الرباط ـ «القدس العربي»: متحف بلا جدران، لكنه نَجح في اصطحاب زُواره الافتراضيين في رحلة عبر الزمن، هذا هو حال متحف «Murakuc» الذي أسسه الشاب المغربي عادل فوزي في شباط/ فبراير 2021 والذي يسعى من خلاله إلى الحفاظ على التراث الثقافي المغربي المتنوع ونقله للأجيال القادمة.
يقول عادل فوزي ضمن حديث جمعه مع «القدس العربي» إن حساب المتحف الافتراضي حريص على أن ينشر بصفة يومية صُوراً تؤرخ للفترة من 1900 إلى 2000 وهي حقبة حافلة في تاريخ المغرب، شهدت العديد من الأحداث المفصلية التي غيّرت مسار البلاد، كفترة المقاومة والاستقلال. وبذلك يرسم لوحة فسيفسائية نابضة بالحياة، تسلط الضوء على قصص المقاومة والاستقلال.
وما بين صور لرجال وأطفال بملابس تقليدية في بداية القرن العشرين، ومغربيات يرتدين القفطان المغربي والحِلي، ومقاطع فيديو تعود للسبعينيات والثمانينيات تقدم نبذة عن مدينة الرباط إبانها، أو تقدم مقتطفات من سهرات فنية لفرق مغربية مشهورة، يشارك المتحف الافتراضي زواره ومتتبعيه البالغ عددهم 281 ألفا بكنوز بصرية في مسعى دؤوب لإحياء التراث المغربي وصون ذاكرته، ونقلها للأجيال الحالية والقادمة، ليستمر المغرب كما كان دائماً، منارة للتنوع والتعايش والسلام.
○ كيف استَلهَمتَ فكرة متحف Murakuc الافتراضي؟ وما مصدر إلهامك وشغفك؟
• استلهمت فكرة إنشاء متحف Murakuc الافتراضي من المثل المغربي الشهير: «الجديد ليه جدة والبالي لا تفرط فيه» (اعتنِ بالجديد ولا تُفرط بالقديم) الذي دفعني لتكريس جهودي للحفاظ على تاريخ وتراث المغرب الثري.
نشأ شغفي بتاريخ وثقافة وطني من جذوري العميقة في قرية ثْلاث نيعقوب الأمازيغية في جبال الأطلس الكبير، حيث ترعرعت في أسرة وطنية تفتخر بأصولها وتراثها المغربي، خاصة الأمازيغي منه.
أعود بالذاكرة إلى طفولتي، في صغري، كنت ذا فضول كبير ومحباً للاستطلاع والاستكشاف، وكان والدي دائماً بجانبي ليروي ظمأ فضولي من خلال حكاياته عن المقاومين المغاربة الأشاوس، والأساطير المتوارثة حول التراث المغربي، والتي ما تزال عالقة بذهني حتى الآن. بعدها كنت حريصاً على حضور المهرجانات الثقافية والمناسبات الوطنية، ولم أكن أفوّت أي فرصة للتفرُّج على الأعراس التقليدية بما تبرزه من أزياء وأطباق وأهازيج فولكلورية وعادات متوارثة عبر العصور.
دفعني هذا الشغف الجارف لتكريس قدراتي ومواهبي للحفاظ على هذا التراث العريق، وحمايته من عمليات التحريف والسرقة التي يتعرض لها من قبل جهات خارجية، مؤكداً أنه واجب على كل مغربي الافتخار بهويته والدفاع عنها بكل ما أوتي من قوة.
○ لماذا هذا الاسم Murakuc وما دلالاته؟
• كلمة «Murakuc» مشتقة من اللغة الأمازيغية، وهي الصيغة المتعارف عليها لدى الباحثين والمهتمين باللغة الأمازيغية للإشارة إلى المغرب. والمثير للاهتمام أن كلمة «Murakuc» هي أيضاً تنويعة لاسم مدينة مراكش، أو «Meṛṛakec» باللغة المحلية.
ومن المرجح أن «Murakuc» هي الصيغة الأمازيغية القديمة الأصلية لمراكش، كما نطقها سكانها خلال فترة الإمبراطورية الأمازيغية المرابطية، قبل حوالي 1000 عام. ويُعتقد أنه على مر القرون، تعرضت نطق «Murakuc» لتغييرات، لتتحول إلى «Meṛṛakec» في اللهجات الأمازيغية والدارجة.
وهذا التحور الطفيف في اسم المدينة يشبه ما حدث مع اسم مدينة تطوان «Tiṭwan» الذي تطور عن أصله الأمازيغي القديم «Tiṭṭawan» أو «Tiṭṭawin» واللذان يعنيان حرفياً العيون.
○ ما هي المصادر التي تعتمد عليها للحصول على الصور ومقاطع الفيديو المنشورة؟ هل تقوم باقتنائها أو جمعها من أصحابها؟
• أعتمد على تشكيلة واسعة من المصادر للحصول على الصور ومقاطع الفيديو التي أنشرها على المتحف. فبعضها يأتي من مجموعاتي الشخصية، وكنوز عائلية متوارثة تصدح بحكايات الماضي.
هذه الصور تلامس وجداني بشكل عميق، كونها تمثل رابطاً مباشراً بالنسيج الثري للتراث الثقافي المغربي الذي أتوق إلى مشاركته، وهذا الارتباط القوي هو ما أسعى لنقله إلى متابعيّ، لتعزيز تقديرهم للقصص التي تحكيها هذه الصور.
كما يمتد بحثي عن الصور إلى ما وراء مجموعاتي الخاصة، فمصدر رئيسي آخر هو متابعيّ الذين يساهمون بسخاء بصورهم الخاصة، ما يوسّع نطاق المشروع ومنظوره. كل مساهمة تضيف طبقة فريدة إلى السرد، مما يجعله أكثر قوة وتنوعاً.
هذه الصور، إلى جانب الموارد المتاحة لي من منصات مثل GettyImages و Alamy Images والأرشيف الدبلوماسي الفرنسي، تجعل من Murakuc نسيجاً غنياً للسرد البصري.
أختار الصور التي أنشرها بعناية فائقة، لضمان أن كل صورة تروي قصة أو تعكس لحظة مهمة أو تصور جانباً فريداً من الحياة المغربية. أتعمق في السياق التاريخي وراء كل صورة، مستقصياً القصص والحقائق المرتبطة بها. وتكتسب هذه العملية أهمية خاصة عندما تُظهر الصور أحداثاً تاريخية كبرى أو تُجسد التعايش بين مختلف مكونات النسيج الاجتماعي المغربي.
○ ما هي أقدم صورة منشورة في رواق المتحف؟
• من المعتقد أن أولى الصور التي التُقطت في المغرب تعود إلى بداية اهتمام المصورين الفرنسيين بالسفر إلى المغرب في مطلع عام 1870 بعد أن مهَّدَ لهم الفنانون الفرنسيون الطريق من خلال رحلاتهم إلى المغرب الذي بدأ في الانفتاح تدريجياً على الأجانب في ذلك الوقت.
لكن في الواقع، فإن أول صورة تم التقاطها في المغرب كانت أثناء الحرب الإسبانية المغربية، والتقطها إنريكي فاسيو، وهو مصور من مالقة، استعان به الكاتب بيدرو أنتونيو دي ألاركون الذي رافق الجنود الإسبان خلال هذه الحرب. التقط فاسيو هذه الصور في عام 1859.
لكن من أقدم الصور المنشورة في المتحف أيضاً نقش للأميرة المغربية للا مسعودة (1532-1591) الشخصية السياسية البارزة في العهد السعدي بالمغرب. تظهر للا مسعودة في النقش وهي ترتدي القفطان المغربي التقليدي المطرز بخيوط الذهب.
إن شخصية للا مسعودة وإرثها العظيم يستحقان أن يُسلط عليهما الضوء في متحف Murakuc كجزء من التراث المغربي الغني والمتنوع. فهي تجسد القيم النبيلة والمثل العليا التي طالما تمسك بها المغاربة، من كرم وعطاء وحكمة وريادة. وحكايتها خير شاهد على أن المرأة المغربية كانت دائماً شريكاً أساسياً في بناء الحضارة وصنع التاريخ.
○ هل لبعض الصور أو المقاطع قصص خاصة أو مميزة؟
• في الواقع، لكل صورة في المتحف قصتها الخاصة التي تستحق الحكي، فهي ليست مجرد لقطات عابرة، بل هي نوافذ على لحظات تاريخية مهمة وحكايات إنسانية مؤثرة، تشكل في مجملها السرد البصري للتاريخ المغربي.
ومن المجموعات التي أعتز بها كثيراً، تلك التي توثق ذكريات الطفولة والفترات المبكرة لأبناء المغرب البارزين، وهي صور غالباً ما تكشف جوانب إنسانية قلما تلقي وسائل الإعلام التقليدية الضوء عليها. ومن تلك الصور، على سبيل المثال، صورة نادرة جداً للملك الراحل الحسن الثاني في شبابه وهو يلعب كرة القدم، وهي صورة تظهر الجانب العفوي والرياضي من شخصيته بعيداً عن البروتكولات الرسمية.
كذلك أفخر بمجموعة الصور التي أمتلكها والتي توثق اللحظات الأولى لعودة المغاربة المقيمين بالخارج إلى أرض الوطن خلال عطلة الصيف، تلك العودة التي طالما ارتبطت بمشاعر الحنين والفرح والتواصل الأسري. هذه الصور تبرز عمق الروابط التي تجمع الشعب المغربي، بغض النظر عن المسافات والحدود الجغرافية.
أما أكثر الصور التي أعتز بها، فهي تلك التي تجسد التعايش والانسجام بين مختلف مكونات النسيج الاجتماعي المغربي رغم تنوعها، سواء من حيث الأصول الإثنية أو المعتقدات الدينية. وهي صور تظهر مغاربة من مختلف الأطياف وهم يتقاسمون أفراح الأعياد، ويتبادلون التهاني، ويشاركون معاً في طقوس الحياة اليومية، في مشهد جميل يجسد روح التسامح والإخاء التي طالما تغنى بها المغاربة.