائية والوقود والمواد الطبية للسكان والمشافي، ما يهدد 400 ألف مواطن يقطنون شمالي القطاع، بالموت جوعا إذا ما نجو من القصف الحربي الإسرائيلي.
ولم تكن هذه المجازر وحدها التي عاشها سكان قطاع غزة، ففي مدينة غزة حيث تستمر العملية البرية في مناطق الجنوب والشرق، الغارات الدامية على مناطق الشمال، سقط عشرات الضحايا في غارات جوية عنيفة، دمرت أحدها مربعا سكنيا مخلفة عشرات الضحايا، بعضهم لا يزال تحت الأنقاض، علاوة عن غارات دامية أخرى طالت عدة منازل فقتلت من فيها من مواطنين وأغلبهم من الأطفال والنساء.
أما في وسط قطاع غزة، فكانت هناك الهجمات الأكثر دموية، ففي ساعات معدودة ليل الاثنين، ارتكبت قوات الاحتلال مجزرة ومحرقة استهدفت في الأولى مركز إيواء في أحد مدارس مخيم النصيرات، وقتلت فيها 22 مواطنا، بينهم أطفال رضع ونساء، عندما أطلقت خمس قذائف مدفعية متتالية على المدرسة، لتصيب النازحين وهم نيام، وتقتل هذا العدد الكبير وتصيب أكثر منه بأضعاف، وتمزق جثامين الأطفال، الذين تناثرت لحومهم وأشلائهم في المكان.
ولم تمض سوى ساعات قليلة، حتى قامت تلك القوات بمجزرة أخرى، جرى توثيقها بعدسات الصحافيين وكاميرات الهواتف المحمولة، حين استهدفت خيام النازحين في باحة مشفى شهداء الأقصى بمدينة دير البلح، فخلفت المجزرة عشرات الضحايا، فيما رصدت الكاميرات لقطات تظهر كيف التهمت النيران أجساد المحاصرين داخلها من بين من كانوا نياما في الخيام لحظة الاستهداف، في مشهد حزين.
وكان هذا الواقع حاضرا في مناطق جنوب قطاع غزة، حيث أبادت قوات الاحتلال عوائل في مدينة خانيونس، باستهدافها منازل مدنية وخيام نازحين، وفي مدينة رفح التي يتواصل فيها الهجوم البري منذ أكثر من خمسة أشهر.
وجاء هذا التصعيد، بعد أن أوقعت قوات الاحتلال عمدا، كل المساعي الرامية لإحلال تهدئة تنهي الحرب على غزة التي دخلت عامها الثاني.
وبما يؤكد ذلك، كانت تصريحات وزير الجيش يوآف غالانت، الذي قلل من إمكانية التوصل إلى صفقة تبادل أسرى مع حركة حماس، معتبرا أنه «لا توجد صفقة في الأفق حاليًا».

خطط الاحتلال الاستيطانية

وجرى الكشف عن ذلك بعد اجتماع عقده مع عائلات الأسرى الإسرائيليين المحتجزين في قطاع غزة، وخلال اجتماعه قال غالانت: «هناك جمود (في المفاوضات) لا أرى أنه قابل للزحزحة في الوقت الحالي، للأسف الشديد» وبدون أن يشير إلى موقف رئيس حكومته المتشدد من الصفقة وشروطه التعجيزية، حاول إلقاء التهم على المقاومة وقال «هناك نوع من التشدد في موقف حركة حماس».
وحسب ما كشف فقد أبلغ غالانت عوائل الأسرى، أن الجانب الأمريكي لا يشارك بشكل كبير في المحادثات في الوقت الراهن، قائلاً: «ليس لدى أي طرف خيط للتفاوض» وتابع: «أتحدث إليكم بصراحة حول الأمور كما أراها».
ولذلك ذكرت تقارير عبرية أن العائلات غادرت الاجتماع وهي تشعر بالإحباط، في ظل تراجع الجهود الدبلوماسية في محاولة للتوصل إلى صفقة.
أما حزب «الليكود» الذي يقوده رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، فقد أعلن عن تنظيم مؤتمر تحت عنوان «نستعد للاستيطان في غزة سوية مع المجموعات الاستيطانية».
ومن المقرر أن يقام المؤتمر يوم الاثنين في مستوطنة سديروت شمال قطاع غزة، داخل «خيمة عيد العرش» اليهودي تحت رعاية وزيرة المساواة الاجتماعية مايا غولان ومشاركة نواب في الكنيست ورؤساء فروع الحزب الحاكم.
وفي إطار دعم الاستيطان في غزة، من المقرر أن ينظم قبل المؤتمر زيارة ميدانية في مستوطنات غلاف غزة، حيث دعا أعضائه وأعضائه في «الكنيست» ووزرائه إلى جولة في كيبوتس «نيريم» في غلاف غزة لدعم الاستيطان هناك، وجاء في الدعوة عبارات تؤكد على نوايا الحزب للإبقاء على احتلال غزة، ومنها «نعلن سوية غزة لنا إلى الأبد».
وكانت تقارير عبرية كشفت أن نتنياهو وحكومته، يسعيان حاليا لتنفيذ المرحلة المقبلة من الحرب على غزة والتي تشمل «التحضير للاستيطان وضم شمال القطاع» وذلك من خلال إخراج سكانها وترحيلهم قسرا، حسب اقترح الجنرال المتقاعد غيورا آيلاند، وذلك من خلال اللجوء إلى تنفيذ خطة التجويع والقتل والمجازر.
وفي دلالة أخرى على تعطيل دولة الاحتلال جهود الوساطة، قال رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني «تابعنا بإصرار من أجل اتفاق ولا نصاب بالإرهاق وهدفنا وقف العدوان وحقن الدماء» وأضاف «لكن كانت هناك عرقلة في المفاوضات من الجانب الإسرائيلي بالدرجة الأولى».
وأكد في تصريحات أخرى جاءت في ختام قمة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، أنه لم تجر محادثات أو تواصل مع أي من الأطراف في الأسابيع الثلاثة إلى الأربعة الماضية للوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وأنه لم يكن هناك تواصل أو محادثات على الإطلاق، وقال «نحن نتحرك في نفس الدائرة وسط صمت من جميع الأطراف».

خنق السكان

وفي دليل على ذلك، أكدت منظمات دولية ومؤسسات صحافية فلسطينية، تفاقم الأوضاع الإنسانية والمعيشية في شمالي قطاع غزة، مع استمرار العملية العسكرية البرية التي يشنها جيش الاحتلال، منذ السادس من الشهر الجاري، والتي تخللها فرضه حصارا محكما على السكان المقدر عددهم بنحو 400 ألف مواطن، وحرمانهم من تلقي المساعدات الغذائية والصحية.
ويقول قال مهند هادي منسق الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة، إن السلطات الإسرائيلية تعمل بصورة متزايدة منذ 1 تشرين الأول/أكتوبر 2024 «على حرمان شمال غزة وقطع سُبل وصوله إلى الإمدادات الأساسية».
أما المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» فيليب لازاريني، فقال وهو يتحدث عن المأساة شمال القطاع «إن المدنيين في شمال غزة لم يُمنحوا أي خيار سوى مغادرة المنطقة أو الموت جوعا».
وحاليا يعاني أهالي شمال قطاع غزة من حياة قاسية جدا، بسبب الجوع والعطش، والافتقار إلى الخدمات الطبية، والقصف المستمر والمجازر الدامية.
وقد اضطر حسب آخر أرقام قدمتها منظمات أممية أكثر من 50 ألف مواطن من شمال غزة للنزوح القسري إلى مناطق أخرى في مدينة غزة، ومن بينهم من لاحقتهم صواريخ القتل في طرقات النزوح وفي مراكز الإيواء.
وفي ظل حرمان السكان من الوصول إلى الطعام، بسبب الحصار، قال المدير العام لوزارة الصحة الفلسطينية في غزة الطبيب منير البرش، إنه منذ بدء الهجوم البري لجيش الاحتلال على شمال القطاع،️ تعاني المستشفيات من نقص حاد في الأدوية الأساسية، خاصة أدوية التخدير، وأن قسم العناية المركزة توقفت تمامًا بسبب نفاد الوقود، فيما ️لم تصل أي مساعدات إلى شمالي القطاع منذ بدء العدوان.
أما الدكتور محمد صالحة، مدير مستشفى العودة، أحد المشافي الثلاثة التي تعمل بأقل الامكانيات شمال القطاع، فقال إن حصار مخيم جباليا وشمال غزة مستمر «في ظل استهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي لكل ما هو متحرك في شمال غزة» لافتا إلى أن الطواقم الطبية تتعامل مع الإصابات المعقدة في ظل النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود.
وأشار كذلك إلى عدم توفر الطعام للمرضى والطواقم الطبية في المستشفى، محذرا من «كارثة حقيقية».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية