باريس ـ «القدس العربي»: في شهر نيسان/ابريل الماضي، اتفقت الدول الــ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بعد نقاشات ماراثونية وحادة، على ميثاق بشأن الهجرة واللجوء، الذي يُفترض أن يدخل حيز التنفيذ في منتصف عام 2026 مع تشديد التدقيق على الحدود وإنشاء آلية تضامن بين الدول الأعضاء في التكتل في معالجة طلبات اللجوء. لكن بما أن النصوص العشرة للميثاق بعيدة عن التطبيق، نظراً لكونها معقدة للغاية وتحتوي على شكوك وأفخاخ قانونية، فإن عدداً متزايداً من الدول لجأت إلى تدابير أحادية الجانب بغية السيطرة على الوافدين وتشجيع عمليات الترحيل إلى الحدود، بحيث باتت حكومات هذه الدول لا تتردد في اتخاذ المزيد من التدابير الأمنية والقمعية؛ لتجد بذلك مطالب اليمين المتطرف صدى غير مسبوق فيما تعرفُ بالقارة العجوز.
خلال القمة الأوروبية على مستوى القادة، الخميس المنصرم في بروكسل، دعت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، «في شكل عاجل» إلى قانون يسرّع عمليات ترحيل المهاجرين غير النظاميين. وكانت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لايين، قد استبقت هذه الدعوة متخذة موقفا لصالح فتح مراكز مخصصة لترحيل المهاجرين المنفيين إلى دول ثالثة تعتبر «آمنة» خارج الاتحاد الأوروبي، أي الاستعانة بمصادر خارجية، أو ما يسمى بالتعاقد من الباطن، لإدارة تدفقات الهجرة والإجراءات ذات الصلة. وذهبت رئيسةُ المفوضية الأوروبية إلى حد الإشادة بمزايا مثل هذه الاتفاقيات من خلال الإشارة إلى انخفاض أرقام الهجرة إلى أوروبا، مع انخفاض أعداد الوافدين غير النظاميين بنحو الثلثين على طريق وسط البحر الأبيض المتوسط خلال العام الجاري. وقد يُعزى ذلك إلى حد كبير إلى تكثيف إدارة الهجرة ومكافحة عمليات تهريب المهاجرين التي تقوم بها السلطات الليبية والتونسية، من دون أن تؤكد على التكلفة المالية والبشرية لهذه العمليات، ولا على المساومة التي قد ينذر بها ذلك مع الدول الشريكة.
في الفترة الأخيرة، ركزت المفوضية الأوروبية على بناء «شراكات استراتيجية ذات منفعة متبادلة» لإدارة الهجرة مع دول المغادرة والعبور، حيث وقع الأوروبيون اتفاقيات مع جيرانهم الجنوبيين، بالتوازي مع السياسة القمعية المتزايدة ضد المهاجرين الذين يصلون إلى السواحل الأوروبية. يتعلق الأمرُ بتونس، التي أبرم معها الاتحاد الأوروبي في صيف العام الماضي اتفاق شراكة، في ضوء زيارة رئيسة المفوضية مع رئيسي الوزراء الإيطالية والهولندي إلى تونس العاصمة. وسمح ذلك بتراجع عدد الوافدين إلى إيطاليا من تونس بنسبة 82 في المئة وفقًا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بسبب زيادة المراقبة من قبل السلطات التونسية. فحتى لو أنكر ذلك، فإن الرئيس التونسي قد تحول، حسب مراقبين ومحللين، إلى حارس حدود وحشي لأوروبا، إذ شهدت بلاده تزايداً غير مسبوق للقمع ضد المهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى والجمعيات التي تدعمهم، وتم طرد عدة مئات من الرجال والنساء والأطفال من غرب أو شرق أفريقيا إلى حدود البلاد. ورغم رفضها استقبال المهاجرين، تواصل السلطات التونسية منعهم من الوصول إلى أوروبا بدعم مالي ولوجستي من الاتحاد الأوروبي. فمثلا، في الفترة ما بين كانون الثاني/يناير ونيسان/ابريل من العام الجاري، اعترض الحرس الوطني التونسي حوالي 21 ألف مهاجر في البحر، مقارنة بحوالي 14 ألفاً خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وفقا للأرقام التي نقلها المتحدث باسم الحرس الوطني، حسام الجبالي، لوكالة «نوفا برس».
تونس وموريتانيا… حراس حدود؟
استناداً إلى نموذج الاتفاق المثير للجدل بين الاتحاد الأوروبي وتونس، سافرت رئيسة المفوضية الأوروبية إلى نواكشوط في بداية شباط/فبراير الماضي مع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، وحصلا على اتفاقية بموجبها تبقي موريتانيا المهاجرين القادمين من البلدان الأفريقية عندها. فموريتانيا التي تعد واحدة من أكثر دول الساحل استقرارًا في هذه المنطقة، كانت قد وقعت اتفاقية ثنائية مع إسبانيا قبل حوالي عشر سنواتٍ، من أجل إعادة المهاجرين غير النظاميين إلى وطنهم. ويستضيف هذا البلد حاليا حوالي 150 ألف لاجئ فروا من انعدام الأمن السائد في مالي، وأصبحت موريتانيا بلد عبور للوصول إلى أوروبا، وتشهد أيضًا زيادة في مغادرة المهاجرين من سواحلها إلى إسبانيا. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو العواقب بالنسبة للمهاجرين غير الموريتانيين: هل سيتم إعادتهم إلى بلدانهم أم أنه سيتم الإبقاء عليهم في موريتانيا في حال تم اعتراض القارب الذي يقلهم؟
وحسب تحقيق أجرته وسائل إعلام دولية، بما فيها صحيفة «لوموند» الفرنسية، فإنه يتم اعتقال المئات من المهاجرين في طريقهم إلى أوروبا وإرسالهم إلى مناطق صحراوية في المغرب وتونس وموريتانيا. فالمساعدات المقدمة للحكومات المغاربية تساهم في الانتهاكات المتكررة لحقوق الإنسان. فمنذ عام 2015 تلقت الدول الثلاث أكثر من 400 مليون يورو لإدارة حدودها، فقط من خلال صندوق الطوارئ الاستئماني «EFF « الذي أطلقه الاتحاد الأوروبي في قمة الهجرة في فاليتا، عاصمة مالطا. وهو مبلغ تضاف إليه المساعدات الممنوحة مباشرة من قبل بعض الدول الأعضاء أو في إطار برامج أخرى.
وكان الاتفاق الذي أبرمه الاتحاد الأوروبي قبل نحو ثمانية أعوام مع تركيا قد فتح الطريق لمثل هذه الاتفاقات أو الشركات التي يبرمها التكتل اليوم مع دول مغادرة رئيسية أخرى، وذلك بعد أن أدرك الأوروبيون استحالة إغلاق الحدود بشكل كامل أمام المهاجرين واللاجئين، لا سيما أن بعض القادة لا يريدون إنفاق الأموال لمساعدة الدول الأوروبية على خط المواجهة في الجنوب أو إنشاء شرطة حدود أوروبية فعليًا وكذلك السماح باستقبال المهاجرين على كامل الأراضي الأوروبية. فهذه الصفقة، التي تفاوضت عليها المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بشكل مباشر مع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، قد منعت المهاجرين من المغادرة مقابل المال ومكنّت من استعادة أولئك غير المؤهلين للحصول على صفة اللجوء. وإذا كانت هذه الاتفاقية قد حدت إلى حد كبير من عدد اللاجئين الذين يصلون بشكل غير قانوني إلى أوروبا من جنوب شرقها، فقد تطورت طرق هجرة أخرى، ولا سيما إلى إيطاليا وإسبانيا. وسجلت وكالة «فرونتكس» الأوروبية 380 ألف عبور حدودي غير نظامي في عام 2023 وهو أعلى رقم منذ عام 2016.
إيطاليا تنقل مهاجرين إلى ألبانيا
واليوم، ها هي إيطاليا تتحرك بشكل منفرد، حيث قامت يوم الأربعاء بإرسال أول دفعة مكونة من 16 مهاجراً، بينهم مصريون، على متن سفينة عسكرية من لامبيدوسا إلى مراكز في ألبانيا، وذلك بموجب الاتفاق المثير للجدل الموقع بين البلدين العام الماضي، والذي يَسمح للحكومة الإيطالية بإرسال عشرات الأشخاص الذين تم إنقاذهم في البحر الأبيض المتوسط إلى دولة البلقان، على أن يتم احتجازهم هناك في «مراكز عودة» بعيدة مخصصة لهذا الغرض، تمهيداً للنظر في طلبات لجوئهم وفقًا للإجراءات المعمول بها في إيطاليا، من خلال نظام مؤتمرات عبر الفيديو يربط المراكز الألبانية بالمحكمة في روما، حيث سيتمكن القضاة من الإشراف على جلسات الاستماع. وستعمل اتصالات طالبي اللجوء مع محاميهم بنفس الطريقة، مع اتخاذ القرارات بعد ذلك في غضون ثمانية وعشرين يومًا. ويتعلق الأمر فقط بالمهاجرين الذين أنقذتهم السّفن الإيطالية في المياه الدولية ويعتبرون غير معرضين للخطر. ولا يشمل الأمر النساء والقاصرين والأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عقلية وضحايا التعذيب والعنف الجنسي والإتجار بالبشر.
الخطوة الإيطالية كانت موضع انتقاد من القادة الأوروبيين، خلال قمتهم يوم الخميس المنصرم ببروكسل، وأظهرت خلافاً بينهم بشأن استراتيجية رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني. فقد رأى رئيسُ الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن «مراكز العودة» هذه في بلد ثالث، «لا تعالج أيا من المشكلات، بل تخلق مشاكل جديدة». كما اعتبر المستشار الألماني أولاف شولتس أن هذه المراكز ليست سوى «قطرة في بحر، ولا تعد حلاً بالنسبة للدول الكبرى مثل بلاده». بدوره، اعتبر رئيس الوزراء البلجيكي ألكسندر دي كرو أن هذه المراكز «لم تثبت أبدا في الماضي أنها فعالة جدا، ولطالما كانت مكلفة جدا». كما أن منظمات حقوقية وأخرى تعنى بحقوق المهاجرين، بما في ذلك منظمة العفو الدولية، اعتبرت أن هذا الإجراء الإيطالي يتعارض مع واجب إنزال الأشخاص الذين تم إنقاذهم في أول ميناء آمن، وأن معالجة الطلبات عن بعد يمكن أن تنطوي على مخاطر انتهاك الضمانات الإجرائية. في فرنسا، بدا الرئيسُ الفرنسي «متشككاً» بشأن الإجراء الذي اتخذته إيطاليا «لإخراج» طلبات لجوء المهاجرين. واعتبر إيمانويل ماكرون أن «القواعد واضحة بالنسبة لي، وهي موجودة في النصوص». يأتي ذلك في حين «تدرس» حكومته برئاسة ميشيل بارنييه، مثل الاتحاد الأوروبي، إمكانية مستوحاة من الاتفاق بين إيطاليا وألبانيا لنقل معالجة طلبات اللجوء إلى بلدان ثالثة. فقد أوردت وسائل إعلام فرنسية هذا الأسبوع عن أن وزير الداخلية الفرنسي الجديد، اليميني المحافظ برونو روتايو، يتفاوض على اتفاقيات مع دول مثل مصر والعراق وكازاخستان ورواندا وبوروندي، بهدف ترحيل المهاجرين الذين يستحيل ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية إلى هذه البلدان، على غرار، الأفغان الذين لا تستطيع فرنسا حاليًا إرسالهم مباشرة إلى كابول، وكذلك الحال بالنسبة للسوريين أو الأثيوبيين مثلاً. وهو ما لم تنفيه أو تؤكده المتحدثة باسم الحكومة الفرنسية، مود بريجون، مكتفية بالقول إن كل الحلول واردة. وكانت هذه الأخيرة قد أعلنت، بداية الأسبوع، أن الحكومة تتجه إلى اقتراح مشروع قانون جديد بشأن الهجرة في بداية العام المقبل 2025 – بعد عام واحد فقط على تبني البرلمان لقانون هجرة مثير للجدل أدى إلى انقسام الأغلبية داخل الجمعية الوطنية الفرنسية. والنص الجديد قد يتضمن مُقترحاً من وزير الداخلية الجديد برونو روتايو «لتسهيل تمديد احتجاز الأجانب، الذين هم في وضع غير قانوني والمصنفين بأنهم خطرون، في مراكز الاحتجاز الإداري» من خلال تمديد الموعد النهائي للاحتجاز من 90 يومًا. كما أن الوزير الجديد يبدو على استعداد للدخول في مواجهة مع بلدان المنشأ بشأن التأشيرات، ومساعدات التنمية، والاتفاقيات الجمركية.
بولندا نحو تعليق حق اللجوء
في ضوء تصاعد اليمين المتطرف في ألمانيا بعد هجمات بالسكاكين نفذت في الأشهر الأخيرة، من قبل مهاجرين، أعلنت ألمانيا أيضا، على لسان وزيرة الداخلية نانسي فايسر، في التاسع من أيلول/سبتمبر المُنصرم، عن العودة المؤقتة لضوابط الحدود الداخلية لمكافحة الهجرة غير النظامية، في قرار جاء بعد أسبوعين من الهجوم الإرهابي الذي خلف ثلاثة قتلى وثمانية جرحى في زولينغن يوم 23 آب/أغسطس الماضي، عقب أيام قليلة من تقدم اليمين المتطرف خلال الانتخابات الإقليمية الأخيرة، حيث تصدر حزب البديل اليميني المتطرف النتائج في ولاية تورينجيا. ويعد القرار الذي اتخذته ألمانيا بإعادة فرض الضوابط على حدودها ـ لها تسعة جيرانها – والذي بدأ سريانه منذ منتصف أيلول/سبتمبر المنصرم، كان مجرد مثال من بين أمثلة أخرى على تشديد سياسات الهجرة في كل أوروبا. فبالإضافة إلى ألمانيا، تتبع المملكة المتحدة السياسة ذاتها، حيث تنظر حكومة حزب العمال بشكل إيجابي إلى مشروع يعتبر أفضل إطارا من الناحية القانونية وأقل تكلفة من الاتفاق مع رواندا والذي كلف المملكة المتحدة بالفعل 280 مليون يورو قبل أن يتم التخلي عنه بدون أن يبدأ على الإطلاق.
صدّق النواب الألمان، يوم الجمعة المنصرم، على مشروع قانون يزيد من تشديد سياسة الهجرة في البلاد، ينص مشروع الحكومة على إلغاء المساعدات لطالبي اللجوء الذين دخلوا إلى ألمانيا عن طريق دولة أخرى في الاتحاد الأوروبي، وتسهيل طرد اللاجئين الذين استخدموا أسلحة، أو حتى منح صلاحيات إضافية لقوات الأمن. كما أنه بموجب هذا القانون لن يحظى اللاجئون الذين يعودون مؤقتا إلى بلدانهم بالحماية «بشكل عام» في ألمانيا، وكذلك أولئك الذين يرتكبون جرائم معادية للسامية أو معادية للمثليين، وفقا للنص المعتمد. كما أن إلغاء المساعدة المقدمة لطالبي اللجوء الذين دخلوا دولة أخرى في الاتحاد الأوروبي قبل مجيئهم إلى ألمانيا لن يكون ممكنا إلا إذا كانت عودة طالبي اللجوء إلى هذه الدولة الثالثة «ممكنة قانونا وفعليا». ويستبعد أيضا بالنسبة للأطفال.
لكن مما لا شك فيه أن رئيس الوزراء البولندي دونالد تاسك، هو الذي قام بإثارة الجدل الأكثر سخونة، بإعلانه عن احتمال تعليق بلاده لحق اللجوء مؤقتًا، ردًا على ما وصفه بالهجمات من روسيا وحليفتها بيلاروسيا، متهماً إياهما بتنظيم «تدفقات» المنفيين لزعزعة استقرار بولندا. وسارعت حوالي ستين منظمة غير حكومية لتذكر دونالد تاسك، الذي كان يُنظر إليه على أنه تقدمي على طاولة المجلس في بروكسل، بواجبه «الإنساني».
تأتي هذه التدابير المشددة بشأن الهجرة واللجوء أو التوجه إلى فرضها، في مختلف أنحاء القارة، في الوقت الذي تتولى فيه المجر بقيادة فيكتور أوربان، الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي حتى شهر كانون الأول/ديسمبر المقبل، وهو ما يسعد اليمين المتطرف الذي حقق نتائج جيدة في الانتخابات الأوروبية الأخيرة. كما انها تأتي وسط قلق متزايد من عواقب الصراع في الشرق الأوسط، الذي يمتد الآن إلى لبنان، حيث أشارت رئيسة المفوضية الأوروبية إلى «خطر واضح لحدوث عمليات نزوح دولية جديدة، ناهيك عن تفاقم انعدام الأمن في بلدان أفريقية كالسودان» ومعه الفقر الحاد، الذي حذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في تقرير له يوم الخميس المنصرم، من أن أكثر من مليار شخص في العالم يعانون منه، وتقيم غالبيتهم في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا أي شبه القارة الهندية أكثر مناطق العالم تعدادا للسكان.