الأوبرا والكلب: المعرفة أم التخييل؟

تُعد الرواية من أكثر الفنون الأدبية ثراءً وانفتاحا على بقية الفنون الأدبية وغير الأدبية المجاوِرة، وعلى الواقع والفكر والتاريخ والحياة بكل ما ينضح فيها من تناقضٍ وأسئلةٍ، وتحولات. هذه الطبيعة الانفتاحية تجعل من هذا الفن وعاءً مرنا يستوعب مختلفَ الاتجاهات والمعارف، التي تتواشج مع نسيجه التخييلي، وتشغل بؤرتَه المفصلية؛ فطالما وظف الروائيون معارفَهم المكتسبَة من مطالعاتهم وتجاربهم، وخبراتهم، ولونوا بها عوالمَ شخوصهم، وتفاصيلَ أيامهم، وطالما وقف القارئُ مُندهِشا أمام ما يعترضه من فيوضٍ معرفيةٍ تتناغم مع حبكة العمل، وتتماهى مع خطابه الفكري المضمَر أو الظاهر، دون أن يكون مُلزَما بالتعويل عليها، أو اتخاذها مصدرا يطمئن إلى رصانته اطمئنانَه إلى رصانة الدراسات الأكاديمية الصارمة.

وفي رواية “الأوبرا والكلب” للعراقي علي الشوك (ط1: 1999) تحضر المعرفة الموسيقية في أعلى تجلياتها، وتستوعب الجزءَ الأكبرَ من الحبكة وسيرورة الأحداث، حيث اختار الكاتبُ أن تكون الشخصية المحورية في عمله هذا باحثةً موسيقيةً نمساويةً من أصولٍ عربيةٍ، تعد أطروحةً أكاديميةً عن التعالق بين الموسيقى الأندلسية المغربية وموسيقى أوكاسان ونيكوليت الغربية، تعيش مع والدتها في فيينا، بعد وفاة والدها العربي، وانفصالها عن زوجها الذي تزوجته دون موافقته. يمتزج في أعماق هذه الشخصية عنفوانُ الشرقيين مع عقلانية الغربيين، وتأتي بقية الشخوص مُكملةً لحضورها، خادمةً له؛ بدءا بأمها الأرملة القوية الداعمة، وزوجها السابق “هيرمان” الذي لم يدخرْ جهدا في سبيل إسعادها دون جدوى، بسبب شعورها الدائم بالذنب نحو أبيها المتوفى، واعتقادها أنها كانت السببَ في رحيله، حين تحدتْه، وتزوجت دون إرادته، و”ناصر إبراهيم” الأكاديمي المغربي، الذي اِلتقتْه في زيارتها للمغرب بحثا عن مصادر تدعم بحثَها، ولم يألُ جهدا في سبيل مساعدتها وتشجيعها، بل وقع في حبها دون جدوى أيضا، لأن قلقَها وميلَها المزمنَ نحو الكمالية يمنعانها دوما من الاسترخاء والهدوء.

يدور هؤلاء كلهم حول “ياسمين” ويُسخرهم الكاتبُ جميعا لخدمتها، فلا يملك أي واحدٍ منهم ملامحَ نفسيةً أو وجوديةً تخصه؛ جميعهم تحت تصرفها، ولا وقت لديهم لفعل شيءٍ آخر، فلا شيء أهم من رفع معنوياتها المنهارة دائما، واحتوائها، والعناية بها!
ومن هنا يمكن تأمل هذه الرواية من ناحيتيْن، الأولى هي: “التخييل” أي طريقة الكاتب في تشكيل ملامح الشخوص وتكوين عوالمهم وظلالهم الداخلية والخارجية، والثانية هي: “المعرفة” التي استعان بها في تلوين حبكته السردية، وصقل تفاصيلها، مما يمكن عرضُه في الآتي:
التخييل: امتصت الشخصية المحورية “ياسمين” ملامحَ جميع الشخوص المحيطين بها، ما يدعو إلى ضرورة تأمل عالمِها الداخلي، ومحاولة لمس خفاياه أو ظواهره، التي أتت مع الأسف في غاية التفككِ والهشاشة؛ فياسمين هذه ذاتٌ مسكونةٌ بالذنب، مُستعذِبَةٌ للنكد في أعذب الأوقات وأصفاها؛ شهر العسل في “كريت” مع الرجل الذي تهواه: “دهمتني حالةٌ هستيريةٌ من البكاء العنيف، تذكرتُ أبي وما يمكن أن يُسببه له زواجي من شقاء”.

هشةٌ، تبكي بمرارة أيضا، بل ترغب في الموت، لأن أستاذَها ينصحها بإعادة النظر في أحدِ عناصر بحثِها: “تملكتْها حالةٌ من الإحباط وخيبة أمل شديدة، بكت، وساورتْها أفكارٌ سوداويةٌ بما في ذلك الرغبة في الموت”. كماليةٌ، لا تتقبل النقصَ في عملها، وتبرع في صنع الدراما كلما تعثر سعيُها ولو قليلا، كما تذكر والدتُها: “كان البيتُ ينقلب إلى مناحةٍ عندما كانت تؤدي امتحاناتها، لأنها بحكم كونها مُجِدةً، وتتمتع بذكاءٍ لا بأس به، لم تكن تقنع إلا بالإجابات الكاملة”، لا تعرف ما تريد، ولا تكف عن وضع نفسِها رهينةَ رغائب الآخرين، فلا تقوى إلا على الاستجابة لهم، مهما كلفها هذا من عنتٍ وعناءٍ؛ فمثلا لا تستطيع رد شاب يطلب مراقصتَها: “استجبتُ له عن كرهٍ، لأنني أشفق من أن أرفض طلبَهم، وبعضهم يلح فيزيدني حرجا”. غير ناضجةٍ، وغير واثقةٍ من نفسها، فلا يكاد “هيرمان” يُشجعها على السفر إلى المغرب حتى تشك في حبه لهان ولا تكاد تقرر السفرَ أخيرا حتى ترتعب من فعل ذلك بمفردها، دون أمها التي لم تُفطَمْ بعد عنها. أنانيةٌ، وغير قادرةٍ على الانفتاح الحقيقي على الآخرين، فلا تفعل شيئا سوى شغلهم بموضوع أطروحتها، وإشكالات بحثها: “شمر الجميعُ عن سواعدهم، وكأن موضوعَها بات همهم جميعا”.

هكذا تسير فصولُ الرواية، ولا هم لهذه الشخصية غير الجذابة سوى الحديث عن بحثها، ومراجعها، ومخاوفها، ما يجعلها باهتةَ الملامح، مُسطحةَ الحضور، وما من دورٍ سردي تؤديه سوى دور حاملِ المعرفة، ومُمررِ المعلومات، ما يتنافى مع خصوصية فن الرواية، الذي يُقاس نجاحُه بنجاح الكاتب في تقديم شخصياتٍ إشكاليةٍ، جذابةٍ، ناضحةٍ بالأسئلة، والصراعات العميقة مع ذاتها، أو مع غيرها، أو مع الواقع، وهنا يأتي الشق الثاني:
المعرفة: هنا تبدو ثقافة الكاتب الموسيقية في أعمق تجلياتها، فلا يملك القارئُ سوى أن يعجب بدقة وعمق المعلومات التي احتشدت بها الرواية، ولا يعرفها سوى المختصين، أو مَنْ بذلوا جهدا لا يُستهان به في الكدح الذاتي، والاستماع والتذوق، وتتبع روائع الأعمال ومغمورِها، وهو ما أثبته الكاتبُ ببراعةٍ، بدءا بالمشهد الافتتاحي الذي وصف فيه بدقةٍ ملامحَ الموسيقار الشهير ليست (Liszt) ومظهرَه الشبيهَ بمظهر قديسٍ، وطقوسَه حين يشرع في العزف، وهوس الجمهور به وبموسيقاه، وما تلاه بعد ذلك من معلوماتٍ دقيقةٍ حول التعالق التاريخي والحضاري الكبير بين الموسيقى الشرقية ونظيرتها الغربية، جاء هذا في مقاطع كثيرةٍ من حوارات ياسمين مع المحيطين بها، باعتبار أن هذا هو موضوع أطروحتها الذي تشغل به الجميع، فأتى الحديثُ ثريا جدا، وعميقا، يضيف للقارئ معلوماتٍ كثيرةً يجهلها، ويعجب لها، وهي حصادُ قراءاتٍ كثيرةٍ وأبحاثٍ مستفيضةٍ أنجزها الكاتبُ، ووثق بعضَها في مؤلفاته التنظيرية، مثل: “أسرار الموسيقى” و”الموسيقى بين الشرق والغرب” و”الموسيقى والميتافيزيقا” وغيرها.
ولكنْ، هل تكفي هذه المعرفة الرصينة لصنع روايةٍ رصينة؟ مع الأسف الشديد: كلا، هذا لا يكفي؛ فليست الغاية من فن الرواية تقديم معرفةٍ جاهزةٍ للقارئ، بل الغاية تقديم عالمٍ مُتماسِكٍ، يوازي الحياةَ أو يتخللها؛ عالم تنساب فيه المعرفةُ أيا كان نوعُها على لسان الشخوص، وتتجذر في صميمَ وعيهم بما ينسجم مع تكوينهم وبنائهم النفسي والوجودي، ما يعني ضرورة العناية بتعميق هذه الجوانب المفصلية، وعدم التعويل على شحن العمل بمعلوماتٍ قد تكون قيمةً، ولكنْ موضعها الأنسب ليس في روايةٍ، بل في كتابٍ تنظيري كبقية الكتب، التي ألفها الكاتبُ بشغفٍ عن فن الموسيقى.
٭ كاتبة جزائرية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية