تسونامي معلومات أنتجها انخراط الشعب الفلسطيني في حرب الصورة والصوت
بيروت ـ «القدس العربي»: بعد أيام قليلة من بزوغ فجر عملية طوفان الأقصى، تبينت حاجة الشعب الفلسطيني المقاوم لأن يكون حاضراً في الإعلام المعاصر، بعد سيطرة الرواية الصهيونية الكاذبة. ففي حين تجنّد معظم الشباب في تسجيل وبثّ رسائلهم الميدانية من غزّة تحديداً، ومن كامل فلسطين المحتلّة، كان تلفزيون تحرير فلسطين، وموقعه freepalestine.video ينطلقان بجهود تطوعية من بيروت. أطلق هذا المشروع الإعلامي ويشرف عليه ليث معروف، المستشار الدولي في قانون البث، والمتخصص في حقوق المجموعات القابلة للدفاع عنها في قطاع الإعلام في كندا.
تلفزيون تحرير فلسطين بات له حضوره على صعيد الدول الأنكلوساكسونية كونه ناطق بالإنكليزية، ولا يشبه محطات التلفزة الكلاسيكية. بعد عام على انطلاقته كان السؤال عن الأهداف التي حققها هذا المشروع، خاصة بوجود قنوات تلفزيونية عربية تتمتع بموازنات خيالية.
هنا حوار مع ليث معروف:
○ الحاجة لمخاطبة الآخر إعلامياً وليس ذاتنا تنامت بقوة بعد طوفان الأقصى. كمراقب ومختص كم اختلف حالنا بين الأمس واليوم؟
• أرى أن الفلسطينيين قد انتصروا إعلامياً، ومن يراقب منصّات التواصل الاجتماعي يتأكد من ذلك. وعندما نراقب كيف غيّر الصهيوني مع من يحميه البروباغندا الخاصة به من السعي لتغيير الرأي العام، إلى التركيز على القاعدة البذيئة العنصرية في محادثاته، نتأكد من ذلك. نرى ارتفاع منسوب الكراهية وعدم القدرة على التأثير على الأكثرية الامبريالية. وهذا يؤكد بأن الفلسطينيين قد انتصروا في معركة الوعي إعلامياً.
○ لنتحدّث بالتفاصيل أقله بالنسبة لتأثير «تلفزيون تحرير فلسطين» بين البدايات والآن؟
• بدأ تلفزيون تحرير فلسطين بثّه في اكتوبر 2023 وكان عملاً متواضعاً يعتمد على المتطوعين. وأصبح الآن أكبر بكثير في لبنان والضفة الغربية وفي كافة أنحاء المنطقة.
○ كيف توسّعت مشاهدة التلفزيون والدخول إلى الموقع؟ وهل يمكن تحديد المشاهدات وفي أية بلدان على صعيد العالم؟
• توسّعت مشاهدات تلفزيون تحرير فلسطين بشكل دراماتيكي خاصة خلال الأشهر الست الماضية. وبات لدينا أكثر من مليوني «إمبراشن» في الشهر ومن خلال المواقع مجتمعة. يركز إنتاجنا على الأماكن التي لا يتواجد فيها معظم الإعلام بسبب تركيزه على غزّة. نركز على الضفة وكذلك على الواقع في لبنان. وهذا يترك المتفرج يُدرك أن ما ينتجه تلفزيون تحرير فلسطين نادر الوجود. معظم المتفرجين هم في الدول الأنكلوسكسونية أي الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وانكلترا والاتحاد البريطاني وكذلك استراليا وأفريقيا الجنوبية، ويمثلون ثلثي المتفرجين من جميع أنحاء العالم.
○ هل من لغة خاصة يجب اعتمادها للتوجه إلى المتلقي الغربي؟
• يجب اعتماد اللغات الأكبر في العالم. نحن نتوجه للمتلقي باللغة الإنكليزية لأننا في حرب وعي، خاصة وأنّ الدول الأنكلوسكسونية تشكل المركز الرئيسي للصهيونية العالمية حتى في المنظومة الامبريالية، وإن سقطت الصهيونية في هذه الدول فلن تجد دعماً في دول كما فرنسا وألمانيا اللتان لا تتحدّثان الإنكليزية رغم كونهما عبيداً للولايات المتحدة. لهذا توجهنا بإعلامنا إلى الدول الأنكلوسكسونية. إنما في مخاطبة العالم يجب اعتماد اللغات الست الكبرى في المعمورة وهي الإنكليزية والفرنسية والإسبانية والروسية والمندرينك والعربية.
○ وهل تعتبر ما تحقق قفزات يُعتدّ بها أم متواضعة؟
• خطوات نفخر بها، خاصة وأنّ عدد العاملين في تلفويون تحرير فلسطين محدود. ونعتمد مالياً على التبرعات عبر المنصة ومن كافة أنحاء العالم، إنها موازنة صغيرة جداً. برامجنا مميزة، ولا تقتصر على تغطية الواقع في الضفة الغربية وفي لبنان. فبرنامج «وار تايم كافيه» يعتمد على حوارات بالإنكليزية مع شخصيات في لبنان. وكذلك برنامج «سجناء الحرب» الذي يتحدّث مع أسرى محررين في الضفة. إلى ترجمة كافة العمليات العسكرية التي يُصدرها الإعلام العسكري لحركات المقاومة المنضوية في المعارك القائمة لتحرير فلسطين حالياً. إنها برامج متميزة وليست موجودة في الفضاء الإعلامي على الإطلاق، وليس فيها تركيز على أخبار اللحظة، إنما على برمجة تقدم نظرة واسعة على المعركة بهدف توعية المتفرّج، ولا نتعمّد التأثير النفسي عليه كأن نعرض له مشهداً فيه دماء، إنما نقدم مشهدا كاملا وشاملا عن الواقع.
○ كيف وظّفت خبراتك الإعلامية وما حصّلته من علوم في كندا لتحقيق النجاح في تلفزيون تحرير فلسطين؟
• كخبير ومستشار قانوني في قوانين بث الإذاعة والتلفزيون، وكمختص في بناء محطات تلفزيونية تعبر عن الأقليات والشعوب الأصلية في المجتمعات، ومن خلال خبرتي في العمل في كندا وغيرها، فهذا شكّل عاملاً مساعداً جداً. بنينا محطة تلفزيونية تعتمد في معظمها على التطوع وعلى التبرّع. عندما نبني محطات إعلامية مجتمعية غير ربحية وغير مملوكة من الدولة ومن أغنياء المجتمع، فالمعادلة يجب أن تُبنى على شيئين، الأول كيف نستطيع أن ننتج إعلاماً يجذب المجتمع، وثانياً كيف نجذب المجتمع للتبرّع لإنتاج هذا العمل. نحن في حالة فريدة ليست متواجدة في الإعلام العربي. توقّع كثيرون فشل تجربة تلفزيون تحرير فلسطين، وذلك بسبب عدم وعيهم للمنظومة التي يجب أن تُبنى لتحقيق هذا الهدف.
○ كيف تتعاملون مع التطور الدراماتيكي للحرب على لبنان إلى جانب غزّة؟
• ما فعلناه تمثّل في زيادة الإنتاج. لدينا مشكلة بالوصول إلى الجبهة بعد بدء محاولات غزو لبنان. في السابق كنا ننتج أكثر من تقرير أسبوعياً من الجنوب، وهذا لم يعد متاحاً لنا الآن، إنما في إنتاجنا تغطية لباقي الأحداث في عدّة أماكن خاصة في بيروت. أنتجنا تقارير نسير خلالها في المناطق المدمّرة في بيروت، لنقدم للمتفرج نظرة على ما يحدث من إجرام على يد الصهاينة الذين يتعمّدون ضرب السكّان العزّل والبنية التحتية في بيروت.
○ من هو طاقم العمل وكم هو متخصص؟
• طاقم العمل منتشر في أنحاء المنطقة في فلسطين ولبنان وغيره، كما توجد عدة فرق في الخارج. يعمل أكثر من 10 صحافيين على الأرض في كل من لبنان وفلسطين. فيروز سلامة المحرّرة من سجون الاحتلال في عملية التبادل الأولى بعد طوفان الأقصى ترأس مكتب تلفزيون تحرير فلسطين في الضفة الغربية، وهي كانت من قيادات الطلاب في جامعة بيرزيت. عددنا حالياً بحدود 18 بين متطوع وعامل.
○ هل ترك الإعلام العربي باللغة الإنكليزية أثره على الطلاب في دول الغرب وخاصة الأمريكيتين؟
• من دون شك ترك أثراً، خاصة مع انعدام المنافس الغربي. كان الطلاب يبحثون عن معلومة فوجدوها، خاصة مع انخراط الشعب الفلسطيني كاملاً في الحرب الإعلامية على صعيدي الصورة والصوت، لنقل الواقع على الأرض. شغلوا فضاء التواصل الاجتماعي، كان تسونامي معلومات وصور من إنتاج مجتمعي قام به الشعب الفلسطيني، وشكّل عماداً لما استخدمته محطات التلفزيون العربية الرئيسية، وكان له التأثير الكبير جداً. الإعلام العربي ككل والموجه منه باللغة الإنكليزية نهض من خلال الإنتاج المجتمعي للشعب الفلسطيني، وبدونه لما رأينا ما رأيناه.
○ كمختص ومراقب ما هو رأيك بالقنوات التلفزيونية العربية الناطقة بالإنكليزية وما هو أثرها على الجمهور الغربي كما محطة «الجزيرة»؟
• مشكلة الإعلام العربي ككل دون التركيز أنه إعلام حكومي، حتى وإن لم يفصح بذلك، وهذا يعني أنّ المساحة الموجودة للتوجيه في هذا الإعلام قد تكون محدودة بالموقف الرسمي للحكومة الممولة له. ولهذا نرى في هذا الإعلام أن فلسطين، والجبهات الداعمة لتحررها كحزب الله وغيره، محكومة بالموقف الرسمي، ولهذا الإعلام العربي قاصر عن فتح مخيلة جديدة ليس فقط للمتفرج الغربي بل كذلك للمتفرج العربي. ليس للإعلام العربي اعطاء منظور لحل يمكن أن يفتح آفاقاً وأحلاماً للشعوب العربية الباحثة عن حلول لمشكلاتها.
○ قتل الاحتلال في أيلول/سبتمبر الزميلة وفاء العديني وعائلتها في غزة وكانت تدرّب الشباب على مخاطبة الرأي العام العالمي بلغته. هل بات العدو مُطلعاً على كل شاردة وواردة في الإعلام ويخشاه؟
• رحم الله وفاء العديني وكافة شهداء فلسطين. نعم يخشى العدو من أي تدريب محترف للشباب في مجال الإعلام. نحن كتلفزيون تحرير فلسطين تلقينا تهديدات بالقتل مرّات عدّة، ومن جهات عدّة، وأحد مصوّرينا جرى اختطافه في الضفة الغربية من قبل أجهزة السلطة، وكذلك رئيسة مكتبنا فيروز سلامة جرى اختطافها واطلق سراحها. نعم يتم الاستهداف والتركيز على كل من يبني قدرات في المجتمع، واستهداف لكل من يخرج عن السياق المحدود لما هو متحكم بالسوق الإعلامي من منظومات غربية. نحن كتلفزيون تطوعي نخصص أجراً رمزياً للصحافيين وهو لا يتعدى تغطية التكاليف. هم أشخاص يرغبون بوضع امكاناتهم في وسيلة إعلامية كجزء من جهود كبيرة هدفها الأكبر المساعدة بتحرير فلسطين. ولأن إنتاجنا عمل شعبي يواجه بهذا التضييق، هو عمل شعبي يمثّل واقع وأحلام وتمنيات الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني والشعوب العربية كافة. هو تلفزيون لا يتزين بأية زينة تتمناها الدول أو أي من الأفرقاء في العالم، لهذا وصلتنا تهديدات القتل من كافة أنحاء العالم من كندا واستراليا ومن الكيان الصهيوني وكذلك من لبنان وفلسطين وسواها.
○ لماذا برأيك كاد عدد شهداء الصحافة يقارب 180 بين لبنان وغزّة؟
• ذلك أن الصهيوني يريد قتل القصة كاملة وليس فقط في فلسطين، هدفه محو تاريخنا من الوجود وكذلك أرشيفنا، ما يريده هو الصمت الكامل ليس في هذه اللحظة بالذات بل منذ قرر اغتصاب فلسطين، وتشكل الصحافة شاهداً أول، كما أنها الشاهد الباقي. لذلك يرى الصهيوني في الصحافي واحداً من أعدائه الأوائل، ويقتل الصحافيين وعائلاتهم عن سابق تصور وتصميم.
○ ليث معروف الذي ولد وكبر خارج شرقنا والحروب الصهيونية على شعوبه ماذا قالت لك هذه الحرب الطويلة كشاب وأب وزوج؟
• ولدت في عمّان وعشت فيها، وكذلك في سوريا الحبيبة، وفي المملكة السعودية ومصر قبل الانتقال إلى كندا أوائل التسعينيات وكان عمري 17 عاماً. نعم أمضيت عمراً في الغرب. عيش الحروب مختلف بين أن نكون فرادى وأن يكون لنا نسل نرى فيه المستقبل ونريد حمايته. أن أكون أباً في مثل هذه الحروب هو أن أكون أشدّ نضالاً لإنجاز التحرير لأننا نفكر بالجيل المقبل. ونتمنى له أن لا يعيش كابوس الصهيونية كما عشناها نحن، وكما عاشتها الأجيال التي سبقتنا. تحرير فلسطين هو الحل الوحيد لسلامة أطفالنا في كامل الوطن العربي ولسلامة أطفال الإنسانية جمعاء.